-
إسرائيل والمعارضة السورية المسلحة: الدعم السري بين الحسابات الأمنية وتوظيف الأزمات
دراسة موثقة
إعداد: رسلان عامر
الصورة من توليد جيميناي أي آي
ملخص تنفيذي
تناولت هذه الدراسة مسالة الدعم الإسرائيلي لفصائل المعارضة السورية المسلحة خلال الحرب الداخلية السورية الممتدة من عام 2011 حتى عام 2018، مستندةً إلى توثيق موثوق من مصادر بحثية رزينة أبرزها: وول ستريت جورنال، وفورين بوليسي، وتقارير قوة الأمم المتحدة لفض الاشتباك (UNDOF)، وشهادات قائد الأركان الإسرائيلي غادي أيزنكوت. وتخلص الدراسة إلى أن هذا الدعم لم يكن دافعاً إنسانياً بحتاً، بل كان أداةً استراتيجية مركّبة لتشكيل بيئة جيوسياسية آمنة على الحدود الشمالية، وتحقيق غايات استخباراتية، وكبح النفوذ الإيراني وحزب الله في المنطقة، وإن انتهت بـ"خيانة" شعر بها المستفيدون عند تخلّي إسرائيل عنهم أمام هجمات قوات الأسد عام 2018.
أولاً: السياق التاريخي والمنهجي
1.1 إشكالية البحث وأهميته
في بيئة تتلاقى فيها تعقيدات الصراع السوري مع حسابات القوى الإقليمية، برزت ظاهرة غير مسبوقة في منطقة تتسم تاريخياً بالعداء المزمن: تنسيق سري بين إسرائيل وفصائل سورية مسلحة معارضة لنظام البعث. هذه الظاهرة، التي جرى التعتيم عليها سنوات، بدأت تُكشف تدريجياً من خلال تقارير صحفية استقصائية وشهادات مباشرة ووثائق أممية. وتمثل هذه الدراسة محاولةً لرصد هذه الظاهرة بأدوات التحليل الأكاديمي، بمعزل عن الدعاية والمزايدات السياسية من أي طرف.
تكتسب الدراسة أهميتها من اعتبارات عدة: أولها أنها تُجسّد حالةً نادرة من التعاون الفعلي على أرض الواقع بين طرفين في حالة حرب رسمية منذ 1948. وثانيها أنها تكشف آليات اشتغال المصالح الاستراتيجية الكبرى على حساب فاعلين محليين أصغر. وثالثها أن نهايتها تتضمن دلالات أخلاقية وسياسية عن "التخلي الاستراتيجي" حين تنتهي جدوى الوكلاء.

1.2 المنهجية والمصادر
تعتمد الدراسة منهجية تاريخية توثيقية تحليلية، مستندةً إلى المصادر الأولية والثانوية الرزينة التالية:
أ. المصادر الأولية: تقارير UNDOF الفصلية المقدمة لمجلس الأمن (2013-2018)، وتصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي للصحافة البريطانية (2019)، وشهادات قادة فصائل مسلحة سورية.
ب. المصادر الصحفية الاستقصائية: تقرير وول ستريت جورنال (يونيو 2017)، وتحقيق فورين بوليسي (سبتمبر 2018)، وتقارير هآرتس، وجيروزاليم بوست، وميدل إيست آي.
ج. أعمال أكاديمية وتقارير مراكز بحث: من بينها أعمال إليزابيث تسوركوف من منتدى الفكر الإقليمي الإسرائيلي، وتقارير مجموعة الأزمات الدولية.
ثانياً: الكشف التدريجي - من الإنكار إلى الإقرار
2.1 مرحلة الإنكار والتعتيم (2011-2016)
حين اندلعت الثورة السورية في مارس 2011، تبنّت إسرائيل موقفاً رسمياً صريحاً أعلنه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بعد تقرير وول ستريت جورنال عام 2017، قائلاً:
"نحن لا نتدخل في هذا الصراع الدموي المروع. نحن نقدم مساعدة إنسانية لأطفال وفتيات."
(المصدر: تايمز أوف إسرائيل، 20 يونيو 2017)
غير أن هذا الإنكار كان يتناقض مع ما كانت قوة UNDOF ترصده ميدانياً. فبحسب تقارير الأمم المتحدة التي رصدتها كل من صحيفة هآرتس وكريستيان ساينس مونيتور في ديسمبر 2014، كانت مراقبو الأمم المتحدة يوثقون في تقاريرهم الفصلية حوادث متكررة لتفاعل مباشر بين جنود جيش الدفاع الإسرائيلي ومسلحين سوريين.
2.2 التوثيق الأممي: شاهد لا يُكذَّب
تُعدّ تقارير UNDOF المصدر الموضوعي الأكثر حيادية في هذا الملف، إذ صدرت بلا دوافع سياسية ظاهرة. وقد رصدت هذه التقارير جملةً من الوقائع الموثقة. ففي مذكرة يونيو 2013، أفادت قوة UNDOF بأن:
"ضابط الاتصال الإسرائيلي أبلغ UNDOF بأن جيش الدفاع الإسرائيلي قدّم علاجاً طارئاً لـ20 من المسلحين المعارضين، وأعادهم جميعاً إلى الجانب السوري."
(المصدر: تايمز أوف إسرائيل، 7 ديسمبر 2014، استناداً إلى وثائق UNDOF)
وفي مايو 2014، وثّق تقرير UNDOF أنه "خلال فترات المشاركة القتالية الكثيفة مع القوات السورية، نقلت مجموعات المعارضة 89 جريحاً عبر خط وقف النار إلى جيش الدفاع الإسرائيلي." وأضاف التقرير أن "جيش الدفاع الإسرائيلي سلّم 19 شخصاً خضعوا للعلاج وشخصَين متوفيَّين" إلى المسلحين.
والأكثر دلالةً ما وثّقه تقرير يونيو 2014 من "مراقبة UNDOF قيام جيش الدفاع الإسرائيلي بتسليم صندوقَين لأعضاء مسلحين من المعارضة على الجانب البرافو (السوري)." هذا التسليم يتجاوز نطاق المساعدة الطبية، ليشير إلى نقل مواد لم تُحدَّد.
وفي أكتوبر 2014، رصد مراقبو الأمم المتحدة جنوداً إسرائيليين يفتحون بوابة ويسمحون لشخصين بالعبور من الجانب السوري إلى الجانب الإسرائيلي من دون أن يبدو عليهما أي إصابة، مما يدل على أن التنسيق كان يخدم أغراضاً استخباراتية أيضاً.
لقد أوجزت تقارير UNDOF هذه الديناميكية في عبارة بليغة: رصد "أعضاء مسلحين من المعارضة يتفاعلون بصورة متقطعة مع جيش الدفاع الإسرائيلي عبر خط وقف النار." (تقرير الأمين العام بان كي مون إلى مجلس الأمن، 2014).
ثالثاً: الكشوف الصحفية الكبرى
3.1 وول ستريت جورنال: أول اختراق إعلامي كبير (2017)
في يونيو 2017، نشر وول ستريت جورنال تقريراً استند إلى مقابلات مع ستة قادة فصائل وثلاثة أشخاص مطلعين على السياسة الإسرائيلية غير المعلنة. وكشف التقرير أن إسرائيل تُقدم دعماً مالياً منتظماً لفصائل جنوب سوريا، حيث كانت مجموعة "فرسان الجولان" تتلقى ما يقارب خمسة آلاف دولار شهرياً — هذا ما أكده لـWSJ أبو صهيب، القائد الميداني للمجموعة. أما معتصم الجولاني، الناطق الرسمي باسم المجموعة، فأدلى بتصريحه الشهير:
"إسرائيل وقفت إلى جانبنا بطريقة بطولية. لم نكن لنصمد لولا مساعدة إسرائيل."
(المصدر: وول ستريت جورنال، نقلاً عن تايمز أوف إسرائيل، 19 يونيو 2017)
وكشف التقرير أن إسرائيل أسست وحدة عسكرية متخصصة عام 2016 للإشراف على نقل الدعم وتنسيقه، وأن الأموال والمعدات كانت تصل عبر البوابات الحدودية الثلاث التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. وكان هدف هذا التحالف الضمني إقامة منطقة حزام أمني يسيطر عليها متعاطفون مع إسرائيل، بدلاً من قوات حزب الله أو الميليشيات الإيرانية.
3.2 فورين بوليسي: التحقيق الأشمل (سبتمبر 2018)
جاء تحقيق مجلة فورين بوليسي الذي أجرته الباحثة إليزابيث تسوركوف في سبتمبر 2018 ليكون الأكثر تفصيلاً وتوثيقاً، إذ استند إلى شهادات أكثر من أربعة وعشرين مصدراً بين قادة إسرائيليين وعناصر فصائل سورية. وكشفت المجلة أن إسرائيل دعمت سراً ما لا يقل عن اثني عشر فصيلاً مسلحاً في جنوب سوريا. وقد شمل الدعم نقل بنادق هجومية ورشاشات وقاذفات هاون ومركبات.
والجدير بالذكر أن إسرائيل بدأت التسليح عام 2013 ببنادق M16 أمريكية الصنع، ثم تحولت إلى أسلحة من مصادر أخرى، بما فيها أسلحة من شحنة إيرانية لحزب الله استولت عليها إسرائيل عام 2009، وهو ما يكشف توظيفاً ذكياً للغنائم. كما دفعت إسرائيل راتباً شهرياً لكل مقاتل بلغ نحو خمسة وسبعين دولاراً، فضلاً عن أموال إضافية لشراء الأسلحة من السوق السوداء السورية.
وتشير تسوركوف إلى أن الإسرائيليين لم يبذلوا جهداً يُذكر لتنظيم برنامج المساعدات وتوحيده، بل اعتمدوا على علاقات شخصية مع قادة بعينهم، إلى درجة أن الدعم كان يتوقف فور مقتل القائد أو إزاحته من منصبه.
"هذا درس لن ننساه عن إسرائيل. لا تهتم بالشعوب. لا تهتم بالإنسانية. كل ما تهتم به هو مصالحها الخاصة."
(المصدر: مقاتل في فرسان الجولان، فورين بوليسي، سبتمبر 2018)
3.3 الإقرار الرسمي الإسرائيلي: شهادة أيزنكوت
في يناير 2019، وفي مقابلة مع صحيفة صنداي تايمز البريطانية قبيل انتهاء ولايته، أقرّ رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال غادي أيزنكوت لأول مرة علناً بأن إسرائيل زودت الفصائل السورية بأسلحة خفيفة، مؤكداً أن ذلك جاء "للدفاع عن النفس." وكتبت تايمز أوف إسرائيل عن هذا الإقرار:
"كان توريد إسرائيل أسلحةً لهذه المجموعات المعارضة موضوع تقارير لسنوات - من الجيش السوري الساعي لتشويه صورة المتمردين بوصفهم أدوات صهيونية، ومن المجموعات المعارضة نفسها - لكنه لم يُؤكَّد قط من مسؤولين إسرائيليين."
(المصدر: تايمز أوف إسرائيل، 14 يناير 2019)
هذا الإقرار الرسمي يُسدل الستار على سنوات من الإنكار الرسمي، ويمنح الصدقية الكاملة للتقارير الصحفية السابقة.
رابعاً: الدوافع الاستراتيجية الإسرائيلية
4.1 الحسابات الأمنية: كبح التمدد الإيراني
يصعب فهم الموقف الإسرائيلي من المعارضة السورية بمعزل عن المعادلة الاستراتيجية الكبرى التي يهيمن عليها ملف إيران وحزب الله. فقد كان الهاجس الأول لإسرائيل منع التحوّل الجغرافي الذي قد يتيح لإيران أو حزب الله التموضع على مقربة من هضبة الجولان.
تقول مجلة فورين بوليسي إن مقدار الدعم الإسرائيلي "كان صغيراً مقارنةً بما قدمته دول أخرى كقطر والسعودية وتركيا والولايات المتحدة، لكنه كان ذا أهمية من نواح عدة." وتوضح أن إسرائيل سعت إلى "منع إيران من ترسيخ وجودها في سوريا جنباً إلى جنب مع الضربات الجوية على المواقع الإيرانية والضغط السياسي عبر روسيا."
وكان اللواء يائير غولان، قائد المنطقة الشمالية ونائب رئيس الأركان لاحقاً (2014-2017)، وزعيم حزب الديمقراطيين حالياً، يُشرف ميدانياً على هذه العلاقة، ويصفها بقوله:
"ساعدنا على فهم أن ليس كل شخص هو جبهة النصرة والقاعدة. ليسوا جميعاً متطرفين مسلمين يستوجبون الخشية، بل على العكس تماماً. معظم المجموعات على الحدود كانت من السنة السوريين الراغبين ببساطة في التخلص من الحكم العلوي العنيف."
(المصدر: ynetnews.com، يناير 2025)
4.2 الأهداف الاستخباراتية وجمع المعلومات
كشف تقرير عملية "التأثير" - الاسم غير الرسمي الذي منحه المقدم (احتياط) دروار للجانب الاستخباراتي والنفسي من العمليات، في إطار عملية الجار الصالح الرسمية من عملياتهم - أن وحدة 504 للاستخبارات البشرية في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لعبت دوراً محورياً في إدارة هذا الملف. وكانت المساعدة الإنسانية تمثل غطاءً جزئياً لعمليات جمع معلومات عن الأوضاع الميدانية وتحركات القوى المختلفة وتوجهاتها.
يقول أحد الضباط الإسرائيليين: "على مدار نشاطي، كنت ألتقي قادة المتمردين وأزور الجرحى السوريين في المستشفيات مرة كل أسبوعين أو ثلاثة." هذه اللقاءات كانت تُتيح تبادل المعلومات وتقييم المشهد الميداني.
4.3 البُعد الإنساني وإعادة صياغة الصورة
لا ينبغي اختزال العملية الإسرائيلية في بُعدها الأمني فحسب. فثمة دليل قوي على أن جانباً من المساعدات اتخذ شكل مساعدات إنسانية فعلية، وكان على الأقل محاولةً لإعادة تشكيل الصورة الذهنية العربية عن إسرائيل في المنطقة. فقد كشف الجيش الإسرائيلي في يوليو 2017 عن الأرقام التالية التي قدمها في إطار عملية الجار الصالح: 1524 طناً من الغذاء، و250 طناً من الملابس، و947,520 لتراً من الوقود، و21 مولداً كهربائياً، و24,900 طرداً من المعدات والأدوية الطبية، فضلاً عن علاج أكثر من 4,000 سوري في المستشفيات الإسرائيلية.
وكان اللواء يانيف أسور من الجيش الإسرائيلي يرى أن "المساعدة المدنية أوجدت علاقات جوار أفضل ساعدت على منع النشاط الإرهابي." وهذا يعني أن المساعدات الإنسانية كانت في الوقت ذاته استراتيجيةً أمنية - وهو توصيف يضع المساعدة المقدمة في سياقها الصحيح.
خامساً: نهاية التحالف والدروس المستخلصة
5.1 التخلي الاستراتيجي: يوليو 2018
في يوليو 2018، حين شنّت قوات الأسد بدعم روسي إيراني هجومها على جنوب سوريا، وجد الفصائل المتحالفة مع إسرائيل أنفسهم يواجهون مصيرهم وحدهم. أغلقت إسرائيل حدودها أمام المقاتلين الفارين ورفضت التدخل. كانت قد توصلت إلى تفاهم مع روسيا يقضي بسماح قوات الأسد باستعادة القنيطرة ودرعا مقابل إبقاء الميليشيات الإيرانية بعيدة عن الجولان.
كتبت فورين بوليسي: "كثير من السوريين في المنطقة المجاورة للجولان تشبثوا بالأمل في أن تمنع إسرائيل على الأقل النظام من استعادة القنيطرة. لكن إسرائيل لم تتدخل لحمايتهم." ولجأ بعض قادة الفصائل إلى إسرائيل طالبين اللجوء، فسمحت إسرائيل لعدد محدود منهم وذويهم بالدخول ليلة 22 يوليو 2018 فقط.
هذا النهج يُعبّر عن منطق براغماتي متعارف عليه في العلاقات الدولية: القوى الوكيلة في استراتيجيات الدول هي أدوات ووسائل، لا شركاء في المصير. حين تنتفي الحاجة إليهم أو يتعارض استمرار دعمهم مع ترتيبات أكبر، يُتركون لأقدارهم.
5.2 التداعيات الأخلاقية والقانونية
يُثير هذا الملف جملةً من الإشكاليات الأخلاقية والقانونية:
أولاً، مسألة السيادة: التدخل السري الإسرائيلي في الشأن السوري ينتهك مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية المكرَّسة في القانون الدولي، حتى وإن كان هذا الانتهاك يمكن أن يُطرح تبريره بدعوى الضرورةً الأمنية.
ثانياً، مبدأ استغلال المأساة: يُوظّف بعض المحللين هذا الملف للاستدلال على أن القوى الكبرى توظف أزمات الشعوب خدمةً لمصالحها الاستراتيجية، مما يُوجد ثغرةً أخلاقية عميقة بين خطاب "حقوق الإنسان" والفعل السياسي.
ثالثاً، وضع المستفيدين الملتبس: الفصائل المستفيدة لم تكن سلبيةً في هذه العلاقة، بل سعت إليها طوعاً وعبّرت عن إيجابيتها. ولم يكن غائباً عنهم الطابع الأداتي لهذه الشراكة، لكن الحاجة كانت تغلب الاعتبارات الإيديولوجية.
رابعاً، تعقيد التصنيف: ثمة فصائل مستفيدة كانت تتقاطع في المنطقة الجغرافية مع جبهة النصرة ذات الصلة بالقاعدة. ورغم أن إسرائيل اشترطت أن يكون المستفيدون بعيدين عن هذا الفصيل، فإن التقاطعات الميدانية كانت تجعل الفصل صعباً أحياناً.
5.3 التداعيات على مرحلة ما بعد 2024
مع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 وصعود هيئة تحرير الشام إلى السلطة في دمشق، عادت إسرائيل إلى التدخل العسكري المباشر والواسع. فاجتاحت المنطقة العازلة، وشنّت مئات الضربات الجوية على البنية التحتية العسكرية السورية، ونصّبت نفسها حارسةً للدروز في الجنوب السوري.
هذا أقترح صياغتها هكذا:
الكتابة
هذا التطور يعيد طرح سؤال جوهري: هل عكست سنوات التعاون السري مع بعض الفصائل السورية سياسةً إسرائيليةً تقوم على عدم التخلي عن القوى المحلية التي يمكن أن تخدم مصالحها الأمنية، أم أن ذلك التعاون لم يكن سوى خيار براغماتي مؤقت، ارتبط بظروف أمنية محددة وانتهى بانتهاء الحاجة إليه؟ ويبدو أن السجل الميداني يرجّح الاحتمال الثاني.
سادساً: تقييم نقدي للحجج المضادة
6.1 الرواية الإسرائيلية الرسمية وحدودها
أصرّت إسرائيل رسمياً على أن عملياتها لم تتجاوز الإطار الإنساني، وأن هدفها لم يكن دعم طرف في الحرب الأهلية السورية بل حماية حدودها وتقديم عون لجيران يعانون. وقال الجيش الإسرائيلي رداً على تقرير وول ستريت جورنال: "إسرائيل ملتزمة بتأمين حدودها ومنع تأسيس خلايا إرهابية وقوات معادية، إضافةً إلى تقديم مساعدات إنسانية للسوريين في المنطقة."
الإشكالية في هذه الرواية أنها تُجانب الحقيقة الكاملة التي أقرّ بها رئيس الأركان نفسه. فالإقرار بتسليح الفصائل بحجة "الدفاع عن النفس" هو بحد ذاته اعتراف بتجاوز الحد الإنساني.
6.2 مشروعية المقارنة مع الفاعلين الدوليين الآخرين
كثيراً ما تُطرح المقاربة الإسرائيلية في ضوء أن قوى دولية وإقليمية أخرى كالولايات المتحدة وتركيا والسعودية وقطر دعمت فصائل سورية بحجوم أضخم بكثير. وهذه المقارنة صحيحة جزئياً، لكنها تُغفل أن إسرائيل كانت رسمياً في حالة حرب مع سوريا، مما يُضفي على دعمها طابعاً قانونياً وسياسياً مختلفاً.
فضلاً عن ذلك، فإن التقارير الأمريكية والغربية عن دعم الفصائل السورية كانت تخضع لرقابة سياسية علنية ونقاش برلماني، بينما كان الدعم الإسرائيلي سرياً تاماً ومنعزلاً عن الرقابة الديمقراطية.
سابعاً: الخلاصة والاستنتاجات
يُثبت التوثيق المتاح من مصادر متعددة ومستقلة أن إسرائيل قدمت دعماً حقيقياً ومتعدد الأوجه للمعارضة السورية المسلحة خلال الفترة 2013-2018، تتدرّج من المساعدة الطبية الصامتة إلى الدعم المالي والتسليح السري. وقد جاء هذا الدعم ثمرةً لتلاقٍ عملي بين حاجة الفصائل السورية إلى موارد بقاء وحاجة إسرائيل إلى إدارة بيئتها الأمنية الحدودية.
والدرس الأعمق الذي تُفرزه هذه الحادثة التاريخية هو أن التحالفات غير الرسمية في مناطق الصراع المعقدة تنطوي على ديناميكية مخاطرة موزّعة بشكل غير عادل: الطرف الأقوى يستفيد بأمان نسبي ويتحكم في "مفتاح الإيقاف"، بينما الطرف الأضعف يُخاطر بكل شيء. ولعل هذا ما عبّرت عنه بدقة الباحثة اليزابيث تسوركوف بقولها: "من المهم تسليط الضوء على التكلفة الإنسانية لاستخدام الناس لتحقيق مصالح دولة أخرى."
وتبقى الأسئلة الكبرى التي يُفرزها هذا الملف ذات راهنية: هل يمكن للتعاون الأمني أن يُمهّد لسلام مستدام؟ وهل يُعدّ التدخل السري الإسرائيلي في سوريا نموذجاً لـ"الواقعية البراغماتية" أم انتهاكاً للسيادة تحت غطاء الضرورة؟ وهل تتخلى إسرائيل عن الدروز كما سبق لها أن تخلت عن فصائل الجنوب؟
الإجابات لا تزال رهينة بتطورات المسار السياسي السوري في مرحلة ما بعد الأسد.
ثامناً: الجداول الإحصائية والتوثيقية
8.1 جدول المصطلحات
المصطلح العربي
التسمية الإنكليزية
التعريف
عملية الجار الصالح
Operation Good Neighbor
مبادرة إسرائيلية عسكرية أُعلن عنها عام 2017 لتقديم المساعدة الإنسانية لسكان جنوب سوريا
فرسان الجولان
Forsan al-Jolan / Golan Knights
فصيل مسلح سوري نشط في منطقة القنيطرة، وكان المستفيد الرئيسي من الدعم الإسرائيلي
قوة فض الاشتباك الأممية
UNDOF
United Nations Disengagement Observer Force - قوة أممية تراقب خط وقف النار منذ 1974
منطقة العازل / الفصل
Buffer Zone / Area of Separation
المنطقة منزوعة السلاح بين الخطين ألفا (إسرائيل) وبرافو (سوريا)
الحزام الأمني
Security Belt
المصطلح الإسرائيلي لوصف المنطقة الجغرافية الواجب السيطرة عليها لتأمين الحدود
الاستخبارات البشرية
HUMINT
Human Intelligence - جمع المعلومات الاستخباراتية عبر مصادر بشرية
جبهة النصرة / هيئة تحرير الشام
Jabhat al-Nusra / HTS
تنظيم جهادي مرتبط أصلاً بالقاعدة، سيطر على أجزاء من جنوب سوريا
الجيش السوري الحر
Free Syrian Army (FSA)
تحالف فصائل مسلحة معارضة للنظام ذات توجه علماني نسبي
وحدة 504
Unit 504
وحدة الاستخبارات البشرية في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أشرفت على العلاقة مع الفصائل
8.2 جدول الفصائل المستفيدة من الدعم الإسرائيلي
الفصيل
الموقع الجغرافي
الطبيعة التنظيمية
نوع الدعم الإسرائيلي
فرسان الجولان (فرسان الجولان)
القنيطرة - جبعتا الخشب
غير منتسب للجيش الحر
نقدي (~5000$/شهر)، غذاء، وقود، أسلحة خفيفة
لواء عمر بن الخطاب
بيت جن - جبل الشيخ
منتسب للجيش الحر
أسلحة خفيفة، ذخائر، تنسيق استخباراتي
فصائل ريف القنيطرة
ريف القنيطرة
منتسبة جزئياً للجيش الحر
مواد إنسانية، رواتب مقاتلين (~75$/شهر للفرد)
فصائل ريف درعا الغربي
درعا الغربية
متنوعة التوجهات
سلاح، ذخيرة، تنسيق عبر بوابات الجولان
فصائل مناطق حوران
حوران
متنوعة
مساعدات إنسانية وبنية تحتية
8.3 الجدول الزمني للأحداث الرئيسية
التاريخ
الحدث
2011
اندلاع الثورة السورية؛ إسرائيل تعلن سياسة عدم التدخل الرسمية
2013
أول تواصل بين فرسان الجولان والجيش الإسرائيلي؛ بدء علاج مسلحين سوريين في المستشفيات الإسرائيلية
2013-2014
تقارير UNDOF توثق تفاعلات منتظمة بين جنود الجيش الإسرائيلي والمسلحين على خط وقف النار
2013
إسرائيل تبدأ سراً تزويد فصائل موالية لها بأسلحة M16 أمريكية الصنع
يونيو 2016
إطلاق "عملية الجار الصالح" رسمياً بإشراف الفرقة 210 التابعة للجيش الإسرائيلي
يونيو 2017
تقرير وول ستريت جورنال يكشف لأول مرة علناً حجم الدعم المالي والعيني
يوليو 2017
الجيش الإسرائيلي يُعلن رسمياً عن عملية الجار الصالح، مؤكداً بُعدها الإنساني
سبتمبر 2018
مجلة فورين بوليسي تكشف الدعم العسكري السري لـ12 فصيلاً على الأقل
يوليو 2018
انهيار الجنوب السوري أمام قوات الأسد؛ إسرائيل تُغلق الحدود؛ الفصائل تشعر بالخيانة
يناير 2019
رئيس الأركان غادي أيزنكوت يعترف علناً للمرة الأولى بتسليح الفصائل السورية
ديسمبر 2024
سقوط الأسد؛ إسرائيل تجتاح المنطقة العازلة وتشن ضربات جوية واسعة
المراجع والمصادر
المصادر الصحفية الاستقصائية:
1. Wall Street Journal. (June 18, 2017). "Israel Gives Secret Aid to Syrian Rebels." (نقلاً عن تايمز أوف إسرائيل، 19 يونيو 2017)
2. Tsurkov, E. (September 6, 2018). "Inside Israel's Secret Program to Back Syrian Rebels." Foreign Policy.
3. Times of Israel Staff. (January 14, 2019). "IDF Chief Finally Acknowledges That Israel Supplied Weapons to Syrian Rebels."
4. Haaretz. (June 19, 2017). "Israel Reportedly Providing Direct Aid, Funding to Syrian Rebels."
5. Newsweek. (June 19, 2017). "Israel Secretly Paying Salaries of Syrian Rebels on Golan Heights Border."
6. Middle East Monitor. (September 7, 2018). "Report: Israel Secretly Armed, Funded Syria Rebel Groups."
7. YNet News. (January 24, 2025). "Operation Good Neighbor: Israel's Humanitarian Mission during Syria's Civil War."
المصادر الأممية والرسمية:
8. UN Secretary-General Ban Ki-moon. Reports to the UN Security Council on UNDOF Activities (2013-2018). United Nations.
9. Christian Science Monitor. (December 7, 2014). "UN Reports Israeli Support for Syria Rebels." (استناداً إلى وثائق UNDOF)
10. Times of Israel. (December 7, 2014). "UN: Israel Interacting with Rebels on Syrian Border."
11. IDF Spokesperson. (July 19, 2017). "Operation Good Neighbor." Official IDF Statement.
مصادر إضافية وبيانات رسمية:
12. Security Council Report. (March 2025). "UNDOF (Golan) Monthly Forecast."
13. Newsweek. (September 6, 2018). "Israel Secretly Armed Syrian Rebels and Then Abandoned Them."
مراجع ثانوية وإيضاحية (للتوجيه لا للاستشهاد الأكاديمي المباشر):
أ. Wikipedia. "Israeli Humanitarian Operations during the Syrian Civil War." — مفيد للأرقام الإحصائية الرسمية الإسرائيلية المنقولة عن الجيش الإسرائيلي.
ب. Wikipedia. "Israeli Invasion of Syria (2024-present)." — للأحداث الراهنة بعد 2024.
ج. EMET – Endowment for Middle East Truth. (2025). "Operation Good Neighbor Factsheet." — مصدر ذو توجه سياسي صريح (親-إسرائيلي)، يُستخدم للبيانات الرقمية الموثقة فحسب.
إعداد: رسلان عامر | إنشاء: Claude AI | مراجعة نماذج الذكاء الصناعي: ChatGPT, Gemeni, Grok ,Genspark, Le Chat |
نهاية الدراسة —
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

