الوضع المظلم
الأربعاء ١٨ / مارس / ٢٠٢٦
Logo
تبييض الانتهاكات في سوريا
تبييض الانتهاكات في سوريا

في ظل واقع سوري معقّد بعد عقود من الاستبداد وصراع مستمر منذ 2011، تستمر موجات العنف والانتهاكات بحق الأقليات والتعذيب كظواهر يومية، حتى بعد سقوط نظام الأسد. الصراع الإقليمي الأخير مع إيران عزّز من تعقيد المشهد في الشرق الأوسط، فيما تغطي بعض وسائل الإعلام التحولات في البلد بلغة تلطيفية تُمَوّه طبيعة النظام الجديد وتحجّم حجم الانتهاكات الواقعة.

تتناقض الصورة العامة مع التقارير الميدانية: مجازر وجولات عنف جماعي تستهدف العلويين والدروز وأقليات أخرى، وحوادث تعذيب ممنهجة تُوثّقها مصادر متعددة، لكنها نادراً ما تُقدم في الإعلام الغربي كدليل على أيديولوجيا عنيفة مسيطرة. بدلاً من ذلك، تُعاد صياغة المشهد على أنه صراع قوى أو صراع قبلِي وجيوسياسي، ما يسهم في طمس مسؤولية الفاعلين الحقيقيين.

تلعب شريحة من الخبراء دوراً بارزاً في هذا الإطار الإعلامي. تقارير وتحليلات تُنشر في صحافة مرموقة أحياناً تضم خبراء مرتبطين بمصالح إقليمية أو مؤسسات مقربة من دول فاعلة، ما يثير تساؤلات حول حياد المواقف ومصداقية التقييمات. يتم تقديم قادة سابقين لهم سجل مرتبط بتنظيمات مسلحة، أو قادة جدد متهمين بجرائم خطيرة، بصيغٍ تبرز سماتهم القيادية وتبرر سياساتهم كخيار ضروري لاستعادة الاستقرار، مع التقليل من جرائمهم وانتهاكاتهم.

أمثلة على ذلك تظهر في تغطية مسألة الإدارة الذاتية الكردية (روجافا) والتدخلات التركية المتكررة والقصف والعمليات البرية التي استهدفت مناطق كردية، وفي الوقت نفسه تُعرض قيادات إسلامية متهمة بجرائم جسيمة في صورة فاعلين سياسيين مشروعين. يترافق ذلك مع دور قنوات دعائية ووسائل إعلام حكومية تشرعن سياسات التدخل وتعيد تدوير روايات تخدم مصالح دولية وإقليمية.

تتعمق أزمة الثقة حين يُكشف عن روابط مالية ومؤسسية بين مراكز أبحاث وخبراء وداعمين خارجيين، ما يضع بالمرصاد موضوعات الحياد والمهنية. تمويل من جهات رعتها دول خليجية أو قنوات إعلامية رسمية يفرض تساؤلات حول تأثير هذه العلاقات على تفسير الأحداث وعلى توصيف الجهات الفاعلة في الساحة السورية.

على منصات التواصل، يتجلى تحيّز بعض المحللين بشكل أوضح، حيث يُروّج سرد يضع الأقليات ومحاور المعارضة كمُعرقلين للوحدة، بينما تُقدّم قيادة جديدة ذات خلفية متشددة كخيار لفرض النظام. هذا التوظيف للرواية يتماشى في كثير من الأحيان مع مصالح تركيا وقطر وسلطاتٍ إقليمية أخرى تسعى لإعادة تشكيل المشهد السوري وفق حساباتها.

الخلاصة: الصورة الإعلامية والسياسية لسوريا بعد سقوط الأسد تعاني من تداخل بين المصالح الدعائية والروائيات التحليلية الموجّهة، ما يؤدي إلى تلميع بعض الفاعلين وتهميش معاناة الأقليات وطمس الانتهاكات اليومية. الحاجة ملحّة إلى تغطية مستقلة ومحايدة، وفحص دقيق لعلاقات الخبراء والمؤسسات المموِّلة، لضمان تفسير واقع سوري يعكس حقيقة الانتهاكات ومسؤوليات الفاعلين.

المصدر: intsyria

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!