-
بين "سورية الواقع" ومطابخ الفضاء الافتراضي: تفكيك فزاعات الخوف في الساحل
في قاعة "بيروت" بفندق "غولدن مزة"، حيث كانت تدور الأحاديث الرسمية فوق طاولات يعلوها وقار دبلوماسي مصطنع، دار بيني وبين مستشارة إحدى البعثات الدبلوماسية الغربية حوار اختزل الفجوة القائمة بين "سورية الواقع" وتلك التي تصنعها الشاشات والتقارير الافتراضية.
حين علمتْ السيدة بلكنتها الغربية أنني أتحدر من مدينة اللاذقية، ارتسمت على وجهها علامات الفضول، وسألتني بحذر: "كيف تدير شؤونك هناك؟ ولماذا ما زلت متمسكاً بالإقامة في الساحل السوري وأنت تملك خيار العيش في أوروبا؟". أدركتُ فوراً حجم الروايات المسبقة المخزنة في ذهنها، فأجبتها: "لأن المؤشرات الأمنية واليومية في مدينتي تسير نحو الاستقرار، والناس يمارسون تفاصيل حياتهم الطبيعية بلا وجل".
لم تقتنع السيدة تماماً؛ مالت برأسها قليلاً وسألت: "وماذا عن الفصائل المسلحة؟"، فقلت لها: "لقد جرى إنهاء المظاهر المسلحة غير الرسمية بالكامل، وهناك تفعيل مستمر لسيادة القانون والضبط الأمني عبر المؤسسات الرسمية". هنا، طرحت ورقتها الأخيرة المستوحاة من الفضاء الرقمي: "ولكن، ماذا عن قضايا خطف النساء في الساحل؟".
هذا السؤال تحديداً، يفضح كيف تنجح أحياناً دوائر صناعة المحتوى الافتراضي في إنتاج مواد موجهة لترسيخ رواية معينة. إن قضايا اجتماعية شهدت تضارباً واسعاً في رواياتها العائلية والشخصية، كقضية بتول علوش أو ميرا جلال، يجري أحياناً نزع سياقها الطبيعي عمداً، لـتُلبس ثوب "الاستهداف الطائفي الممنهج" في محاولة لوسم ملامح المرحلة الانتقالية الحالية.
إذ إنه عند تشريح الحالات التي يجري تداولها كجرائم خطف، يتضح أن المجتمع السوري المتنوع يضم مكونات تفرض قيوداً صارمة على الارتباط الخارجي، خصوصاً إذا كان الشريك ينتمي إلى الأكثرية التي تشترط تشريعاتها الدينية دخول الطرف الآخر في دينها لإتمام الزواج قانونياً. ومع غياب التشريع المدني في أمور الأحوال الشخصية، تجد الكثير من الفتيات والشباب أنفسهم أمام جدار اجتماعي وديني مسدود؛ هنا، يبرز خيار "الخطيفة" أو "الشريدة" كآلية اجتماعية وتقليد قديم تلجأ إليه الأطراف بمحض إرادتها لكسر الرفض العائلي وفرض الزواج كأمر واقع. إن تحويل هذا المأزق الاجتماعي المشترك، الذي يعاني منه السوريون في مختلف المحافظات، إلى "استهداف طائفي منظم" يمثل قراءة قاصرة وتزييفاً للحقائق السوسيولوجية على الأرض.
إن محاولة تصوير هذه الظاهرة الاجتماعية غير المستجدة وكأنها تصفية حسابات سياسية في ظل الواقع الجديد، تعيدنا مباشرة إلى قراءة سيكولوجية المنظومة الأمنية لنظام الأسدين؛ تلك المنظومة التي كانت تملك تاريخياً القدرة المطلقة على "تأميم الشائعة" أو توجيهها وفق ما يخدم استمراريتها الاستبدادية.
لقد قامت تلك الماكينة لعقود على استنهاض العصبية، ودفع أبنائها إلى القتال ضد تطلعات الشعب السوري، عبر الاستثمار الممنهج في ترويج روايات حماية الأقليات، وبالأخص النساء، من "الإبادة والسبْي"، وتحت لافتة "محاربة الإرهاب". واليوم، نرى المفارقة في أن هذه السردية تعيد إنتاج نفسها بدقة عبر منصات وأصوات تدعي المعارضة، إلا أنها تنهل من ذات المقاربة الفكرية؛ حيث تعمد إلى تحويل حوادث اجتماعية وفردية إلى مواد دسمة لبث الذعر، وإعادة إحياء سرديات المظلومية، وإلباس مكون الأكثرية السورية ثوب التعصب.
هنا تحديداً، يتقاطع خطاب البروبغندا الافتراضية القائم على التعبئة العاطفية، مع الإرث الإعلامي الموجه السابق؛ في تلاقٍ يستهدف إبقاء أبناء الطائفة العلوية أسرى لعقدة الخوف، وحصرهم داخل مربع وهمي، أضلاعه: التوجس، والتبعية، والرهاب الاجتماعي، والمظلومية التاريخية.
وفي مقابل هذا التوجس الافتراضي، يتحرك الواقع السوري الحالي نحو التأسيس لعقد اجتماعي مغاير، ركيزتاه الأساسيتان هما المواطنة والمحاسبة تحت سقف القانون والمساواة. ويتجلى الوعي العام في الحرص على عدم تحويل مطالب "العدالة الانتقالية" المحقة إلى أيديولوجيا انتقامية تسعى للاقتصاص الجماعي، بل جعلها مساراً قانونياً ومؤسساتياً يهدف لإنصاف الضحايا وبناء المؤسسات دون ارتهان لأحقاد الماضي. فما حاولت ترويجه بعض المنصات من سرديات حول "التسريح التعسفي" لإثارة القلق، لم يكن في حقيقته إلا عملية غربلة وإصلاح إداري اقتصرت على إلغاء العقود الوهمية التي كانت تستنزف مقدرات المؤسسات بلا إنتاجية، ورغم ما تواجهه هذه المسارات الهيكلية من تحديات البيروقراطية الموروثة، فقد كفلت الإجراءات الجديدة حقوق الموظفين الفاعلين والمثبتين في بنية الدولة، بغض النظر عن انتمائهم الطائفي أو المناطقي.
أما الحالة الاقتصادية الصعبة اليوم، فليست نتاج سياسة موجهة لإفقار مناطق بعينها، بل هي انعكاس لمأزق بنيوي عام وواقع معيشي بالغ القسوة يكابده السوريون في كافة المحافظات دون تمييز. فمع بدء محاولات الانتعاش بعد رفع العقوبات الدولية، تعثرت هذه المسيرة مؤراً بفعل العواصف الإقليمية الضاغطة، وعلى رأسها التوترات العسكرية الأخيرة في المنطقة وآثارها على إمدادات الطاقة والمجالات الجوية. ورغم هذه الأنواء، حافظت السياسة العامة في دمشق على الانكفاء والتركيز على معالجة الأزمات الداخلية الموروثة من العهد البائد، بل إن الجغرافيا السورية قدمت نفسها كـ"نقطة عبور بديلة" وممراً حيوياً آمناً في المنطقة، منأى عن الانخراط في صراعات إقليمية دموية.
إن محاولة تحويل الساحل السوري إلى "غيتو" معزول ومذعور تصطدم أولاً بحقائق الجغرافيا وحركة الواقع؛ فالساحل لم يكن يوماً بقعة مغلقة، بل كان عبر التاريخ رئة منفتحة بحراً وبراً على الحواضر السورية، وعلى الفضاء الإقليمي والدولي.
من هنا، عدتُ إلى حواري مع المستشارة الدبلوماسية في قاعة فندق "غولدن مزة"، وقبل أن تغادر، قلت لها: "إن أوضاع الساحل في سورية اليوم لا تقرؤها تقارير المنصات الرقمية، بل تقرؤها حركة الحياة اليومية، والمشاريع التجارية والخدمية في الساحل التي تشهد تدفقاً من الوافدين من كل المحافظات السورية بلا استثناء. تقرؤها دوائر الدولة التي باتت تعتمد أنظمة الأتمتة للحد من الوساطة، والمجالس البلدية التي بدأت تعتمد على الكفاءات والتكنوقراط، والانتشار المنظم لقوى نفاذ القانون لحماية أمن المواطن الفرد. هناك في الشوارع وحركة الحياة اليومية المنفتحة يُصنع الاستقرار الحقيقي، أما ما يُطبخ في الفضاء الافتراضي فليس إلا محاولة يائسة لإعادة إنتاج الخوف لدى من قرروا أخيراً كسر أضلاع زنزانة الماضي".
الدكتور أسامة أحمد نزار صالح
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

