-
ما هي نسبة أهالي السويداء الذين يؤيدون الانفصال؟
هذا الموضوع بات من المواضيع التي يكثر عنها الكلام في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وقد يبدو طرح مثل هذا السؤال موضوعيا ومستحقا للاهتمام بعد الكارثة التي وقعت في السويداء، والتي تحولت إلى قضية ذات بعد دولي.
ولكن عندما يتم طرح السؤال بصيغة "هل كل الدروز في السويداء يريدون الانفصال عن سوريا أم لا؟" أو "ما هي نسبة المؤيدين للانفصال بين دروز السويداء؟"، كما يحدث في العديد من المناقشات على تلك الوسائل والوسائط العربية، ولاسيما الداعمة لطغمة الجولاني منها، فهذا السؤال بهذا الشكل، يزيف المشكلة، ويبدو فيه وكأنه المشكلة وفقا للصورة المقترنة بهذا السؤال هي من الأساس مشكلة إرادة انفصالية عند جهة معينة او نسبة معينة بين أهالي السويداء، قلّت أم كثرت هذه النسبة.
بهذا الشكل يتم، وبشكل متعمد، تجاهل المشكلة الأساسية، التي جعلت سؤال الانفصال نفسه مطروحا وبقوة في السويداء، حتى وإن لم يكن أهلها جميعا متفقين عليه.
ومثل هذ السؤال الذي يثيره في أغلب الأحيان إعلاميون أو مذيعون أنيقون ولطيفون، وأذكياء بما يكفي إلى حد أنهم يبدون بريئين حتى عندما يدسون السم في الدسم عند طرحهم للسؤال بهذه الصيغة، التي يلعبون فيها بشكل غير بريء بتاتا لعبة "الرنجة الحمراء" بتوجيههم الحوار نحو مسألة انفصال السويداء" بشكل يتجاهل الجريمة المروعة التي اقترفتها طغمة الجولاني بحق السويداء، والتي دفعت السويدائيين للتفكير أو السعي للانفصال؛ هذا عدا عن اعتماد هؤلاء الإعلاميين في أحيان عديدة على أسلوب المجادلة بشكل غير قابل للنفي ولا للإثبات بهدف خلط الوقائع وتزييف الحقائق، عندما يزعمون أن "الانفصاليين -برأيهم- لا يمثلون كل أو أكثرية أهالي السويداء".
وبالفعل واقعيا لا يمكن الجزم بهذه المسألة دون القيام بإحصائيات رسمية دولية، وبذلك يغدو الجدل بهذه الطريقة حول نسبة السويدائيين المؤيدين للانفصال أشبه ما يكون بالجدل حول "إبريق راسل الذي يدور في مدار فضائي بين الأرض والمريخ"، الذي لا وجود له فعليا، ولكن مع ذلك لا يمكن تأمين إثبات قاطع على عدم وجوده.
إن ما يجب مناقشته هنا والتركيز عليه في مسألة انفصال السويداء، فيما لو كانت تلك القنوات وإعلاميوها يتوخون الحقائق وليس التضليل، هو ليس كم من الدروز في السويداء يريدون الانفصال، وكم لا يريدون، بل هو حملة الإبادة الطائفية البربرية التي تعرضت لها السويداء على أيدي طغمة الجولاني الإرهابية التي تؤيدها معظم هذه القنوات ومذيعوها المأجورون.
وهذه الحملة الإجرامية التي تتجاهلها هذه القنوات العربية وخدمهما من الإعلاميين في مثل هذه في هذا النقاشات، هي فعليا التي جعلت خيار الانفصال خيارا جديا تماما في السويداء بعد المجزرة الوحشية، التي لم يظهر أي حراك سوري أو عربي أو إسلامي فعلي ليوقفها، أو حتى ليدينها، أو ليساعد أهالي السويداء على تجاوز نتائجها، والكل إما صمت عن المجزرة، أو أيد مرتكبها بصمت، أو أيده في العلن كما تفعل أكثر هذه القنوات؛ وهذا الكل مازال يقف نفس المواقف من استمرار حصار الجولاني للسويداء، أو من الحملة التدليسية التحريضية الجهنمية التي تستهدف السويداء والدروز ومازالت تستهدفها منذ استيلاء الجولاني على السلطة في سوريا، وحتى اليوم.
وهكذا، في محصلة كل هذه الأحداث الدامية والمواقف المخزية، سقطت بشكل ذريع ساحق سرديات "السورية، والعروبة، والإسلام" بالنسبة لأهالي السويداء سقوطا تاما.
واليوم المجمع عليه عند أهالي السويداء هو أنه لا يمكن الرضوخ للطغمة الجولانية التي ارتكبت المجزرة في السويداء ولا يمكن التعايش معها، ولا يمكن القبول أيضا بتمييع الجريمة المروعة التي حدثت ولا بإفلات مرتكبيها من العقاب العادل حتى وإن كانوا مسؤولين على أعلى المستويات، ولا يمكن أيضا، ولاسيما بعد المجزرة التي حدثت والأثمان الباهظة التي دفعت، تمييع حق السويداء في تقرير المصير، ولا يمكن أيضا قبول أي حل لا يضع الضمانات الأمنية الفعلية الكافية، التي تحمي أهالي السويداء من تكرار الإجرام الطائفي البربري ضدهم.
لكن تقرير المصير، لا يعني حكما الانفصال.. والانفصال في المحصلة هو أحد أشكال الحل المطروحة في السويدا.
وبالطبع لا يمكن بالضبط تحديد نسبة مؤيدي الانفصال التام من السويدائيين، أو نسبة مؤيدي الحلول الأخرى مثل الفدرلة والحكم الذاتي أو سواها من الحلول الحقيقية الضامنة للحقوق، دون وجود استفتاء دولي رسمي.
لكن، وكما سلف الذكر، هناك في السويداء اتفاق جمعي لا يحتاج إلى أي إثبات، على أنه لا عودة إلى تحت سيطرة المجرم الذي ارتكب الجريمة، إذ لا يمكن لأي "سويدائي" لديه الحد الأدنى من العقل والكرامة والشرف أن يقبل بالسكوت عن الكم الهائل من القتل وانتهاك الحرمات والتدمير والنهب والتحريض والشيطنة الذي وقع بحق أهله، ومن يفعل مثل هذا هو إما سفيه أو خائن، وهذا هو اليوم الوصف الحقيقي لكل من يقبل من السويداء بالتعاون مع طغمة الجولاني بعد ما اقترفته هذه الطغمة من فظيع الإجرام ضد السويداء.
رغم ذلك، فالواقع السياسي الدولي المتوحش المعاصر، الذي لا تدخل الأخلاق والحكمة فيه قطعا في الحسابات التي تقوم على اتحاد المصلحة والقوة مهما كانت العواقب وخيمة والأثمان باهظة من الناحية الإنسانية، قد يفرض حكم الأمر الواقع على أهل السويداء ويغلبهم على أمرهم ويفرض عليهم الخضوع لطغمة الجولاني، وهذا قطعا ليس مستبعدا، ويمكن أن يحدث مع السويداء، كما حدث مع روجافا.
ولكنه إن حدث، فهو سيكون مجرد فرض دولي قسري قهري ضد أهالي السويداء، ولا علاقة له بالحلول الحقيقية، وبالنسبة لأهالي السويداء أمر كهذا سيعني لهم أن بلدهم أصبحت محتلة من عدو خارجي ألد، حتى وإن كان هذا العدو يحظى بقبول وموافقة دوليين.
وإذا ما عدنا إلى موضوع الانفصال، فما يمكن قوله بلا شك، ودون الدخول في معمعة الجدل العقيم حول نسب التأييد والرفض له، هو أنه بشكل عام أهالي السويداء لن يرفضوا الانفصال قطعا إذا ما كان حلا واقعيا قابلا للتنفيذ ولضمان الحقوق، ولكن هذا بنفس القدر ينطبق على أية أطروحة حل حقيقي أخرى.
إلا أنه مع ذلك، يمكن اليوم أن نجد سويدائيين لا يؤيدون أطروحة الانفصال من منطلق عملاني محض، إما لأنهم يرون أن السويداء لا تمتلك كل المؤهلات الموضوعية الكافية التي تمكّنها من أن تصبح دولة مستقلة؛ أو لأنهم يرون خيار الانفصال غير مدعوم دوليا؛ أو بسبب التعقيدات الديموغرافية التي سيخلقها هذا الانفصال في التواصل مع الأقارب والمقربين من الدروز الموجودين في مناطق أخرى من سوريا خارج السويداء؛ أو لأسباب أخرى مشابهة.
كما يمكن أن نجد قلة قليلة فقط ممن يمكن أن يرفضوا الاستقلال من منطلقات معنوية كالهوية والانتماء.
هذا هو واقع الحال في السويداء اليوم، وهذا ما يمكن استقراؤه من الواقع مباشرة، أو استنتاجه بالمنطق، دون الدخول في مماحكات إحصائية جوفاء، تبعد الأضواء بشكل خبيث عن جوهر المشكلة.
واليوم أي طرف سوري يدين المطالبين بالانفصال من السويدائيين بذرائع وطنية، عليه أولا أن يحاسب نفسه وطنيا، وأن يسأل نفسه، قبل أن نسأله نحن: ماذا قدمت للسويداء وطنيا، وأين كانت وطنيتك، عند حدوث وبعد حدوث المجزرة؟ وبما أنه لم يقدم شيئا، فهنا سنقول له: أيا كان السبب الذي منعك من مساندة السويداء، فأنت فاقد لحق الكلام على أساس أو من منطلق وطنيين، فالساكت عن جريمة وطنية عظمى كالجريمة التي وقعت بحق السويداء، هو شيطان أخرس إن لم يكن محاميا للشيطان، يدافع عن الشيطان الذي ارتكب هذه الجريمة الشيطانية، ومن كان هذا حاله، عليه ألا يزاود أو يتشدق بالوطنجيات!
من لا يريد للسويداء أن تنفصل عن سوريا بدعوى الحفاظ على وحدة سوريا، فليعمل بشكل جلي حازم على تحرير سوريا من طاغوت وطغيان الجولاني، وعندها يمكنه ويحق له دعوة أهالي السويداء للانضمام إليه في هذا المسار، دون أن يحق له أن يحدد لهم الخيار!
ومن لا يفعل ذلك لأي سبب من الأسباب، فأي خطاب يستنكر أو يدين فيه مساعي الانفصال في السويداء من قبله، لن يكون في أحسن الأحوال أكثر من علاك أو دجل وطنجيين، أو اجترارا لوطنجية متفسخة، هذا إذا لم تكن من ذلك النموذج من الوطنجية الدموية المسعورة كوطنجية "بني أمية الجدد" الدواعشية.
ليفانت: رسلان عامر
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

