الوضع المظلم
الأربعاء ٢١ / أكتوبر / ٢٠٢٦
Logo
تساؤلات خطيرة بشأن حقيقة العلاقة مع تنظيم داعش
عبد الله البنيه

تقديرات عن تفاهم مزعوم لوقف الهجمات تثير مخاوف بشأن مستقبل المواجهة مع التنظيم، وحدود الاختراق الأمني، ومخاطر إعادة إنتاج التهديد الإرهابي داخل مؤسسات الدولة.

تتصاعد التساؤلات بشأن طبيعة المقاربة الأمنية التي تنتهجها السلطات السورية في التعامل مع تنظيم داعش، في أعقاب معلومات متداولة عن تقرير أمني قيل إنه رُفع إلى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ويتناول ما وُصف بأنه تفاهم لوقف الهجمات بين السلطات والتنظيم، مقابل عدم ملاحقة قياداته أو استهداف مقراته. وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تفتح الباب أمام واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد السوري، لما تحمله من تداعيات مباشرة على الأمن الوطني، ومصداقية المؤسسات الرسمية، ومستقبل الحرب على الإرهاب.

تفاهم مزعوم يثير علامات استفهام

بحسب الرواية المتداولة، يتضمن التفاهم المفترض وقف تنظيم داعش هجماته ضد السلطات، مقابل التزام الأخيرة بعدم ملاحقة قياداته أو استهداف مقراته. ويطرح هذا الادعاء تساؤلات جوهرية حول طبيعة أي تفاهم محتمل، والجهات التي تقف وراءه، والغايات التي يسعى كل طرف إلى تحقيقها.

فالتعامل مع التنظيمات الإرهابية لا يُقاس فقط بمدى انخفاض الهجمات في مرحلة معينة، بل بمدى استدامة الاستقرار، وتفكيك البنية التنظيمية والمالية والعسكرية لهذه الجماعات، ومنعها من استعادة قدرتها على التجنيد والتخطيط والتنفيذ.

وفي هذا السياق، فإن أي حديث عن وقف متبادل للهجمات لا يمكن اعتباره اتفاقًا ثابتًا أو سياسة رسمية ما لم تدعمه وثائق موثوقة أو تصريحات واضحة أو أدلة مستقلة. كما أن التمييز ضروري بين التهدئة الميدانية المؤقتة، إن وُجدت، وبين التساهل مع نشاط التنظيم أو توفير بيئة تسمح له بإعادة بناء قدراته.

أرقام حساسة بشأن مؤسسات الدفاع والداخلية

من بين أكثر المعطيات إثارة للقلق في التقرير المنقول تقديرات تشير إلى أن ما بين 20 و30 بالمئة من العاملين في وزارة الداخلية، وما بين 35 و45 بالمئة من العاملين في وزارة الدفاع، كانت لهم ارتباطات سابقة بتنظيم داعش.

وتستدعي هذه الأرقام، إن ثبتت صحتها، تدقيقًا جادًا في معايير التوظيف والفرز الأمني وآليات التحقق من الخلفيات التنظيمية للأفراد المنضمين إلى المؤسسات العسكرية والأمنية.

لكن هذه النسب، على خطورتها، لا يجوز التعامل معها باعتبارها حقائق مثبتة قبل معرفة مصدرها، والفترة الزمنية التي تغطيها، وطبيعة الارتباط المقصود، وما إذا كانت تشير إلى عضوية تنظيمية فعلية أو إلى علاقات سابقة أو إلى تقديرات استخباراتية غير مكتملة. فهناك فارق جوهري بين شخص انتمى سابقًا إلى تنظيم مسلح، وآخر لا يزال يحتفظ بعلاقات تنظيمية أو يشارك في أنشطة محظورة.

كما أن تعميم صفة الارتباط بالتنظيم على نسب واسعة من العاملين في مؤسسات الدولة، من دون أدلة قابلة للتحقق، قد يؤدي إلى إثارة الذعر وتقويض الثقة بالمؤسسات، فضلًا عن احتمال استخدام هذه الادعاءات في صراعات سياسية أو تصفية حسابات داخلية.

خطر الاختراق الأمني وإعادة بناء التنظيم

تُعد مسألة الاختراق الأمني من أبرز التحديات التي تواجه الدول الخارجة من النزاعات المسلحة، ولا سيما عندما تتداخل الولاءات المحلية والفصائل المسلحة مع المؤسسات الرسمية الجديدة.

وفي حال وجود أفراد يحتفظون بولاءات تنظيمية سرية أو يقدمون معلومات إلى جماعات متطرفة، فإن المخاطر لا تقتصر على تنفيذ هجمات مباشرة، بل تشمل احتمال تسريب المعلومات، وتعطيل العمليات الأمنية، وتسهيل تحركات العناصر المطلوبة، والوصول إلى بيانات حساسة تتعلق بالانتشار العسكري والإجراءات الوقائية.

ومن هنا، فإن التعامل مع هذا التحدي يتطلب آليات مؤسسية واضحة، تقوم على التدقيق الأمني الفردي، والتحقيق المستقل، والأدلة القانونية، والمساءلة القضائية، بعيدًا عن الاتهامات الجماعية أو الإجراءات الانتقامية.

ولا يقل أهمية عن ذلك ضمان وجود رقابة على عمليات التوظيف والترقية وتبادل المعلومات بين الأجهزة المختصة، بما يحول دون استغلال الثغرات الإدارية أو الأمنية من جانب أي تنظيم مسلح.

هل تعكس الهدنة المزعومة تحولًا في استراتيجية المواجهة؟

إذا ثبت وجود تفاهم من النوع الوارد في التقرير، فسيكون من الضروري تفسير دوافعه المحتملة في ضوء الواقع الأمني والسياسي السوري. فقد تلجأ أطراف في النزاعات أحيانًا إلى اتصالات غير مباشرة أو ترتيبات محلية محدودة لخفض التصعيد، أو لتجنب فتح جبهات إضافية، أو لتسهيل معالجة ملفات ميدانية معقدة.

لكن مثل هذه الاحتمالات لا تثبت وجود اتفاق مع تنظيم داعش، ولا تبرر افتراض أن السلطات تبنت سياسة لحماية قياداته. فهذه استنتاجات تحتاج إلى أدلة مستقلة ومعلومات محددة عن طبيعة الاتصالات والأطراف المعنية وشروط أي تفاهم محتمل.

والفارق هنا أساسي بين إجراء أمني مؤقت يهدف إلى احتواء خطر محدد، وبين ترتيب يسمح للتنظيم بالحفاظ على بنيته القيادية والعملياتية. ففي الحالة الثانية، قد تتحول التهدئة من أداة لخفض المخاطر إلى فرصة لإعادة ترتيب الصفوف، واستقطاب عناصر جديدة، وإعادة تنشيط الخلايا النائمة.

ولهذا، فإن تقييم أي سياسة أمنية ينبغي أن يستند إلى نتائج قابلة للقياس، مثل تراجع قدرة التنظيم على تنفيذ الهجمات، وتفكيك شبكاته، وضبط التمويل والتجنيد، وتحسين حماية المنشآت والأفراد، لا إلى التصريحات أو التفاهمات المفترضة وحدها.

الانقسامات داخل داعش واحتمال عودة الهجمات

يشير التقرير المنقول أيضًا إلى مخاوف من وجود انقسامات داخل التنظيم، وإلى احتمال تنفيذ هجمات جديدة رغم الهدنة المزعومة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن التنظيمات المتطرفة لا تعمل بالضرورة وفق قيادة موحدة قادرة على فرض قراراتها على جميع الخلايا والمجموعات. وقد تؤدي الانقسامات الداخلية إلى اختلاف التقديرات بين القيادات والعناصر الميدانية، أو إلى سعي بعض الأطراف لإثبات حضورها عبر عمليات عنيفة، حتى في حال وجود اتصالات أو تفاهمات غير معلنة بين جهات أخرى.

وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي الاعتماد على انخفاض مؤقت في وتيرة الهجمات لتقييم مستوى التهديد. بل تبرز الحاجة إلى مراقبة المؤشرات الأمنية، وتحليل أنماط النشاط، والتحقق من مصادر المعلومات، وتطوير القدرة على الاستجابة السريعة لأي تصعيد محتمل.

كما أن أي فراغ أمني أو ضعف في التنسيق بين المؤسسات قد يمنح التنظيم فرصة لاستغلال التوترات المحلية والانقسامات السياسية والاجتماعية، بما يعيد إنتاج الظروف التي ساعدته سابقًا على التوسع.

اختبار حقيقي لمصداقية المؤسسات السورية

تضع هذه المعطيات، إذا تأكدت، السلطات السورية أمام اختبار بالغ الحساسية يتعلق بقدرتها على بناء مؤسسات أمنية مهنية، وتوحيد القرار العسكري والأمني، وضمان خضوع جميع العاملين في الدولة للقانون.

ولا يقتصر التحدي على منع الاختراقات، بل يمتد إلى بناء منظومة مؤسسية لا تقوم على الولاءات الشخصية أو الفصائلية، وإنما على الكفاءة والانضباط والمساءلة. فاستقرار الدولة لا يتحقق بمجرد جمع التشكيلات المسلحة تحت مظلة رسمية واحدة، بل يتطلب إخضاعها لقواعد موحدة، والتحقق من خلفيات أفرادها، وتحديد المسؤوليات، ومنع تضارب مراكز القرار.

وفي المقابل، ينبغي أن تتم عمليات التدقيق والمحاسبة ضمن إطار قانوني واضح، يحمي حقوق الأفراد ويمنع توظيف الملفات الأمنية لتبرير الإقصاء أو العقاب الجماعي. فالإجراءات العشوائية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وتزيد الاحتقان، وتخلق بيئة يستفيد منها المتطرفون في عمليات التجنيد والتعبئة.

ما الذي ينبغي التحقق منه؟

تتطلب خطورة المعلومات المتداولة الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الأساسية: هل يوجد بالفعل تقرير أمني موثق رُفع إلى أحمد الشرع؟ وهل يتضمن نصًا صريحًا عن تفاهم مع تنظيم داعش؟ وما مصدر النسب المئوية المتعلقة بالعاملين في وزارتي الدفاع والداخلية؟ وهل تستند إلى تحقيقات فردية موثقة أم إلى تقديرات أولية؟ وهل توجد مؤشرات مستقلة تدعم الادعاء بوقف الهجمات مقابل عدم ملاحقة القيادات؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما يسمح بالانتقال من دائرة التسريبات والاتهامات إلى التقييم الموضوعي. وفي غياب الأدلة، ينبغي إبقاء هذه المعلومات في إطار الادعاءات غير المؤكدة، وعدم تحويلها إلى استنتاجات نهائية بشأن سياسات الدولة أو طبيعة العلاقة بين مؤسساتها والتنظيم.

الأمن لا يُبنى على التسويات الغامضة

إن أخطر ما تكشفه هذه القضية ليس مجرد الادعاء بوجود تفاهم مع تنظيم متطرف، بل احتمال أن تكون مؤسسات الدولة أمام تحديات تتعلق بالاختراق والولاءات المتضاربة وضعف آليات التدقيق والمساءلة.

فإذا ثبتت صحة ما ورد في التقرير، فإن الأمر يستدعي مراجعة أمنية ومؤسسية شاملة، وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة، وضمان عدم تحول أي ترتيبات مؤقتة إلى غطاء يسمح للتنظيم باستعادة قدراته. أما إذا لم تثبت هذه المعلومات، فإن نشرها بوصفها حقائق مؤكدة قد يضر بالاستقرار ويقوض الثقة العامة من دون أساس موثوق.

وفي الحالتين، تبقى الأولوية أمام السلطات السورية هي ترسيخ سيادة القانون، وتعزيز مهنية المؤسسات العسكرية والأمنية، ومكافحة التنظيمات الإرهابية على أساس استراتيجية واضحة وشفافة، تضمن أمن المواطنين وتحمي الدولة من الاختراق، من دون إخضاع الحقيقة للمزايدات السياسية أو الحسابات الضيقة.

فالمواجهة الحقيقية مع الإرهاب لا تُقاس بغياب الهجمات لفترة محدودة، بل بقدرة الدولة على منع عودة التنظيم، وتجفيف مصادر قوته، وإغلاق الثغرات الأمنية، وبناء مؤسسات تحظى بثقة المجتمع وتخضع للمساءلة.

ليفانت: عبدالله البنيه

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!