الوضع المظلم
الثلاثاء ٢٠ / أكتوبر / ٢٠٢٦
Logo
  • الحسابات التركية الإسرائيلية ومستقبل القضية الكردية في سوريا

الحسابات التركية الإسرائيلية ومستقبل القضية الكردية في سوريا
ميداس آزيزي 

ميداس آزيزي

لم تعد سوريا، في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، مجرد ساحة للصراع الداخلي أو لإعادة بناء السلطة بعد سقوط نظام بشار الأسد، بل أصبحت إحدى أبرز ساحات التنافس الإقليمي على النفوذ وتحديد ملامح النظام السياسي والأمني في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تتقاطع الحسابات التركية والإسرائيلية وتتباين أولوياتهما، فيما تجد القضية الكردية نفسها في قلب معادلات تتجاوز حدود الجغرافيا السورية، وتمتد إلى التوازنات الإقليمية ومصالح القوى الدولية.

 

إن فهم موقع الكرد في هذه المعادلة يقتضي تجاوز القراءات التي تختزل التحولات الجارية في صراع تركي إسرائيلي، أو تتعامل مع القضية الكردية باعتبارها ورقة يمكن توظيفها في مواجهة أحد الطرفين. فالمسألة أكثر تعقيدًا، إذ تتداخل فيها المخاوف الأمنية التركية، وحسابات إسرائيل المتعلقة بمستقبل النفوذ في سوريا، ومصالح القوى الدولية، إلى جانب خصوصية القضية الكردية وارتباطها بمستقبل الدولة السورية وشكل نظامها السياسي.

 

 التحولات الإقليمية والمخاوف التركية من البوابة الكردية

 

تتعامل تركيا مع التحولات السورية من منظور يتجاوز الأمن الحدودي المباشر، ويرتبط برؤيتها لمستقبل المنطقة وموقعها فيها. فسقوط النظام السوري السابق، وتراجع النفوذ الإيراني في سوريا، وصعود سلطة جديدة في دمشق، فتحت جميعها أمام أنقرة فرصًا لتوسيع حضورها السياسي والأمني، لكنها طرحت في الوقت نفسه تساؤلات بشأن مستقبل التوازنات الداخلية السورية، ولا سيما موقع الكرد ودورهم في الدولة الجديدة.

 

وتحتل القضية الكردية موقعًا خاصًا في الحسابات التركية، نظرًا إلى ارتباطها بتوازنات الداخل التركي، وبالتطورات السياسية والعسكرية في العراق وسوريا. فمن منظور أنقرة، يصعب فصل وضع الكرد السوريين عن نشاط حزب العمال الكردستاني وامتداداته الإقليمية، كما تنظر بحذر إلى تأثير التجارب السياسية الكردية خارج حدودها في المطالب والخيارات السياسية داخل تركيا نفسها.

 

ومن هنا، تتحفظ تركيا على أي تطور قد يؤدي إلى ترسيخ كيان سياسي كردي يتمتع باستقلالية واسعة على حدودها الجنوبية، أو إلى تعزيز قدرة القوى الكردية على بناء علاقات إقليمية ودولية تمنحها هامشًا أوسع من الحركة. ولا تقتصر هذه المخاوف على البعد العسكري، بل تشمل أيضًا الأبعاد السياسية والقانونية والرمزية للاعتراف بالحقوق القومية الكردية، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات على النقاش السياسي داخل تركيا.

 

وترتبط هذه الحسابات كذلك بمستقبل المسار السياسي المتعلق بالقضية الكردية داخل تركيا. فالتوصل إلى تسوية مستدامة يقتضي التمييز بين معالجة الملف الأمني المرتبط بالسلاح والتنظيمات المسلحة، وبين معالجة القضية الكردية بوصفها مسألة سياسية وحقوقية تتصل بالمواطنة والهوية والحقوق الثقافية والسياسية. فتقليص العنف لا يعني بالضرورة معالجة الأسباب السياسية للصراع، كما أن التطورات في سوريا والعراق ستظل مؤثرة في البيئة التي تتحرك ضمنها هذه المسارات.

 

وفي هذا الإطار، تبرز مسألة توظيف القضية الكردية في الصراعات الإقليمية. فكما تخشى أنقرة من استخدام قوى خارجية هذه القضية للضغط عليها أو الحد من نفوذها، تنظر أطراف إقليمية ودولية إلى القوى الكردية باعتبارها عناصر مؤثرة في موازين القوى داخل سوريا. غير أن هذه القراءة، على أهميتها في تفسير سلوك الدول، لا ينبغي أن تحجب حقيقة أن للقضية الكردية جذورها ومطالبها الخاصة، وأنها لا تُختزل في التنافس بين القوى الإقليمية.

 

كذلك، لا يشكل الكرد في تركيا والعراق وسوريا كتلة سياسية واحدة تتحرك وفق حسابات متطابقة. فلكل ساحة ظروفها الدستورية والسياسية والاجتماعية، ولكل تجربة أولوياتها وتحدياتها. ووجود روابط قومية مشتركة لا يعني بالضرورة تطابق المشاريع السياسية أو إمكان نقل التجارب من دولة إلى أخرى. ومن الضروري إدراك هذه الفوارق لفهم المخاوف التركية وتقدير حدود تأثيرها في مستقبل القضية الكردية السورية.

 

مبادرة باهتشلي ومساعي تركيا لاحتواء تداعيات التحولات الكردية.

 

في هذا السياق، تكتسب المبادرة التي أطلقها دولت باهتشلي بشأن فتح مسار جديد لحل القضية الكردية في تركيا، والذي تطرحه أنقرة تحت عنوان «تركيا بلا إرهاب»، أهمية تتجاوز البعد الأمني الداخلي. إذ يمكن قراءة هذا المسار في ضوء محاولة تركيا الربط بين تطورات الملف الكردي داخل حدودها والتحولات الجارية في سوريا والعراق، وما قد تحمله المرحلة المقبلة من تغيرات في موازين القوى الإقليمية.

 

ومن أبرز الإشكاليات التي تثيرها هذه المقاربة محاولة تركيا الربط بين مستقبل القضية الكردية في سوريا وملف حزب العمال الكردستاني ومسار القضية الكردية في تركيا. فهذا الربط قد يؤدي إلى إخضاع المطالب القومية والسياسية للكرد السوريين لحسابات أمنية داخلية تركية، بدل التعامل معها باعتبارها قضية سياسية سورية لها خصوصيتها وحقوقها المشروعة.

 

ويعكس هذا الترابط إدراكًا تركيًا لتأثير التطورات الكردية خارج الحدود في الحسابات الداخلية، ومخاوف من أن تؤدي التحولات السياسية في المنطقة إلى نشوء واقع جديد يصعب احتواؤه ضمن التصورات التقليدية للأمن القومي التركي. وتظل تجربة إقليم كردستان العراق، وما أفضت إليه من قيام إقليم يتمتع بحكم فيدرالي ومؤسسات دستورية ضمن الدولة العراقية، أحد النماذج الحاضرة في الحسابات التركية عند النظر إلى مستقبل المطالب الكردية في المنطقة.

 

ولا تتوقف هذه المخاوف عند سوريا والعراق، بل تمتد إلى احتمالات حدوث تحولات في الملف الكردي الإيراني، ولا سيما في ظل التوترات الإقليمية والصراع حول مستقبل إيران وموقعها في المنطقة. فأي تغيرات سياسية كبرى قد تفتح المجال أمام مطالب كردية أوسع بالحقوق القومية والسياسية، بما قد ينعكس على مجمل التوازنات المرتبطة بالقضية الكردية، بما فيها المسار السياسي داخل تركيا.

 

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم اهتمام أنقرة بربط الساحات الكردية بعضها ببعض، ومحاولتها التأثير في مساراتها بما يحد من انعكاساتها على الداخل التركي. لكن هذا الترابط لا يعني أن الكرد في الدول الأربع يتحركون وفق إرادة واحدة أو مشروع سياسي متطابق؛ فلكل مجتمع خصوصيته وظروفه ومطالبه. كما أن معالجة القضية الكردية لا يمكن أن تقتصر على الاحتواء الأمني أو منع انتقال التأثيرات من ساحة إلى أخرى، بل تقتضي معالجة جذور المشكلات السياسية والحقوقية في كل دولة.

 

وعليه، فإن مستقبل مسار «تركيا بلا إرهاب» سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف المعنية على الانتقال من التفاهمات الأمنية إلى معالجة سياسية أوسع تضمن الحقوق والحريات. أما الاكتفاء بإدارة المخاوف الأمنية من دون معالجة الأسباب السياسية للصراع، فقد يحد من مظاهر العنف في مرحلة معينة، لكنه لا يضمن تسوية حقيقية للقضية الكردية.

 

إسرائيل ومخاوف تنامي النفوذ التركي في سوريا.

 

إذا كانت تركيا تنظر إلى التحولات السورية من زاوية أمنها القومي وموقعها الإقليمي، فإن إسرائيل تتعامل معها انطلاقًا من اعتبارات أمنية واستراتيجية مختلفة، تتمثل أساسًا في منع تشكل تهديدات عسكرية على حدودها، والحفاظ على حرية تحركها، والحيلولة دون قيام ترتيبات إقليمية تحد من قدرتها على التأثير في البيئة الأمنية المحيطة بها.

 

وقد أدى تراجع النفوذ الإيراني في سوريا إلى تغيير مهم في طبيعة التحديات التي تواجهها إسرائيل. فبعد سنوات كان فيها الوجود الإيراني وشبكة القوى المرتبطة به في مقدمة المخاوف الإسرائيلية، برزت تركيا بوصفها طرفًا إقليميًا يمتلك أدوات سياسية وعسكرية قادرة على التأثير في مستقبل سوريا. ولا يعني ذلك أن أنقرة أصبحت بديلًا مطابقًا لطهران في الحسابات الإسرائيلية، لكنه يفرض على تل أبيب إعادة تقييم البيئة الاستراتيجية التي تتحرك ضمنها.

 

وتتصل المخاوف الإسرائيلية باحتمال أن يؤدي توسع الحضور التركي إلى بناء ترتيبات عسكرية وأمنية داخل سوريا تمنح أنقرة نفوذًا طويل الأمد، وتحد من حرية الحركة الإسرائيلية. كما أن أي تعاون عسكري متقدم بين دمشق وأنقرة قد يثير تساؤلات إسرائيلية بشأن مستقبل التوازن العسكري في المنطقة، وطبيعة الحدود التي يمكن أن تتحرك ضمنها القوى المختلفة.

 

ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع الموقف الإسرائيلي باعتباره مشروعًا متكاملًا لمواجهة تركيا في جميع الملفات، أو افتراض أن كل تحرك إسرائيلي في سوريا يستهدف النفوذ التركي بصورة مباشرة. فالسلوك الإسرائيلي تحكمه اعتبارات متعددة، من بينها أمن الحدود، ومستقبل الجنوب السوري، ومنع تشكل تهديدات عسكرية، إلى جانب حسابات النفوذ الإقليمي. وقد تتقاطع هذه الاعتبارات مع مواجهة النفوذ التركي في بعض الحالات، فيما تختلف عنها في حالات أخرى.

 

وبذلك، فإن التنافس التركي الإسرائيلي في سوريا لا يتعلق فقط بتوزيع مناطق النفوذ، بل يمتد إلى التصورات المختلفة لشكل السلطة السورية الجديدة، وحدود قوتها العسكرية، وعلاقاتها الخارجية، وموقعها في التوازنات الإقليمية. وهذه الخلافات تجعل سوريا ساحة مفتوحة للتنافس، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وصول الطرفين إلى مواجهة مباشرة أو استحالة التفاهم بينهما في ملفات محددة.

 

 المصالح المشتركة وحدود التنافس التركي الإسرائيلي.

 

على الرغم من التباينات الواضحة بين أنقرة وتل أبيب، فإن العلاقات الدولية لا تقوم على التناقض المطلق بين المصالح، بل قد تجمع بين التنافس والتقاطع في آن واحد. فقد تلتقي مصالح الطرفين في ملفات تتصل بمنع الفوضى الواسعة، أو الحد من عودة نفوذ قوى إقليمية منافسة، أو تجنب تطورات أمنية لا يرغب أي منهما في تحمل تكاليفها. كما أن الاتصالات والتفاهمات المتعلقة ببعض الملفات السورية، ومنها مستقبل قوات سوريا الديمقراطية والتفاهمات التي حصلت في باريس وما نتج عنها، يمكن أن تعكس محاولات لإدارة الخلافات وتحديد حدودها، من دون أن يعني ذلك وجود توافق استراتيجي شامل بين الطرفين.

 

فتركيا تسعى إلى تعزيز موقعها لدى السلطة السورية الجديدة، وإلى قيام دولة موحدة تستطيع مؤسساتها بسط سلطتها على الأراضي السورية. لكنها تواجه في الوقت نفسه تساؤلات بشأن حدود نفوذها وقدرتها على التأثير في قرارات دمشق، ولا سيما إذا سعت السلطة الجديدة إلى تنويع علاقاتها الخارجية وتوسيع هامش استقلالها. كما قد تنظر أنقرة بقلق إلى احتمال أن تجد السلطة في القوى الكردية طرفًا قادرًا على موازنة نفوذها أو الحد من قدرتها على توجيه المسار السوري.

 

أما إسرائيل، فتعطي الأولوية لمنع تشكل تهديدات عسكرية على حدودها، وتتحفظ على أي ترتيبات من شأنها تعزيز قدرات خصومها أو توسيع نفوذ قوة إقليمية منافسة، بما في ذلك تركيا. ومن ثم، قد يلتقي الطرفان في رفض بعض السيناريوهات التي يمكن أن تؤدي إلى فوضى واسعة، لكنهما قد يختلفان بشدة حول الوسائل المطلوبة لتحقيق الاستقرار، وطبيعة السلطة السورية، وحدود حضور القوى العسكرية الأجنبية، وشكل التوازن الأمني في المرحلة المقبلة.

 

ومن الخطأ افتراض أن وجود مصالح مشتركة سيؤدي تلقائيًا إلى تفاهم تركي إسرائيلي بشأن مستقبل سوريا، كما أن التنافس بينهما لا يعني أن كل طرف سيقف بالضرورة إلى جانب القوى المحلية التي تعارض الطرف الآخر. فالدول تعيد ترتيب علاقاتها وفق حسابات متغيرة، وقد تتعاون في ملف وتتعارض في آخر، تبعًا للظروف وموازين القوة.

 

وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة عند النظر إلى القضية الكردية؛ إذ لا يمكن افتراض أن التنافس بين أنقرة وتل أبيب سيؤدي بالضرورة إلى توفير دعم ثابت للكرد، أو أن أي تقاطع بين مصالحهما سيؤدي حتمًا إلى التضييق على حقوقهم. فموقف كل طرف من القضية الكردية سيظل مرتبطًا بحساباته الأمنية والسياسية، وبمدى توافق المطالب الكردية أو تعارضها مع أولوياته في مرحلة معينة.

 

القضية الكردية بين المصالح الإقليمية واستقلال القرار

 

تقع القضية الكردية في سوريا عند نقطة تقاطع هذه الحسابات، لكنها لا تختزل فيها. فالكرد السوريون جزء أصيل من المجتمع السوري، ولهم قضية قومية وسياسية تتصل بالاعتراف بهويتهم وحقوقهم، وبموقعهم في الدولة السورية الجديدة. وهذه القضية لا تستمد مشروعيتها من التنافس التركي الإسرائيلي، ولا تفقدها بتغير العلاقات بين الطرفين، بل تستند إلى حقوق ومطالب ينبغي أن تجد تعبيرها في صيغة دستورية وسياسية واضحة.

 

ومع ذلك، فإن تجاهل تأثير موازين القوى الإقليمية لا يقل خطورة عن المبالغة في التعويل عليها. فالحقوق السياسية، مهما كانت مشروعيتها، تحتاج إلى أدوات تفاوضية، وتنظيم سياسي فاعل، وتحالفات مناسبة، وفهم دقيق للظروف التي تسمح بتحويل المطالب إلى اتفاقات وضمانات قابلة للتطبيق.

 

ومن هنا، لا يكمن التحدي أمام الكرد السوريين في اختيار تركيا أو إسرائيل، ولا في انتظار أن يؤدي الصراع بينهما إلى فتح الطريق أمام تحقيق تطلعاتهم، بل في بناء مشروع سياسي مستقل يستطيع التعامل مع الطرفين وسائر القوى المؤثرة انطلاقًا من المصالح الكردية السورية، من دون الوقوع في التبعية السياسية أو الارتهان لتقديرات خارجية متغيرة.

 

وقد تمنح التناقضات الإقليمية بعض القوى المحلية هامشًا للحركة والمناورة، لكنها لا توفر بالضرورة ضمانات طويلة الأمد. فما قد يشكل مصلحة لدولة في مرحلة معينة قد يتحول إلى عبء عليها في مرحلة أخرى، وما قد يمثل ورقة ضغط في سياق تفاوضي قد يفقد قيمته عندما تتغير الأولويات. ولهذا، فإن الرهان على حماية خارجية غير مشروطة يظل محدود الجدوى ما لم يستند إلى قاعدة سياسية ومجتمعية، وحقوق واضحة، وتفاهمات سورية ودولية قابلة للاستمرار.

 

وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين الاستفادة من التوازنات الإقليمية بوصفها جزءًا من العمل السياسي، وبين تحويل القضية الكردية إلى أداة في صراع الآخرين. فالأولى تقتضي قراءة واقعية للمصالح المتعارضة، وبناء علاقات متعددة، وتوسيع هامش القرار المستقل؛ أما الثانية فتربط مصير الحقوق الكردية بنتائج صراعات لا يملك الكرد وحدهم التحكم فيها.

 

إن استقلال القرار الكردي لا يعني الانعزال عن المحيط الإقليمي أو تجاهل مخاوف الدول المجاورة، بل يعني امتلاك القدرة على تحديد الأولويات الكردية، وإدارة العلاقات الخارجية على أساس المصالح المتبادلة، وعدم السماح لأي طرف بأن يختزل القضية الكردية في ملف أمني أو ورقة تفاوضية تخدم أهدافه الخاصة.

 

نحو مقاربة سياسية كردية واقعية

 

تفرض التحولات الجارية على الحركة السياسية الكردية السورية مراجعة أدواتها في التعامل مع المشهدين السوري والإقليمي. فالتحدي لا يتمثل فقط في متابعة تحركات أنقرة وتل أبيب، أو تقدير احتمالات التفاهم والتصادم بينهما، بل في تحديد موقع الكرد ضمن مشروع وطني سوري يضمن حقوقهم ويمنحهم القدرة على المشاركة في صياغة مستقبل البلاد.

 

ويتطلب ذلك أولًا بناء موقف كردي مشترك في القضايا القومية الأساسية، يستند إلى تمثيل سياسي واضح وآليات توافقية تحافظ على التعددية، وتمنع احتكار القرار أو ربطه بإرادة طرف واحد. فغياب موقف مشترك يضعف القدرة التفاوضية، ويجعل القوى الكردية أكثر عرضة للتعامل معها بصورة منفصلة، وفق حسابات الأطراف الأخرى.

 

ولا يعني بناء هذا الموقف إلغاء الاختلافات السياسية أو فرض وحدة تنظيمية على القوى الكردية، بل إيجاد صيغة سياسية مشتركة تتيح التوافق على الحقوق الأساسية، وتوحيد الموقف التفاوضي في القضايا المصيرية، مع الحفاظ على التعددية والاستقلالية التنظيمية. فالقوة السياسية لا تنبع من ادعاء احتكار التمثيل، بل من امتلاك شرعية مجتمعية وآليات واضحة للمساءلة والقدرة على التعبير عن تطلعات الكرد السوريين ومصالحهم المتنوعة.

 

ويتطلب ذلك ثانيًا صياغة رؤية واضحة للعلاقة مع دمشق، تقوم على الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية الكردية، وضمان المواطنة المتساوية، والمشاركة السياسية الفعلية، واعتماد اللامركزية التي تتيح إدارة الشؤون المحلية ضمن إطار الدولة السورية. فمستقبل الكرد لا يمكن أن يبقى معلقًا على ترتيبات أمنية مؤقتة أو تفاهمات قابلة للتغيير، بل يحتاج إلى تسوية سياسية وقانونية تحدد بوضوح حقوقهم وعلاقتهم بمؤسسات الدولة، وتضمن مشاركتهم في بناء سوريا الجديدة.

 

ويتطلب ثالثًا التعامل مع تركيا على أساس فهم مخاوفها الأمنية وحدودها، من دون التسليم بأن تلك المخاوف تبرر إنكار الحقوق القومية الكردية. فالمعالجة الحقيقية للمخاوف الأمنية لا تتحقق بمجرد الضغط على القوى الكردية أو إضعاف حضورها السياسي، بل تحتاج إلى تفاهمات واضحة تفصل بين الحقوق القومية المشروعة والملفات الأمنية والعسكرية، وتمنع تحويل القضية الكردية إلى مصدر دائم للتوتر بين دول المنطقة.

 

إن بناء علاقات متوازنة لا يعني تجاهل الخلافات أو التنازل عن الحقوق، بل يعني القدرة على عرض المطالب الكردية ضمن إطار سياسي قابل للتفاوض، وتحديد المصالح المشتركة، وتجنب تحويل الخلافات الإقليمية إلى بديل عن الحل السياسي السوري. كما يقتضي إدراك أن مستقبل القضية الكردية لا ينفصل عن مستقبل سوريا، وأن ضمان الحقوق القومية الكردية يمثل جزءًا من بناء دولة مستقرة تقوم على الشراكة والمواطنة والاعتراف بالتعدد القومي والثقافي.

 

خاتمة: الكرد بين حسابات الدول واستحقاق القرار المستقل

 

تكشف التحولات الجارية في سوريا عن مشهد إقليمي تتداخل فيه المصالح التركية والإسرائيلية، وتتقاطع فيه فرص النفوذ مع المخاوف الأمنية، فيما تظل ملامح الدولة السورية الجديدة وعلاقاتها الخارجية موضع تنافس بين أطراف متعددة. وفي هذا المشهد، تمثل القضية الكردية أحد الملفات التي تتأثر مباشرة بتوازنات القوة، من دون أن تكون مجرد انعكاس لها.

 

فالمخاوف التركية من تداعيات التحولات الكردية في المنطقة، والقلق الإسرائيلي من توسع النفوذ التركي في سوريا، والتقاطعات المحدودة بين مصالح الطرفين، كلها عوامل ينبغي أخذها في الاعتبار عند قراءة مستقبل سوريا. كما أن مبادرة «تركيا بلا إرهاب» تفتح بابًا لفهم العلاقة بين المسار الكردي داخل تركيا والتطورات في دول الجوار، وما تثيره من تساؤلات بشأن قدرة أنقرة على إدارة التحولات الإقليمية وانعكاساتها على الداخل التركي.

 

لكن المقاربة الجادة للقضية الكردية لا يمكن أن تتوقف عند تحليل هذه العوامل، بل ينبغي أن تنتقل إلى سؤال جوهري: كيف يستطيع الكرد السوريون حماية حقوقهم وتحويل حضورهم السياسي والاجتماعي إلى شراكة دستورية مستقرة في الدولة السورية؟

 

لا تكمن الإجابة في المراهنة على تناقضات القوى الإقليمية وحدها، ولا في تجاهل تأثيرها، بل في الجمع بين الواقعية السياسية واستقلال القرار الكردي، وبين بناء موقف كردي مشترك والانخراط في حوار سوري جاد حول شكل الدولة ومستقبلها.

 

فالدول تتحرك وفق مصالحها، والتحالفات تتغير بتغير الظروف، والتوازنات التي تتيح هامشًا للحركة اليوم قد تتبدل غدًا. أما الحقوق التي لا تستند إلى قوة سياسية منظمة، وتمثيل شرعي، وضمانات دستورية واضحة، فتبقى عرضة للتراجع مع تبدل موازين القوى.

 

وعليه، فإن مستقبل القضية الكردية في سوريا لن يتحدد فقط بما تريده تركيا أو تخشاه إسرائيل، بل بقدرة الكرد السوريين على فهم موقعهم في معادلات المنطقة، وتقدير إمكاناتهم وحدود قوتهم، وبناء مشروع سياسي مستقل يجعلهم شركاء في صياغة مستقبل سوريا، لا مجرد ورقة في صراعات الآخرين.

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!