الوضع المظلم
الثلاثاء ٢٣ / يونيو / ٢٠٢٦
Logo
  • الليرة التي لم تعد: ماذا تكشف أزمة استبدال العملة عن الاقتصاد السوري الخفي؟

الليرة التي لم تعد: ماذا تكشف أزمة استبدال العملة عن الاقتصاد السوري الخفي؟
د.علي مطيع عيسى

مقدمة

عندما أعلنت الحكومة السورية مطلع عام 2026 بدء عملية استبدال الليرة السورية المتداولة بأوراق نقدية جديدة، بدا الأمر للوهلة الأولى إجراءً تقنياً يهدف إلى تحديث النقد المتداول وتحسين جودة العملة وإغلاق الباب أمام التزوير والتلف الذي أصاب جزءاً كبيراً من الكتلة النقدية خلال سنوات الحرب الطويلة. غير أن التطورات اللاحقة، وما رافقها من تمديدات متكررة لمهلة الاستبدال، حولت العملية من إجراء مصرفي اعتيادي إلى قضية سياسية واقتصادية واجتماعية تثير أسئلة عميقة حول طبيعة الاقتصاد السوري نفسه.

بعد مرور خمسة أشهر على انطلاق العملية، لم تتجاوز نسبة الأموال المستبدلة حدود 63% من الكتلة النقدية المستهدفة، الأمر الذي دفع السلطات إلى تمديد المهلة للمرة الرابعة. هذا الرقم يبدو للوهلة الأولى مقبولاً في دولة خرجت من حرب طويلة، لكنه يصبح مثيراً للقلق عندما ندرك أن الأشهر الأولى لأي عملية استبدال نقدي تمثل عادة المرحلة الأسرع والأكثر كثافة. ففي التجارب الدولية، تكون غالبية الأموال المتداولة قد دخلت إلى المصارف خلال الأسابيع الأولى، بينما تمثل النسب المتبقية الكتل النقدية الراكدة أو البعيدة عن الدورة الاقتصادية الطبيعية.

القضية هنا ليست مرتبطة فقط بقدرة المواطنين على استبدال أوراقهم النقدية، بل ترتبط بطبيعة العلاقة بين الدولة والسوق، وبين المؤسسات المالية والمجتمع. فالعملة ليست مجرد ورقة تحمل قيمة اسمية، وإنما تمثل أحد أهم تجليات الثقة السياسية والاقتصادية. وعندما تتردد نسبة كبيرة من المواطنين في الاستجابة لإجراء نقدي رسمي، فإن السؤال يتجاوز الجانب الإداري ليصل إلى بنية الاقتصاد نفسه وإلى طبيعة الثقة التي تحكم العلاقة بين المجتمع والدولة.

 

عملية الاستبدال جاءت في لحظة انتقالية تعيشها سوريا بعد سنوات من العقوبات والانكماش الاقتصادي والتشوهات العميقة التي أصابت بنية السوق. فخلال الحرب نشأت أنماط اقتصادية جديدة، وتوسعت الأسواق غير الرسمية، وتراجعت قدرة المؤسسات على مراقبة حركة الأموال، ما أدى إلى تشكل اقتصاد نقدي واسع النطاق يعمل خارج القنوات المصرفية التقليدية. ولذلك فإن الأرقام الحالية لا تعبر فقط عن نجاح أو فشل عملية الاستبدال، بل تقدم فرصة نادرة لفهم حجم الاقتصاد الخفي الموجود خارج الرقابة الرسمية.

أزمة استبدال الليرة السورية غدت أشبه بنافذة تكشف البنية العميقة للاقتصاد السوري المعاصر، وتطرح أسئلة حول حجم الاقتصاد غير الرسمي، ومستوى الثقة بالمؤسسات، ومستقبل السياسة النقدية، وقدرة الدولة على إعادة بناء أدواتها الاقتصادية بعد أكثر من عقد من الحرب والتحولات البنيوية.

 

أولاً: الكتلة النقدية الغائبة واقتصاد الظل السوري

تكشف نسبة الاستبدال المتواضعة بعد أشهر طويلة من بدء العملية عن وجود جزء كبير من الكتلة النقدية خارج الدورة الاقتصادية الرسمية. فمن غير المنطقي اقتصادياً أن تبقى أكثر من ثلث الأموال المستهدفة خارج عملية الاستبدال إذا كانت جميعها تتحرك بشكل طبيعي داخل الأسواق والمؤسسات المالية. وهذا يقودنا إلى استنتاج أساسي مفاده أن الاقتصاد السوري أصبح خلال السنوات الماضية اقتصاداً نقدياً بامتياز، يعتمد على التخزين الفردي للأموال أكثر مما يعتمد على الإيداع المصرفي.

لقد أدت سنوات الحرب والعقوبات والتضخم المتكرر إلى تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات المالية، ما دفع أعداداً كبيرة من السوريين إلى الاحتفاظ بأموالهم في المنازل، أو المحال التجارية، أو حتى ضمن شبكات اقتصادية غير رسمية. وبمرور الوقت تشكل ما يشبه الاقتصاد الموازي الذي يدير جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي بعيداً عن أعين الدولة.

 

الأموال غير المستبدلة هنا تجاوزت فكرة كونها مجرد أوراق نقدية متأخرة عن المراجعة الإدارية، وغدت تعبر عن شبكات اقتصادية كاملة نشأت خارج المؤسسات الرسمية.هناك أموال موجودة لدى تجار الجملة، وأخرى ضمن شبكات الحوالات غير المرخصة، وثالثة لدى المغتربين واللاجئين، إضافة إلى كتل نقدية مخزنة لأغراض الادخار أو الحماية من التقلبات الاقتصادية.

كما أن جزءاً من هذه الكتلة النقدية يرتبط بما يمكن تسميته "اقتصاد الخوف". فالكثير من الأفراد وأصحاب الأعمال قد ينظرون إلى عملية الاستبدال ليس باعتبارها خدمة مصرفية فقط، وإنما باعتبارها عملية كشف محتملة لحجم الثروات والسيولة الموجودة لديهم. وفي الدول التي شهدت اضطرابات طويلة، غالباً ما يترافق النشاط الاقتصادي مع حساسية مرتفعة تجاه أي عملية تتطلب الإفصاح أو التوثيق أو المرور عبر القنوات الرسمية.

ولذلك فإن النسبة المتبقية من العملة غير المستبدلة قد تكون مؤشراً غير مباشر على حجم الاقتصاد غير الرسمي في سوريا أكثر من كونها مؤشراً على نجاح أو فشل العملية النقدية بحد ذاتها. فكلما اتسعت الفجوة بين الكتلة النقدية المقدرة والكتلة المستبدلة، ازداد احتمال وجود اقتصاد موازٍ يصعب على الدولة قياسه أو التحكم به.

 

ثانياً: أزمة ثقة أكثر من كونها أزمة نقد

في الأدبيات الاقتصادية الحديثة لا تستمد العملة قيمتها من الورق الذي طبعت عليه، بل من الثقة التي يمنحها المجتمع للجهة المصدرة لها. ولهذا السبب فإن أي عملية استبدال نقدي تتحول عملياً إلى اختبار مباشر لمستوى الثقة بين الدولة والمواطنين.

في الحالة السورية، جاءت عملية الاستبدال بعد سنوات طويلة من التدهور الاقتصادي والتضخم الحاد والانخفاض الكبير في القوة الشرائية. وخلال تلك السنوات اعتاد السوريون على التعامل مع الدولار أو الذهب أو العقارات باعتبارها مخازن بديلة للقيمة. ومع مرور الزمن تراجعت مكانة الليرة كأداة ادخار، واقتصر دورها على التداول اليومي في كثير من الأحيان.

 

هذه الخلفية تفسر جانباً مهماً من التردد الشعبي في الاستجابة السريعة لعملية الاستبدال. فالمشكلة ليست في الأوراق النقدية الجديدة نفسها، وإنما في البيئة الاقتصادية التي تتحرك ضمنها. فالمواطن الذي لا يثق باستقرار الأسعار أو بسياسات الدولة النقدية قد يتعامل بحذر مع أي إجراء مالي جديد مهما كانت مبرراته التقنية.

التمديدات المتكررة أيضاً تحمل رسائل متناقضة إلى السوق. فمن جهة تعكس مرونة الدولة ورغبتها في حماية المواطنين ومنحهم وقتاً إضافياً. لكنها من جهة أخرى قد توحي بوجود صعوبات غير متوقعة في تنفيذ الخطة الأصلية. وعندما تتكرر التمديدات تبدأ الأسواق بإعادة تقييم التوقعات المرتبطة بالعملية كلها.

إن الثقة الاقتصادية لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل تتشكل عبر تراكم الخبرات اليومية للمواطنين. ولذلك فإن نجاح أي عملية استبدال لا يقاس فقط بنسبة الأوراق التي تم جمعها، وإنما بقدرة المؤسسات على إقناع المجتمع بأن التغيير النقدي جزء من رؤية اقتصادية متماسكة وليست مجرد معالجة تقنية مؤقتة.

عليه تبدو أزمة الاستبدال أقرب إلى اختبار اجتماعي وسياسي للثقة منها إلى عملية مصرفية تقليدية. فالعملة الجديدة يمكن طباعتها خلال أشهر، أما الثقة الجديدة فتحتاج غالباً إلى سنوات.

 

ثالثاً: ماذا يعني ذلك لمستقبل الليرة والأسواق السورية؟

إذا كانت عملية الاستبدال قد كشفت وجود اقتصاد خفي واسع النطاق وأظهرت حدود الثقة القائمة بين الدولة والسوق، فإن السؤال الأهم يتعلق بما سيحدث بعد انتهاء المهلة الحالية. فهل يمكن أن يؤدي التمديد الجديد إلى استبدال النسبة المتبقية من الكتلة النقدية، أم أن السوق وصل بالفعل إلى الحد الأقصى الممكن؟

من الناحية العملية، يبدو أن الجزء المتبقي هو الأصعب دائماً. فالكتل النقدية النشطة تم استبدال معظمها خلال الأشهر الأولى، بينما تتكون النسبة المتبقية من أموال مخزنة أو بعيدة جغرافياً أو مرتبطة بأنشطة اقتصادية غير رسمية. ولذلك فإن تحقيق قفزة كبيرة خلال فترة قصيرة قد يكون أكثر تعقيداً مما توحي به التوقعات الرسمية.

أما بالنسبة لسعر الصرف، فإن التأثير المباشر للعملية يبقى محدوداً طالما أنها لا تترافق مع توسع كبير في الإصدار النقدي. لكن استمرار حالة عدم اليقين قد ينعكس على سلوك المتعاملين في السوق، خصوصاً إذا بدأت الشائعات والتوقعات المتضاربة بالانتشار. فأسواق الصرف لا تتأثر بالأرقام فقط، بل تتأثر أيضاً بالتصورات النفسية والتوقعات المستقبلية.

وعلى المدى الأبعد، قد تكون القيمة الحقيقية لهذه العملية في المعلومات التي وفرتها للدولة أكثر من الأوراق التي جمعتها. فعملية الاستبدال سمحت للمؤسسات النقدية بإعادة تقدير حجم الكتلة المتداولة، وفهم أنماط التخزين النقدي، وتحديد الفجوات بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد الموازي. وهذه المعطيات قد تصبح أساساً لسياسات مالية ونقدية أكثر دقة خلال السنوات المقبلة.

لكن النجاح النهائي لن يتوقف على استكمال الاستبدال فقط، بل على قدرة الدولة على تحويل هذه العملية إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الثقة الاقتصادية. فالمجتمعات لا تقيس قوة العملة من شكلها الجديد أو ألوانها المختلفة، بل من قدرتها على حفظ القيمة وتسهيل التبادل وتعزيز الاستقرار.

وفي النهاية، قد لا تكون القصة الحقيقية في سوريا هي قصة الأوراق النقدية التي عادت إلى المصارف، بل قصة الأوراق التي لم تعد بعد. فهناك، في تلك النسبة المتبقية خارج النظام الرسمي، تكمن مؤشرات مهمة على طبيعة الاقتصاد السوري ومستقبل العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع في مرحلة ما بعد الحرب.

ليفانت: د. علي مطيع عيسى

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!