-
وَهْمُ وحْدَةِ الشَّعْبِ السُّوريِّ
لم تستطع الشعوب التي سكنت واستقر وجودها في سوريا أن تتوحد وتؤسس دولة منذ هزيمة العثمانيين وطردهم منها نهاية الحرب العالمية الأولى، حينها بدأ التأسيس لغرب آسيا جديد عبر إعادة رسم خرائطه وتقاسم النفوذ فيه بين القوى الكبرى التي انتصرت في الحرب.
كانت سوريا وفق (سايكس بيكو) إحدى حصص فرنسا، فاحتلتها وقسمتها إلى خمس دويلات (دولة دمشق – دولة حلب – دولة جبل الدروز – دولة جبال العلويين – دولة لبنان الكبير)، ولم يندمج شعب جبل الدروز وشعب جبال العلويين بسوريا إلا عقب اتفاقية الاستقلال عام 1936 التي لم يخرج على إثرها الفرنسيون من سوريا حتى نيسان العام 1946.
وقد أفشلت الانقلابات العسكرية محاولات توحيد شعوب سوريا وبناء دولة سورية بعد الاستقلال، وكان آخرها انقلاب حافظ الأسد واستيلاء البعثيين الجدد على الحكم الذي تحول فيما بعد إلى أوليغارشي وراثي امتد قرابة ستة عقود
طيلة هذه العقود لم تبدِ الشعوب التي تسكن سوريا تآلفاً أو تآزراً أو تكاتفاً يمكن أن يعكس شكلاً من أشكال الوحدة، لا بل كانت ومازالت تمارس كل ما من شأنه أن يؤكد فُرقتها وتشرذمها ومناصبة بعضها البعض العداء كلما استيقظت أحقادها الدفينة وتغيرت مواقع القوة.
وقد أثبتت أحداث دامية عديدة مرت بها سوريا أن الشعوب السورية ليست واحدةً، ولم تكن بشاعة تلك الأحداث كافية على ما يبدو كي تتوحد هذه الشعوب وتعيد التفكير في أن وجودها في جغرافيا واحدة وخضوعها لنظام قمعي واحد يهدد وجودها ومصيرها عوامل أساسية في دفعها نحو الاتحاد وتشكيل جبهة قوية متماسكة في وجه أي سلطة قمعية قد تحكم البلاد.
مجازر حماه شباط 1982:
أمر بها حافظ الأسد ونفذها رفعت الأسد من خلال حملة عسكرية ضد المدنيين السُّنَّة في مدينة حماة. وقد استمرت تلك الحملة ما يقارب الشهر، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 40 ألف مدني وتدمير كامل أحياء مدينة حماه التاريخية والقديمة ومسحها من على وجه الأرض. يومها صمتت شعوب سوريا جميعها صمت القبور وكأن ضحايا مجازر النظام لا ينتمون إلى بلادهم وكأن تلك الضحايا ليست من عداد البشر.
مجزرة السويداء تشرين الثاني 2000:
إثر مقتل شاب درزي على يد بدوي بعد نزاع بين رعاة الأغنام البدو وأهالي السويداء، اندلعت انتفاضة كبيرة في السويداء ضد النظام الذي أعلن أن الدروز ينفذون العصيان المدني وجرَّدَ حملة عسكرية حاصرت المدينة وقتل ما يقارب الخمسين من أبنائها وبناتها عدا الجرحى والمعتقلين.حينها ابتلعت شعوب سوريا ألسنتها حتى أنها لم تستنكر ولم يحرك الحدث وجدانها ولا ضميرها.
مجزرة القامشلي آذار 2004:
بعد أن استفز العربُ مشاعر الأكراد برفع صورة صدام حسين خلال مباراة كرة قدم، اندلعت انتفاضة كردية ضد النظام الذي قتل جيشُه خلالها أكثر من أربعين كردياً وجرح المئات واعتقل الآلاف. وكعادتها سكتت الشعوب السورية عن تلك المجزرة وأصَمُّتْ آذانها.
إلى أن اندلعت الثورة السورية آذار العام 2011، لتختبر الشعوب السورية شعار "الشعب السوري واحد" الذي بقي شعاراً لم يرَ النور، فسرعان ما ظهر الانقسام والاصطفاف اللذين تبلورا نهاية الأمر باستفراد هيئة تحرير الشام بالمشهد ليتم تحضيرها وفق توافق دولي كي تتسلم حكم سوريا من الأسد بعد ترحيله إلى روسيا.
ولحظة ترحيل الأسد كان من المفترض أن تكون اللحظة المواتية لتوحيد الشعوب السورية من خلال دستور يساوي بينهم وتصبح العدالة العامل الذي يجعلهم شعباً واحداً بعد أكثر من مائة عام من التشرذم، لكن سلطة الأمر الواقع المتمثلة بهيئة تحرير الشام كرست فُرقة الشعوب السورية حين راحت ترتكب المجزرة تلو الأخرى بحق العلويين والدروز، مجازر حصدت آلاف الأرواح المدنية البريئة، علاوة على مهاجمة قرى وأحياء المسيحيين وترهيبهم وقتل شبابهم، واختطاف النساء العلويات وإخفائهنَّ، وإعلانها العداء للشعب الكردي من خلال التهديد المستمر بشن حرب على مناطقه بحجة القضاء على قوات سوريا الديمقراطية، وهذا ما حدث في أحياء وقرى ومدن عديدة يسكنها الأكراد اجتاحتها عناصر هيئة تحرير الشام وارتكبت جرائم لا يمكن أن تُحمى من الذاكرة.
كل تلك الاعتداءات وتلك المجازر ارتكبتها سلطة الأمر الواقع فقط بسبب انتماءات الضحايا لأديان وقوميات كافرة وفق تقييمها.
ويتجلى وَهْمُ شعار "الشعب السوري واحد" في مشهد تصفية عناصر الأمن العام مجرمي سلطة الأمر الواقع للشهيد الدرزي "منير الرجمة" حين فرغوا رصاص بنادقهم في صدره فقط لأنه درزي ولأنه قال لهم: "أنا سوري". رداً على سؤالهم له: (شو دينك؟).
ليفانت: نزار غالب فليحان
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

