-
التفاهم لا ينقذ النظام: لماذا ترحب المقاومة الإيرانية بوقف الحرب؟
في الظاهر، قد يبدو ترحيب المقاومة الإيرانية بأي تفاهم يضع حدًا للحرب موقفًا يحتاج إلى تفسير. فالنظام الإيراني نفسه دخل المفاوضات، ووقّع على تفاهم يتيح له بعض الانفراج الاقتصادي ويخفف جزءًا من الضغوط البحرية والمالية. لكن التدقيق في ميزان الربح والخسارة يكشف أن ما حصلت عليه طهران محدود ومؤقت، بينما الخسائر التي تكبدتها أعمق بكثير من أن تعالجها ورقة تفاهم.
أعلن مسعود رجوي في 11 يونيو 2026 أن المقاومة الإيرانية ترحب بتراجع النظام وتجرعه «السم النووي»، كما تجرع من قبل سم وقف إطلاق النار في حرب السنوات الثماني. وبعد ثلاثة أيام، أكدت مريم رجوي أن المقاومة الإيرانية ترحب بأي تفاهم ينهي الحرب ومآسي الشعب الإيراني. هذا الموقف لا يقوم على الثقة بالولايات المتحدة، ولا على الاعتقاد بأن القوى الخارجية ستجلب الحرية إلى إيران، بل على قراءة سياسية تعتبر أن الحرب كانت، طوال العقود الماضية، إحدى أهم أدوات بقاء النظام.
حرب أرهقت الشعب وحمت السلطة
تحمل المواطن الإيراني العبء الأكبر للحرب. اتسعت البطالة، وارتفعت أسعار السلع الأساسية، وتعطل الإنترنت لأشهر، وأُغلقت المدارس والجامعات، وتصاعدت الاعتقالات والإعدامات. وفي الوقت نفسه، استخدم النظام أجواء الحرب لفرض الصمت، وتأجيل المطالب الاجتماعية، واتهام كل احتجاج بخدمة العدو الخارجي.
لهذا، فإن وقف الحرب لا يعني فقط تخفيف معاناة الناس، بل يعني أيضًا سحب غطاء أمني وسياسي كان النظام يستخدمه لتبرير القمع. ومع انحسار الخطر الخارجي، تعود قضايا الفقر والبطالة والفساد والإعدامات وانتقال السلطة إلى مقدمة المشهد.
ما الذي حصل عليه النظام؟
بحسب المعطيات المتداولة، حصل النظام على إنهاء الحصار البحري، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، وتخفيف محدود لبعض العقوبات، والوصول المقيد إلى أموال ضمن رقابة دولية.
لكن هذه المكاسب جاءت مقابل شروط تتعلق بالبرنامج النووي، ومنع إنتاج السلاح النووي أو الحصول عليه، ووقف تمويل الجماعات التابعة لطهران، وربط الإفراج عن الأموال بالالتزام الكامل بالتفاهم.
ردود الفعل داخل النظام نفسه تكشف حجم التراجع. فقد وصف مقربون من التيار المتشدد الاتفاق بأنه مذل، وتساءل حسين شريعتمداري عن كيفية التخلي عن ورقة مضيق هرمز، فيما أقر النائب كامران غضنفري بأن القول إن النظام انتصر وإن الولايات المتحدة تراجعت ليس صحيحًا.
وهكذا، لم يدخل النظام المفاوضات من موقع القوة، بل بعدما فقد خامنئي، وتعرضت قدراته الجوية والبحرية والدفاعية والصاروخية والنووية لضربات كبيرة، وتراجعت قدرته على دعم جماعاته الإقليمية، وتفاقمت أزمته الاقتصادية.
ما بعد التفاهم أخطر من الحرب
غياب خامنئي ترك فراغًا لا يمكن ملؤه بسهولة. فقد كان، خلال 37 عامًا، مركز التوازن بين أجنحة النظام. أما مجتبى خامنئي، فلا يملك بعد القدرة نفسها على فرض القرار. وخلال الحرب، جُمّدت بعض الخلافات الداخلية تحت عنوان الوحدة، لكن توقف الحرب سيعيدها إلى السطح.
كما أن التفاهم لا يحل الملفات النووية والصاروخية والإقليمية. ستبقى أزمات لبنان والعراق واليمن وتمويل الجماعات التابعة لطهران قائمة، لكن النظام سيدخل الجولات المقبلة بأوراق أضعف وموارد أقل.
وفي الداخل، ستزداد المطالب الاجتماعية، بينما تظل قدرة النظام على تلبيتها محدودة. والقمع، رغم استمراره، لم يعد ينتج مستوى الخوف السابق، بل يراكم الغضب ويدفع قطاعات أوسع من المجتمع نحو التغيير.
البديل المنظم بين الداخل والخارج
ترى المقاومة الإيرانية أن إسقاط النظام ليس مهمة الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل مهمة الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. ففي الداخل، تنشط وحدات المقاومة في المدن بوصفها شبكة منظمة تربط الاحتجاجات بهدف التغيير السياسي. وفي الخارج، تستعد المقاومة لحشد أكثر من مئة ألف إيراني ومناصر للحرية في باريس يوم 20 يونيو 2026، لإعلان دعمهم للمقاومة الإيرانية ولبرنامج مريم رجوي ذي النقاط العشر، الذي يدعو إلى جمهورية ديمقراطية تقوم على سيادة الشعب، والمساواة، وفصل الدين عن الدولة.
هذا التلاقي بين وحدات المقاومة في الداخل والحضور الجماهيري الواسع في الخارج يثبت أن البديل لا ينتظر تدخلًا عسكريًا أجنبيًا، بل يستند إلى حركة منظمة وبرنامج سياسي واضح.
لهذا، لا يشكل الترحيب بوقف الحرب تناقضًا مع معارضة النظام. فالسلام يخفف معاناة الناس، وفي الوقت نفسه يعيد الصراع إلى ميدانه الحقيقي داخل إيران. وهناك، لا تحدد بيانات الانتصار الرسمية مستقبل النظام، بل تحدده قدرته على مواجهة مجتمع غاضب، وقيادة منقسمة، واقتصاد منهك، ومقاومة منظمة ترى أن التغيير يمر عبر شعار واضح: لا شاه ولا ملا.
ليفانت: سعيد عابد، كاتب إيراني
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

