-
لا أحد يشتري… والأسعار ترتفع المفارقة التي تكشف أزمة الاقتصاد السوري
في السوق السورية اليوم، تبدو الصورة للوهلة الأولى غير منطقية. القدرة الشرائية تتراجع، والسيولة لدى الأسر أضيق، والمستهلك يعيد حساب كل ليرة قبل أن يشتري. الكميات التي كانت تُشترى بالكيلو أصبحت تُشترى بالنصف، وما كان يدخل سلة الأسرة بشكل منتظم أصبح مؤجلاً أو قابلاً للحذف. ومع ذلك، لا تتصرف الأسعار دائماً كما يفترض أن تتصرف في سوق ضعيف الطلب.
في الاقتصاد التقليدي، تراجع الطلب يفترض أن يضغط على الأسعار. لكن ماذا يحدث عندما يتراجع الطلب في الوقت الذي ترتفع فيه تكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع، وتتسع مخاطر سعر الصرف، ويصبح التاجر مضطراً إلى التفكير في تكلفة استبدال بضاعته قبل أن يبيعها؟
هنا تبدأ المفارقة السورية.
المشكلة لم تعد مجرد ارتفاع في سعر البندورة أو البطاطا أو الفاكهة. هذه الأسعار أصبحت نافذة نطل منها على خلل أعمق في آلية تكوين الأسعار نفسها. فالسوق لا يعمل فقط وفق العلاقة المباشرة بين العرض والطلب، وإنما تتدخل فيه السيولة، وهيكل العملة، وتكاليف المعاملات، وتوقعات التضخم، وتكلفة الاستبدال، وسلوك المنتج والتاجر والمستهلك.
والأخطر أن هذه العوامل يمكن أن تتفاعل مع بعضها لتنتج حلقة تراكمية: ارتفاع في التكلفة، ثم إعادة تسعير، ثم تراجع في المبيعات، ثم ارتفاع في المخاطر، ثم إعادة تسعير جديدة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا أصبحت الخضار غالية؟
بل سؤال أكثر عمقاً: ماذا يحدث لاقتصاد ترتفع فيه الأسعار بينما تتراجع القدرة على الشراء؟
ومن هنا تبدأ المفارقة التي نحاول تفكيكها.عندما تنخفض السيولة… لماذا ترتفع الأسعار؟
الخضار والفواكه في سوريا بين التضخم وإعادة التسعير
قد يبدو المشهد السوري في ظاهره متناقضاً. أسواق تعاني من ضعف السيولة، وأسر تتراجع قدرتها الشرائية، وحركة شراء أكثر حذراً، ومع ذلك لا تتصرف الأسعار دائماً كما تفترض النظرية الاقتصادية في حالة انكماش الطلب. بعض السلع تنخفض أسعارها عندما تصل إلى ذروة إنتاجها الموسمي، بينما تقاوم سلع أخرى هذا الاتجاه، وتبقى مرتفعة أو تعاود الارتفاع. وفي الخلفية تتصاعد تكاليف الإنتاج والنقل والتوضيب والتوزيع، بينما يعاد تشكيل النظام النقدي نفسه بعد استبدال العملة وتراجع توافر الفئات النقدية الصغيرة.
المفارقة هنا ليست في أن الأسعار ترتفع. التضخم ظاهرة معروفة في الاقتصاد السوري منذ سنوات. المفارقة أن الأسعار تستطيع أن تبقى مرتفعة أو ترتفع في سوق لا يبدو فيه الطلب قادراً على استيعابها. وهذا يفرض علينا تجاوز التفسير المباشر الذي يربط السعر فقط بحجم الطلب أو بتقلب سعر الصرف. فالسعر في الاقتصاد الهش لا يتحدد دائماً عند نقطة التوازن التقليدية بين العرض والطلب، بل قد يصبح نتيجة لتفاعل مجموعة من القيود التي تعمل في وقت واحد.
وتظهر الخضار والفواكه كحالة مناسبة لفهم هذه الآلية. فهي سلع شديدة الحساسية للموسمية، وسريعة التلف، وتنتقل عبر سلسلة توزيع طويلة. ولذلك يفترض اقتصادياً أن تؤدي وفرة الإنتاج في موسم الذروة إلى خفض الأسعار. وقد حدث ذلك فعلاً في بعض الأصناف خلال الصيف. لكن انخفاض السعر عند مستوى المنتج أو سوق الجملة لا يعني بالضرورة انخفاض تكلفة السلة الغذائية التي تواجهها الأسرة. فبين الحقل والمائدة توجد تكلفة نقل وطاقة وتعبئة ووساطة وفاقد وتمويل ومخاطر سعرية. وكلما ارتفعت تكلفة هذه الحلقات، تراجع أثر الوفرة الزراعية على السعر النهائي.
من هنا تبدأ المسألة الأكثر أهمية. التضخم الغذائي لا يُقاس فقط بما يحدث لسعر السلعة، بل بما يحدث للعلاقة بين سعرها ودخل الأسرة وتكلفة إعادة إنتاجها. قد ينخفض سعر كيلو البندورة، بينما ترتفع تكلفة النقل والطاقة. وقد يبقى سعر البطاطا مستقراً، بينما يرتفع سعر الفاكهة. وقد لا ترتفع أسعار جميع السلع، لكن الأسرة تجد نفسها مضطرة إلى تقليص كميات الشراء أو التخلي عن بعض الأصناف. عند هذه النقطة يتحول التضخم من رقم في مؤشر الأسعار إلى تغير فعلي في مستوى المعيشة.
وهناك بعد نقدي أكثر دقة. فضعف السيولة لا يعني بالضرورة أن النقود أصبحت قليلة فقط، بل قد يعني أن النقود المتاحة لم تعد تؤدي وظيفة وسيلة الدفع بالكفاءة نفسها. ندرة الفئات الصغيرة، وصعوبة توفير الفراطة، واختلال التناسب بين قيم السلع والفئات النقدية المتداولة، كلها عوامل قد تبدو هامشية في التحليل الكلي، لكنها تصبح مؤثرة جداً في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقد. وعندما تتكرر هذه الاحتكاكات في آلاف المعاملات اليومية، فإنها لا تبقى مشكلة تشغيلية لدى البائع والمستهلك، بل تبدأ بالتأثير في كيفية اكتشاف السعر وتحديده.
في الجانب الآخر، لا يستطيع المنتج والتاجر تجاهل ارتفاع تكلفة إعادة تكوين المخزون. ففي بيئة تتغير فيها أسعار المدخلات وسعر الصرف وتكاليف النقل بسرعة، تصبح تكلفة السلعة التي ستُشترى غداً أكثر أهمية من تكلفة السلعة التي اشتريت أمس. ومن هنا يمكن أن ينشأ التسعير وفق تكلفة الاستبدال، حتى عندما يكون الطلب ضعيفاً. وهذه الآلية تساعد في تفسير لماذا لا تنتقل كل آثار انكماش الطلب إلى الأسعار، ولماذا قد يتحول انخفاض المبيعات بدلاً من ذلك إلى ضغط إضافي على هوامش المنتجين والتجار.
لكن قراءة المشهد لا تكتمل من دون الاقتصاد السياسي للسوق. فالسلعة لا تتحرك داخل فراغ اقتصادي محايد. هناك تفاوت في القدرة على الوصول إلى التمويل، وفي القدرة على تخزين المنتجات، وفي الوصول إلى الأسواق الخارجية، وفي تحديد هوامش الربح، وفي تحمل مخاطر تقلب الأسعار. كما أن التصدير يعيد توزيع جزء من الإنتاج بين السوق المحلية والأسواق الخارجية. لذلك فإن السؤال عن سعر الغذاء هو، في جانب منه، سؤال عن من يتحمل تكلفة التضخم ومن يملك القدرة على تمريرها إلى الحلقة التالية في سلسلة القيمة.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يحدث في تموز وآب لا ينبغي أن يُقرأ سريعاً باعتباره موجة تضخم غذائي متجانسة، ولا باعتباره مجرد انعكاس موسمي للأسعار. الأرجح أننا أمام عملية إعادة تسعير أكثر تعقيداً، تتقاطع فيها صدمات العرض والتكلفة مع قيود السيولة وتغير سلوك المستهلك وتبدل وظائف النقود.
وهنا يصبح السؤال المركزي للمقال أكثر تحديداً:
ماذا يحدث للأسعار عندما ينكمش الطلب، لكن تكلفة إنتاج السلعة وإعادة إنتاجها وتداولها تواصل الارتفاع؟
والإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالبندورة والخيار والتفاح وحدها. إنها تتعلق بقدرة الاقتصاد السوري على تحويل الإنتاج إلى أسعار قابلة للتحمل، وتحويل النقود إلى وسيلة دفع فعالة، وتحويل الدخل النقدي للأسرة إلى قدرة حقيقية على تأمين الغذاء.
لذلك، فإن قراءة أسعار الخضار والفواكه خلال هذه المرحلة ليست مجرد متابعة لحركة السوق. إنها نافذة صغيرة على سؤال أكبر: هل يعاني الاقتصاد السوري من تضخم في الأسعار فقط، أم من خلل أعمق في الآلية التي تتشكل بها الأسعار نفسها؟
المشكلة الأعمق: السيولة لا تختفي فقط… بل تفقد مرونتها
ربما يكون هذا هو المتغير الأقل ظهوراً في النقاش العام حول الأسعار، والأكثر أهمية في فهم ما يحدث داخل السوق السورية. فعندما نتحدث عن نقص السيولة، غالباً ما نفكر في كمية النقود المتاحة لدى الأسر والتجار. لكن الاقتصاد النقدي لا يعمل بالكمية وحدها. هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تركيب السيولة المتاحة مناسب لطبيعة المعاملات التي تجري في السوق؟
النقود تؤدي وظائف أساسية ثلاثاً: وحدة للحساب، ووسيلة للدفع، ومخزناً للقيمة. وعندما تتغير بنية العملة، لا يكفي أن تكون القيمة الإجمالية للنقود الموجودة في الاقتصاد كافية نظرياً. يجب أن تكون الفئات النقدية قادرة على تسوية المعاملات الفعلية. وهذه النقطة تصبح شديدة الحساسية في أسواق التجزئة، حيث تكون قيمة الوحدة الواحدة من السلعة صغيرة، بينما تتكرر المعاملات آلاف المرات يومياً.
في الحالة السورية، يصبح هذا الخلل أكثر وضوحاً مع الانتقال إلى العملة الجديدة. فالمشكلة ليست فقط في استبدال الأوراق القديمة بأخرى جديدة، وإنما في كيفية انتقال الاقتصاد من هيكل نقدي إلى آخر من دون أن يفقد السوق أدوات التسوية اليومية. عندما تتراجع الفئات الصغيرة أو تصبح أقل توافراً من الحاجة الفعلية إليها، فإن ما يسمى في الاقتصاد تكاليف المعاملات Transaction Costs يبدأ بالارتفاع. وهذه التكاليف لا تظهر بالضرورة كبند مستقل على فاتورة المستهلك، لكنها قد تظهر في طريقة التسعير نفسها.
لنفترض أن سلعة ما يبلغ سعرها 37 ليرة جديدة، وأن سلعة أخرى تبلغ 43، وثالثة 54. في سوق تتوافر فيها الفئات المناسبة، لا توجد مشكلة اقتصادية حقيقية. يدفع المستهلك القيمة الدقيقة ويحصل البائع على الباقي. لكن عندما تصبح الفئات الصغيرة نادرة، تتغير المعادلة. يصبح على البائع أن يجد طريقة لتسوية الفرق، وقد لا يكون قادراً على ذلك في كل معاملة. فيبدأ التقريب، أو الجمع بين عدة سلع، أو استبدال جزء من القيمة بسلعة أخرى، أو ببساطة تعديل السعر نحو فئة نقدية أكثر توافراً.
قد يبدو الفرق الناتج عن كل معاملة صغيراً جداً. لكن الاقتصاد لا يتعامل مع معاملة واحدة. نحن نتحدث عن ملايين عمليات الشراء والبيع اليومية. وإذا تراكمت فروقات صغيرة في سوق واسعة، فإنها تتحول إلى تكلفة اقتصادية حقيقية. وهنا يصبح نقص الفئات الصغيرة أشبه بـضريبة احتكاك تفرضها بنية النقد على التداول، حتى وإن لم تكن ضريبة رسمية.
والأهم أن هذا الاحتكاك لا يقع على طرف واحد. الأسرة تتحمل جزءاً منه، والبائع يتحمل جزءاً آخر. الأسرة التي تدخل السوق بميزانية محدودة لا تستطيع دائماً تحمل فروقات متكررة في الأسعار. أما البائع، وخصوصاً في السلع سريعة التلف، فلا يستطيع تأجيل البيع طويلاً في انتظار توفر فئات نقدية مناسبة. وبالتالي قد يصبح تعديل السعر هو الحل الأسرع لتسوية المعاملة.
وهنا تبدأ العلاقة بين بنية النقد وتكوين السعر.
في الظروف الطبيعية، يمكن للسعر أن يتحرك بدرجات صغيرة نسبياً استجابة لتغيرات العرض والطلب. أما عندما تكون وحدات التسعير نفسها مقيدة بالفئات النقدية المتاحة، يصبح السعر أكثر ميلاً إلى القفز بين نقاط سعرية محددة. وهذا يعني أن السوق قد تفقد جزءاً من قدرتها على إجراء تعديلات سعرية دقيقة.
هذه المسألة مهمة جداً بالنسبة إلى الخضار والفواكه. فهي سلع منخفضة القيمة نسبياً لكل وحدة، لكنها ذات تكرار مرتفع في الاستهلاك. الأسرة لا تشتري كيلوغراماً واحداً من سلعة واحدة مرة في الشهر. إنها تدخل السوق بصورة متكررة، وتشتري عدة أصناف بكميات صغيرة. ولذلك فإن أي خلل في تسوية المدفوعات يمكن أن يتراكم بسرعة داخل ميزانية الأسرة.
لكن هناك جانباً آخر أكثر عمقاً. نقص السيولة قد لا يعني فقط صعوبة الدفع، بل قد يعني أيضاً انخفاض سرعة دوران النقود. عندما يصبح النقد أكثر ندرة، يبدأ الأفراد والتجار بالاحتفاظ به لفترات أطول، لأن الحصول عليه أو استبداله يصبح أكثر صعوبة. وهنا يمكن أن تتراجع قدرة وحدة نقدية واحدة على تمويل عدد أكبر من المعاملات خلال الفترة نفسها. وبالتالي لا يكون الأثر الاقتصادي لنقص السيولة مساوياً ببساطة لانخفاض كمية النقود المتداولة.
هذه النقطة تفتح الباب أمام تحليل أكثر دقة للعلاقة بين الكتلة النقدية ومستوى الأسعار. فالمعادلة النقدية التقليدية التي تربط النقود بمستوى الأسعار تفترض، بدرجة معينة، أن سرعة التداول ليست شديدة التقلب. لكن في اقتصاد يمر بصدمة نقدية ونقدية-مؤسسية في الوقت نفسه، قد تتغير السرعة وسلوك الاحتفاظ بالنقد معاً. وبالتالي يصبح قياس «السيولة» من خلال حجم النقد وحده غير كافٍ.
ومن منظور الأسرة السورية، يظهر الأثر في صورة مختلفة. الأسرة لا تقول إن «سرعة دوران النقود انخفضت». هي ببساطة تلاحظ أن الدخل الذي كان يكفي لشراء مجموعة معينة من السلع أصبح يتطلب قرارات أكثر صعوبة. وإذا كانت الفئات النقدية المتاحة لا تسمح بالدفع الدقيق، فقد تزداد تكلفة كل رحلة إلى السوق حتى من دون ارتفاع رسمي مماثل في سعر جميع السلع.
أما بالنسبة إلى التاجر، فإن نقص السيولة قد يغير سلوكه أيضاً. انخفاض حركة البيع يعني بطء إعادة تدوير رأس المال. وفي الوقت نفسه، الحاجة إلى الاحتفاظ بالنقد أو المخزون قد ترتفع بسبب عدم اليقين. وهنا يصبح رأس المال أكثر تكلفة. والتاجر الذي يواجه تكلفة تمويل أعلى ومخاطر أعلى لن يتصرف بالطريقة نفسها التي يتصرف بها تاجر يعمل في سوق مستقرة نقدياً.
هذه ليست دعوة إلى اعتبار نقص الفئات الصغيرة سبباً مستقلاً للتضخم. ذلك سيكون استنتاجاً مبالغاً فيه. الفرضية الأدق هي أن اختلال بنية السيولة يمكن أن يضاعف الاحتكاكات التي تسمح بانتقال صدمات التكلفة إلى الأسعار، ويحد من قدرة السوق على إجراء تعديلات سعرية صغيرة ودقيقة.
وهنا تكتسب عملية استبدال العملة معناها الاقتصادي الحقيقي. نجاح الإصلاح النقدي لا يقاس فقط بعدد الأوراق القديمة التي خرجت من التداول، ولا بعدد الأوراق الجديدة التي دخلت إليه. المعيار الأهم هو ما إذا كانت النقود الجديدة قادرة على أداء وظائفها بكفاءة في السوق اليومية.
فإذا امتلكت الأسرة دخلاً نقدياً، لكنها لا تستطيع استخدامه بكفاءة بسبب نقص الفئات المناسبة، وإذا امتلك التاجر سعراً معلناً لكنه لا يستطيع تحصيله بدقة، فإن الاقتصاد يكون قد حل مشكلة شكل العملة ولم يحل بالضرورة مشكلة وظيفة النقود.
ومن هنا يمكن فهم أحد أوجه المفارقة السورية: قد تنخفض السيولة الفعالة في السوق، بينما لا تنخفض الأسعار بالضرورة، لأن اختناق الطلب يحدث بالتوازي مع ارتفاع تكلفة المعاملة وتكلفة الاستبدال ومخاطر الاحتفاظ بالمخزون.
وهذا يقودنا مباشرة إلى السؤال الأصعب في القسم التالي: إذا كان الطلب ينكمش فعلاً، فلماذا لا يجبر السوق المنتجين والتجار على خفض الأسعار؟
هنا لا تكفي نظرية العرض والطلب وحدها. علينا أن ننظر إلى الطرف الآخر من المعادلة: التكلفة التي يواجهها المنتج والتاجر، والطريقة التي يعيدان بها تسعير السلع عندما تصبح تكلفة الغد أهم من تكلفة الأمس
المفارقة السورية: سيولة أقل لا تعني بالضرورة أسعاراً أقل
في الاقتصاد الجزئي، يبدو الأمر واضحاً. عندما تتراجع القدرة الشرائية وتنخفض السيولة المتاحة للإنفاق، ينخفض الطلب. وعندما ينخفض الطلب، يفترض أن يتراجع السعر أو على الأقل أن يتباطأ ارتفاعه. هذه العلاقة تظل صحيحة من حيث المبدأ، لكنها تصبح أقل قدرة على تفسير الواقع عندما يتحرك جانب العرض في الاتجاه المعاكس. وهذا تحديداً ما يجعل الحالة السورية مختلفة.
المستهلك السوري يدخل السوق اليوم بقدرة شرائية أضعف، لكنه لا يدخلها أمام تكلفة إنتاج مستقرة. فالوقود أغلى، والنقل أكثر كلفة، ومدخلات الزراعة أكثر حساسية لسعر الصرف، والعمالة والخدمات المرتبطة بالإنتاج والنقل والتوضيب لها تكلفة متغيرة. لذلك فإن منحنى الطلب يتحرك إلى الأسفل، بينما تتحرك تكلفة العرض إلى الأعلى. والنتيجة ليست بالضرورة انخفاضاً في الأسعار، بل يمكن أن تكون انخفاضاً في الكميات المتداولة مع بقاء الأسعار مرتفعة.
وهنا ينبغي التمييز بين متغيرين كثيراً ما يختلطان في النقاش العام: ضعف الطلب ليس هو نفسه انخفاض تكلفة الإنتاج. الأسرة قد تقلل مشترياتها، لكن المزارع لا يستطيع بالضرورة تخفيض تكلفة الري، والتاجر لا يستطيع تخفيض تكلفة النقل، والموزع لا يستطيع تجاهل تكلفة التمويل أو الفاقد. وبالتالي فإن انخفاض الطلب لا ينتقل آلياً إلى كل حلقات سلسلة القيمة.
لنأخذ مثالاً بسيطاً من سوق الخضار. إذا كانت البندورة متوافرة بكميات كبيرة في موسمها، فمن الطبيعي أن ينخفض سعرها عند مستوى الجملة. وقد شهدت السوق السورية بالفعل انخفاضات في بعض أسعار الخضار خلال فترات وفرة الإنتاج الصيفي. لكن هذا الانخفاض لا يعني أن كل مكونات تكلفة السلعة انخفضت. إذا بقي الوقود والنقل والتوضيب والفاقد والعمولات مرتفعة، فإن هامش الانخفاض الذي يمكن أن يصل إلى المستهلك يظل محدوداً.
وهنا تظهر خاصية مهمة للأسواق الزراعية: الوفرة لا تعني دائماً ربحية المنتج، ولا تعني دائماً رخص المنتج بالنسبة للمستهلك. في السلع سريعة التلف، قد يجد المزارع نفسه مضطراً للبيع حتى عندما يكون السعر منخفضاً، لأن تخزين المحصول غير ممكن أو مكلف. وفي الطرف الآخر قد لا يحصل المستهلك على كامل أثر هذا الانخفاض بسبب تكاليف المراحل اللاحقة.
لكن المسألة تصبح أكثر تعقيداً عندما تدخل توقعات الأسعار المستقبلية.
في الاقتصاد المستقر، يستطيع التاجر في الغالب أن يبني سعره على تكلفة الشراء الحالية مع هامش ربح محدد. أما في اقتصاد تتغير فيه قيمة العملة وتكاليف النقل والمدخلات بسرعة، فإن تكلفة الشراء التاريخية تصبح أقل أهمية في اتخاذ القرار. ما يهم هو: بكم سأستطيع شراء هذه السلعة مرة أخرى؟
هنا يظهر مفهوم تكلفة الاستبدال Replacement Cost.
لنفترض أن تاجراً اشترى كمية من الفاكهة بمئة ليرة جديدة. إذا كان يتوقع أن شراء الكمية نفسها بعد أيام سيكلفه 120 ليرة، فإن بيع المخزون القديم بـ105 لا يعني بالضرورة أنه حقق ربحاً اقتصادياً. حسابه الحقيقي مختلف: لقد استعاد 105 ليرات فقط، بينما يحتاج إلى 120 لإعادة بناء المخزون. أي أن رأس ماله الحقيقي يتآكل حتى لو ظهر ربح محاسبي صغير.
هذه الآلية تغير سلوك التسعير.
التاجر لا يعود يسأل فقط: «كم دفعت؟» بل: «كم أحتاج لأستمر؟»
وهذا التحول بالغ الأهمية في الاقتصاد السوري، لأنه يجعل الأسعار أكثر ارتباطاً بالتوقعات المستقبلية من ارتباطها بالتكلفة التاريخية. وعندما تصبح توقعات ارتفاع التكلفة جزءاً من عملية التسعير، يمكن أن تبدأ الأسعار بالارتفاع قبل أن تظهر الزيادة الفعلية في بعض عناصر التكلفة.
هنا يجب أن نكون دقيقين. لا يعني ذلك أن كل تاجر يرفع السعر بناءً على توقعات غير عقلانية، ولا يعني أن كل ارتفاع في الأسعار مبرر اقتصادياً. المقصود أن عدم اليقين نفسه يصبح تكلفة. وكلما زادت احتمالات تغير سعر الصرف أو الوقود أو النقل أو المدخلات، زاد الحافز لدى المنتج والتاجر إلى إضافة هامش أمان لحماية رأس المال.
وهذا الهامش لا يظهر بالضرورة كربح صافٍ. جزء منه قد يكون تعويضاً عن مخاطر إعادة تكوين المخزون.
من هنا يمكن تفسير ظاهرة تبدو متناقضة: قد ينخفض حجم المبيعات، بينما لا ينخفض السعر بالسرعة نفسها. فالطلب يتحرك في اتجاه انكماشي، لكن التكلفة المتوقعة ومخاطر الاستبدال تتحركان في الاتجاه الآخر.
وهذه النقطة مهمة جداً عند قراءة سلوك الأسرة السورية. عندما ترتفع أسعار الفواكه مثلاً، لا تستطيع الأسرة ببساطة زيادة دخلها لمواكبة السعر. فتبدأ بالتكيف عبر تقليل الكمية أو تغيير الصنف أو تأجيل الشراء. وإذا استمر الوضع، يتحول التضخم إلى تضخم نوعي في نمط الاستهلاك: الأسرة لا تشتري السلة نفسها بسعر أعلى فقط، بل تعيد بناء السلة نفسها وفق ما تستطيع تحمله.
قد تتحول الفاكهة الأغلى إلى فاكهة أرخص. وقد يتحول شراء الكيلوغرام إلى نصف كيلوغرام. وقد تختفي بعض السلع من الاستهلاك اليومي. هذه التغيرات لا تظهر دائماً بوضوح في قراءة سعر سلعة منفردة، لكنها تعني أن مستوى الرفاه الغذائي للأسرة يتراجع.
وهنا يمكن استخدام مفهوم الدخل الحقيقي لفهم الصورة بصورة أفضل. دخل الأسرة الاسمي قد لا يتغير كثيراً، لكن إذا ارتفعت تكلفة السلة التي تشتريها بهذا الدخل، فإن قدرتها الشرائية الحقيقية تنخفض. ولذلك فإن التضخم بالنسبة إلى الأسرة لا يقاس فقط بنسبة ارتفاع الأسعار، بل بنسبة ما تبقى من خياراتها بعد دفع تكاليف الاحتياجات الأساسية.
وتزداد المشكلة عندما تتزامن هذه العملية مع ضعف السيولة. الأسرة لا تواجه فقط أسعاراً أعلى، بل تواجه أيضاً صعوبة أكبر في توزيع دخلها المحدود بين المعاملات اليومية. ومع نقص الفئات الصغيرة، تصبح بعض فروقات الأسعار الصغيرة أكثر حضوراً في الإنفاق المتكرر. قد لا تكون الزيادة كبيرة في كل معاملة، لكنها تصبح مؤثرة عندما تتكرر يومياً وعلى عدد كبير من السلع.
من منظور الاقتصاد الكلي، يمكن النظر إلى ذلك بوصفه تفاعلاً بين صدمة تكلفة وصدمة دخل حقيقي. انخفاض القوة الشرائية يضغط على الاستهلاك، بينما ارتفاع تكلفة الإنتاج يمنع الأسعار من الاستجابة بالانخفاض المتوقع. وإذا استمر هذا الوضع، يصبح الاقتصاد معرضاً لما يمكن وصفه بحالة تضخم مع ضعف الطلب، حيث لا يكون الركود كافياً لتصحيح الأسعار.
وهنا يظهر جانب من الاقتصاد السياسي للتضخم. ليست كل الأطراف في السوق متساوية في قدرتها على امتصاص الصدمة. المنتج الصغير قد لا يستطيع تخزين محصوله أو تحمل انخفاض السعر. والتاجر الصغير قد لا يملك رأس مال كافياً لتعويض ارتفاع تكلفة الاستبدال. أما المستهلك فلا يملك في الغالب سوى خيار تقليل الاستهلاك. وبالتالي تتوزع تكلفة التضخم بصورة غير متكافئة داخل سلسلة القيمة.
وهذا يقودنا إلى فرضية أكثر اتساعاً: كلما ارتفع عدم اليقين حول تكلفة إعادة الإنتاج والاستبدال، أصبح السعر أقل استجابة لانخفاض الطلب وأكثر استجابة للتوقعات والمخاطر.
إذا صحت هذه الفرضية في الحالة السورية، فإن السياسة التي تركز فقط على كبح الطلب لن تكون كافية. فخفض الطلب في سوق تعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية قد يخفض الكميات المتداولة أكثر، من دون أن يخفض السعر بالقدر نفسه.
وهنا يصبح علاج التضخم مسألة مرتبطة بجانب العرض بقدر ارتباطها بالسياسة النقدية. خفض تكلفة النقل، واستقرار أسعار الطاقة، وتسهيل تمويل الإنتاج، وتحسين كفاءة سلاسل التوزيع، وتقليل الفاقد، كلها ليست سياسات قطاعية هامشية. إنها أدوات مباشرة للتأثير في منحنى التكلفة الذي يحدد السعر النهائي.
والأهم أن استقرار التوقعات قد يكون بحد ذاته سياسة اقتصادية. فكلما شعر المنتج والتاجر أن تكلفة الغد يمكن التنبؤ بها، تراجع احتياجهم إلى بناء هوامش احتياطية كبيرة داخل السعر. أما عندما يصبح المستقبل السعري مجهولاً، فإن جزءاً من هذا الغموض يتحول إلى سعر يدفعه المستهلك.
لذلك فإن السؤال عن الأسعار في سوريا لا يمكن أن يتوقف عند: هل الطلب ضعيف؟
السؤال الأكثر أهمية هو:
هل انخفضت تكلفة إنتاج السلعة وإعادة إنتاجها بالقدر نفسه الذي انخفضت فيه قدرة المستهلك على شرائها؟
إذا كانت الإجابة لا، فإن انخفاض السيولة لن يكون كافياً لخفض الأسعار. وقد يحدث العكس تماماً: تنكمش الكميات المباعة، بينما تبقى الأسعار مرتفعة بسبب تضخم التكاليف ومخاطر الاستبدال.
وهذه هي المفارقة التي يجب أن نضعها في مركز قراءة الاقتصاد السوري: المستهلك ينسحب من السوق لأنه أفقر، لكن المنتج والتاجر لا يستطيعان الانسحاب من تكلفة الإنتاج. وبين الاثنين يتشكل السعر
الزراعة لا تستطيع وحدها كسر التضخم
قد يبدو منطقياً أن تكون الزراعة هي نقطة البداية لكسر ارتفاع أسعار الغذاء. فإذا دخلت الخضار والفواكه موسم إنتاجها، وازدادت الكميات المعروضة في الأسواق، يفترض وفق منطق العرض والطلب أن تنخفض الأسعار. وهذا يحدث فعلاً في بعض السلع. لكن المشكلة أن انخفاض سعر المنتج الزراعي عند بوابة المزرعة لا يعني بالضرورة انخفاض السعر الذي تدفعه الأسرة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين مستويات السعر داخل سلسلة القيمة الغذائية. فالسلعة تنتقل من المنتج إلى سوق الجملة، ثم إلى التاجر أو سوق نصف الجملة، ثم إلى النقل والتوضيب والتخزين والتجزئة، قبل أن تصل إلى المستهلك. وكل مرحلة تضيف تكلفة ومخاطرة وهامشاً. وبالتالي فإن السعر النهائي لا يعكس تكلفة الزراعة وحدها، بل يعكس التكلفة الكلية لإيصال الغذاء إلى المستهلك.
وتقدم بيانات الأسواق السورية خلال صيف 2026 مثالاً واضحاً على ذلك. ففي حزيران، ساهم تحسن المعروض الموسمي في انخفاض أسعار عدد من الخضار في أسواق حمص، مع تسجيل مستويات منخفضة نسبياً للطماطم والبطاطا والبصل وغيرها. وفي نهاية آب، أظهرت بيانات سوق نصف الجملة في دمشق استمرار وجود أسعار منخفضة نسبياً لبعض الخضار، مثل البندورة والباذنجان، مقابل أسعار أعلى بكثير لبعض الفواكه والمنتجات الأخرى. وهذا التباين مهم؛ لأنه يعني أن السوق الزراعي السوري لا يتحرك ككتلة واحدة، بل وفق ظروف العرض والتخزين والنقل والتصدير لكل سلعة.
المعلومة الموثقة هنا هي وجود تفاوت كبير بين السلع والأسواق والمراحل الزمنية. أما الاستنتاج التحليلي فهو أن الوفرة الموسمية لا تنتقل بصورة كاملة وفورية إلى السعر النهائي.
والسبب لا يتعلق بالتجارة وحدها. المنتجات الزراعية سريعة التلف، وبعضها يحتاج إلى تبريد وتوضيب ونقل سريع. وفي اقتصاد يعاني من ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والتمويل، تصبح المحافظة على السلعة حتى وصولها إلى المستهلك عملية مكلفة. وقد أظهرت دراسة رسمية نُشرت نتائجها في تموز أن ارتفاع أسعار الوقود ينتقل مباشرة إلى تكاليف النقل، ثم إلى أسعار الغذاء والخدمات، بما يعكس درجة مرتفعة من انتقال التكلفة Cost Pass-through داخل الاقتصاد السوري.
وهنا نصل إلى عامل أكثر حساسية: التصدير.
خلال الفترة من 1 تموز حتى 4 آب 2026، صدّرت سوريا نحو 24.5 ألف طن من الخضار والفواكه إلى دول الخليج، عبر ما يقارب 984 شاحنة مبردة.
التصدير بحد ذاته ليس مشكلة. بل يمكن أن يكون مهماً للحصول على العملات الأجنبية ورفع دخل المنتجين وتحسين القدرة الإنتاجية. لكن اقتصادياً، يجب النظر إلى تكلفة الفرصة البديلة Opportunity Cost. فكل كمية يتم توجيهها إلى الخارج هي كمية لا تدخل السوق المحلية في اللحظة نفسها. وإذا كان الإنتاج المحلي محدوداً مقارنة بالطلب الداخلي، فقد يصبح السعر الخارجي مرجعاً للمنتج المحلي.
لكن لا يجوز القفز من هذه المعلومة إلى استنتاج أن «التصدير هو سبب ارتفاع الأسعار». هذه فرضية تحتاج إلى اختبار سلعي وزمني دقيق. السؤال الصحيح هو: هل الكمية المصدرة كبيرة بما يكفي لتغيير المعروض المحلي؟ وهل السعر الخارجي أعلى بصورة مستمرة من السعر الذي يستطيع السوق المحلي تحمله؟
وهنا تدخل الاقتصاد السياسي لسلسلة الغذاء. القضية ليست فقط كم تنتج سوريا، وإنما من يملك القدرة على الوصول إلى الأسواق، ومن يتحمل تكلفة النقل، ومن يملك التخزين، ومن يستطيع الانتظار، ومن يستطيع التصدير، ومن يملك المعلومات عن الأسعار الخارجية. المنتج الصغير غالباً لا يمتلك هذه الأدوات مجتمعة. لذلك قد يكون ارتفاع سعر المستهلك النهائي أكبر بكثير من الزيادة التي وصلت إلى دخل المزارع.
الفرضية التي تقترحها الدراسة هنا هي وجود عدم تماثل في انتقال الأسعار داخل سلسلة الغذاء السورية: صدمات التكلفة تنتقل إلى المستهلك بسرعة أكبر من انتقال آثار الوفرة الموسمية إليه. بمعنى آخر، عندما ترتفع تكلفة الوقود أو النقل أو الاستبدال، يستطيع السعر النهائي أن يرتفع بسرعة. أما عندما يتحسن الإنتاج، فلا يصل انخفاض التكلفة بالسرعة نفسها إلى المستهلك.
وهذا يفسر لماذا لا تستطيع الزراعة وحدها كسر التضخم. المطلوب ليس فقط زيادة الإنتاج، بل إصلاح آلية انتقال الإنتاج إلى السعر: النقل، التخزين، التمويل، المنافسة، المعلومات، التصدير، والهوامش بين حلقات السلسلة.
والأهم أن آب لا يمثل مجرد شهر آخر من ارتفاع الأسعار. فهو نقطة تتقاطع فيها صدمة العرض مع تغير سلوك الأسر. ومع اقتراب أيلول، تبدأ متغيرات جديدة بالدخول إلى المعادلة: المونة المنزلية، وموسم المدارس، وتزايد الاحتياجات النقدية للأسر. وهنا تنتقل المشكلة من سؤال «كم سعر البندورة؟» إلى سؤال أكثر خطورة: كيف تعيد الأسرة توزيع دخلها المحدود عندما تتزامن عدة موجات من الطلب في وقت واحد؟
آب ليس مجرد شهر غلاء
إذا نظرنا إلى آب باعتباره مجرد شهر ترتفع فيه أسعار بعض الخضار والفواكه، فسوف نفوّت الجزء الأهم من الصورة. آب في الاقتصاد السوري يمثل نقطة انتقال موسمية في سلوك الأسر. فهو يأتي في نهاية موسم زراعي مهم، ويتزامن مع التحضير للمؤونة المنزلية، ثم يفتح الطريق مباشرة أمام أيلول، بما يحمله من نفقات مدرسية ومعيشية إضافية. لذلك فإن تغير الأسعار في هذه الفترة لا يرتبط بالعرض وحده، بل يتصل أيضاً بتغير تركيب الطلب نفسه.
في الاقتصاد الجزئي، لا يكفي أن نسأل عن حجم الطلب الكلي. الأهم هو كيف يتوزع الدخل المحدود بين السلع المختلفة. عندما يكون دخل الأسرة ثابتاً تقريباً، وترتفع أسعار الغذاء، تصبح الأسرة أمام قيد ميزانية أكثر صرامة. لكنها لا تستطيع ببساطة إلغاء استهلاك الغذاء. ولذلك تعيد ترتيب إنفاقها: تقلل الكميات، تنتقل إلى أصناف أرخص، تؤجل بعض المشتريات، أو تستغني عن سلع كانت تعتبرها أساسية.
وهنا تظهر خصوصية آب. فالأسرة السورية لا تواجه فقط استهلاكها اليومي، بل قد تحاول في الوقت نفسه شراء كميات للتخزين والمونة. أي أن جزءاً من الطلب يتحول من طلب استهلاكي آني إلى طلب احتياطي. وهذا التحول مهم اقتصادياً، لأن الأسرة تصبح مستعدة لتخصيص جزء من دخلها الحالي لتأمين احتياجات مستقبلية، حتى في ظل ضعف قدرتها الشرائية.
لكن المشكلة أن هذه العملية تحدث في اقتصاد يعاني أصلاً من نقص السيولة وارتفاع تكاليف المعيشة. لذلك قد لا يظهر أثر المونة في شكل زيادة ضخمة في الطلب الكلي، وإنما في شكل ضغط إضافي على السيولة المتاحة للأسرة. الأسرة التي كانت تنفق دخلها على احتياجات أسبوعية، تضطر إلى إنفاق جزء أكبر منه خلال فترة قصيرة. ومع دخول أيلول، تظهر مصاريف المدارس والقرطاسية والملابس والنقل وغيرها.
وهذا يقود إلى مفهوم مهم في تحليل التضخم: التضخم لا يقاس فقط بارتفاع السعر، بل بقدرته على إعادة تشكيل سلوك الإنفاق.
إذا ارتفع سعر كيلو البندورة مثلاً، قد تستطيع الأسرة التعامل مع الزيادة بتقليل الكمية. لكن إذا ارتفعت في الوقت نفسه أسعار الزيت والغاز والنقل والخضار والفواكه والمستلزمات المدرسية، تصبح عملية التكيف أكثر صعوبة. لم تعد الأسرة أمام زيادة في سلعة واحدة، بل أمام ضغط متزامن على عدة بنود من سلة إنفاقها.
وهنا يصبح التضخم أقرب إلى عملية إعادة توزيع للدخل الحقيقي. أصحاب الدخول الثابتة يتضررون بصورة أكبر، لأن قدرتهم على تعديل دخلهم لا تواكب سرعة تغير الأسعار. أما أصحاب الأنشطة المرتبطة بالأسعار المتغيرة، فقد يمتلكون قدرة أكبر على تمرير جزء من الصدمة إلى الآخرين.
المعلومة الاقتصادية الأساسية هي أن آب وأيلول يحملان طلباً موسمياً مختلفاً. أما الاستنتاج التحليلي فهو أن هذا الطلب لا ينبغي قياسه فقط بالكميات المباعة، بل بحجم السيولة التي تضطر الأسر إلى تخصيصها خلال فترة زمنية قصيرة.
ومن زاوية الاقتصاد الكلي، تتزامن هذه الظاهرة مع مشكلة أوسع. انخفاض القوة الشرائية قد يضعف الطلب، لكن ذلك لا يعني أن الأسعار ستنخفض بالضرورة. فالأسرة قد تشتري كمية أقل، بينما يبقى السعر مرتفعاً بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والاستبدال. وهكذا يمكن أن يحدث ما يشبه الركود التضخمي على المستوى الغذائي: كميات استهلاك أقل، وأسعار مرتفعة، ودخل حقيقي متراجع.
أما من منظور الاقتصاد السياسي، فإن المسألة تصبح أكثر عمقاً. فموسم المونة ليس مجرد عادة اجتماعية، بل سوق موسمية ذات أهمية اقتصادية. الأسر التي تستطيع شراء كميات كبيرة مبكراً قد تحمي نفسها جزئياً من ارتفاعات لاحقة. أما الأسر التي تعيش من دخل إلى دخل، فتفقد هذه القدرة. وبذلك يصبح الوقت نفسه عاملاً في توزيع عبء التضخم.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في الحالة السورية: التضخم لا يؤثر في الجميع بالطريقة نفسها، حتى عندما يواجه الجميع السعر نفسه.
لذلك فإن آب ليس مجرد شهر غلاء. إنه الشهر الذي تبدأ فيه الأسرة بإعادة ترتيب ميزانيتها قبل أن تدخل إلى أيلول، حيث تتجمع التزامات جديدة. وإذا كانت آلية التسعير قد أصبحت أكثر حساسية لتكاليف الاستبدال والمخاطر ونقص السيولة، فإن هذه المرحلة قد تحول الارتفاعات السعرية المتفرقة إلى ضغط تضخمي أكثر استمرارية.
وهنا نصل إلى السؤال الأخير: إذا كانت المشكلة ليست في سعر البندورة وحده، ولا في نقص الإنتاج وحده، ولا في ضعف الطلب وحده، فما الخطر الحقيقي الذي يتشكل خلف هذه الأسعار؟
الخطر الحقيقي ليس ارتفاع سعر البندورة
قد يبدو ارتفاع سعر البندورة، أو البطاطا، أو أي سلعة غذائية أخرى مشكلة يومية عابرة. لكن الخطر الاقتصادي الحقيقي يبدأ عندما تتحول الزيادة في سعر سلعة واحدة إلى آلية مستمرة لإعادة تسعير الاقتصاد كله.
هنا ننتقل من تحليل جزئي لسوق الخضار والفواكه إلى تحليل كلي. فالسعر لا يتحدد فقط عند نقطة البيع. إنه يتأثر بسعر الصرف، وتكلفة النقل، وأسعار الوقود، وتكلفة التمويل، وتوقعات التجار، وتكلفة استبدال المخزون، وقدرة الأسر على الدفع. وعندما تصبح هذه المتغيرات شديدة التقلب، يبدأ المنتج والتاجر والمستهلك في اتخاذ قراراتهم على أساس المستقبل المتوقع، لا على أساس التكلفة الحالية فقط.
وهذه نقطة جوهرية في فهم التضخم السوري.
إذا توقع التاجر أن تكلفة شراء شحنة جديدة سترتفع، فإنه لن ينظر فقط إلى السعر الذي دفعه للشحنة الموجودة في مستودعه. بل سيحسب تكلفة استبدالها. وإذا توقع المنتج ارتفاع تكاليف الوقود أو المدخلات، فسوف يحاول حماية هامشه مسبقاً. وإذا توقع المستهلك ارتفاعاً إضافياً في الأسعار، فقد يسعى إلى شراء بعض السلع قبل ارتفاعها.
وهكذا تبدأ التوقعات التضخمية Inflation Expectations بالتدخل في عملية تحديد الأسعار.
تتحول المسألة عندها إلى حلقة تغذية راجعة:
ارتفاع التكلفة > ارتفاع الأسعار > تراجع القوة الشرائية > تغير سلوك الأسر > ارتفاع توقعات الأسعار > إعادة التسعير > ارتفاع جديد في التكلفة والأسعار.
ليست كل حلقة من هذه السلسلة مثبتة بالضرورة في الحالة السورية بالدرجة نفسها، ولذلك يجب التعامل معها كإطار تحليلي لا كحقيقة تجريبية مكتملة. لكن هذا الإطار يساعد على تفسير ظاهرة مهمة: لماذا يمكن أن تستمر الأسعار في الارتفاع حتى عندما يكون الطلب ضعيفاً؟
لأن التضخم في هذه الحالة لا يكون Demand-Pull Inflation بالمعنى التقليدي، أي تضخم ناتج أساساً عن طلب يفوق الطاقة الإنتاجية. بل تكون لدينا عناصر قوية من Cost-Push Inflation، مع دور متزايد للتوقعات ومخاطر الاستبدال والاحتكاكات النقدية.
وهنا تظهر أهمية الإصلاح النقدي الأخير. تغيير العملة وحذف الأصفار يمكن أن يكون خطوة ضرورية لتحسين كفاءة التعامل النقدي، لكنه لا يخلق بحد ذاته استقراراً في القوة الشرائية. نجاح الإصلاح النقدي لا يقاس فقط بعدد الأوراق القديمة التي تم استبدالها، بل بقدرة العملة الجديدة على أداء وظائفها الثلاث: وحدة للحساب، ووسيط للتبادل، ومخزن للقيمة.
إذا بقيت مشكلة السيولة، أو ظلت الفئات الصغيرة غير متاحة بصورة كافية، أو بقي سعر الصرف شديد التقلب، فإن عملية التسعير ستظل معرضة للاحتكاك. والأسوأ أن الأسعار قد تبدأ بالانفصال تدريجياً عن التكلفة الحالية، لتصبح أقرب إلى سعر تحوّطي يعكس تكلفة الغد المتوقعة.
وهنا تحديداً تظهر الصلة بين الاقتصاد الجزئي والكلي.
في المستوى الجزئي، نرى تاجراً يرفع سعر صندوق الفاكهة لأنه يخشى عدم قدرته على استبداله غداً. ونرى أسرة تشتري كمية أقل لأنها فقدت جزءاً من دخلها الحقيقي. ونرى مزارعاً يرفع سعر محصوله لأنه يواجه تكلفة أعلى للنقل والمدخلات.
لكن عندما تتكرر هذه القرارات على نطاق واسع، تتحول إلى ظاهرة كلية. السلوك الفردي يصبح تضخماً عاماً.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، السؤال لا يعود فقط: «لماذا ارتفع السعر؟» بل: من يملك القدرة على تمرير الصدمة؟ ومن يتحملها؟
المنتج قد ينقل جزءاً من ارتفاع التكلفة إلى التاجر. التاجر ينقله إلى المستهلك. لكن المستهلك النهائي لا يملك غالباً الحلقة التالية التي يستطيع من خلالها تمرير التكلفة. لذلك تتحمل الأسر الجزء الأكبر من الصدمة عبر انخفاض استهلاكها الحقيقي.
وهذا يعني أن ارتفاع أسعار الغذاء ليس مجرد مؤشر تضخم. إنه أيضاً آلية لإعادة توزيع الدخل الحقيقي بين الفئات الاقتصادية
من هنا توصلنا لصياغة نموذج الحلقة التراكمية للتضخم وتشوه آلية التسعير في الاقتصاد السوري والذي يوضح كيف ننتقل من نقص الفئات النقدية الصغيرة > صعوبة التسعير والدفع > تقريب الأسعار إلى فئات أعلى > ارتفاع فعلي في بعض المعاملات > إعادة التسعير وفق تكلفة الاستبدال > ارتفاع هامش المخاطر > ارتفاع الأسعار > انخفاض حجم المبيعات > ضعف السيولة/دوران رأس المال > إعادة التسعير من جديد.
«يوضح النموذج أن الخطر لا يكمن في ارتفاع سعر سلعة منفردة، وإنما في تحول الاحتكاكات النقدية وصدمات التكلفة وتوقعات الاستبدال إلى حلقة تراكمية تعيد إنتاج التضخم وتشوه آلية التسعير.»
الخلاصة
المشكلة السورية ليست أن البندورة غالية، ولا أن الفواكه أصبحت أكثر كلفة فقط. هذه مجرد أعراض يمكن رؤيتها في السوق.
المشكلة الأعمق هي أن آلية تشكيل الأسعار نفسها أصبحت أكثر هشاشة.
ضعف السيولة لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض الأسعار، لأن الطلب الضعيف يمكن أن يتزامن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستبدال. والوفرة الزراعية لا تكفي وحدها، لأن انخفاض سعر المنتج لا ينتقل بالضرورة كاملاً إلى المستهلك. والتصدير ليس عدواً للسوق المحلية، لكنه يصبح متغيراً مهماً عندما تتنافس السوق المحلية والخارجية على إنتاج محدود. أما آب وأيلول، فيكشفان كيف يمكن للموسمية أن تضيف ضغطاً جديداً على ميزانية الأسرة.
لذلك فإن معالجة التضخم الغذائي في سوريا لا يمكن أن تقوم على مراقبة الأسعار النهائية فقط، ولا على اتهام التجار، ولا على زيادة الإنتاج الزراعي وحدها.
المطلوب هو النظر إلى السلسلة كاملة: النقد، وسعر الصرف، والإنتاج، والطاقة، والنقل، والتخزين، والتمويل، والتصدير، والمنافسة، وتوزيع الهوامش، ثم القوة الشرائية للأسر.
والأهم أن السياسة الاقتصادية يجب أن تنتقل من محاولة السيطرة على السعر إلى معالجة آلية تكوين السعر.
فإذا انخفض سعر البندورة غداً، لكن بقيت تكلفة النقل مرتفعة، وبقيت العملة معرضة للتقلب، وبقي التاجر يسعّر وفق تكلفة الاستبدال، وبقي دخل الأسرة يتآكل، فإن المشكلة لم تُحل.
لقد انخفض سعر سلعة واحدة فقط.
أما التضخم، فبقي يعمل داخل النظام.
ليفانت: د. علي مطيع عيسى
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

