الوضع المظلم
الخميس ٢٥ / يونيو / ٢٠٢٦
Logo
جامعات إيران… حين يخاف النظام من طلابه
سعيد عابد

لم تعد الجامعات في إيران مجرد فضاء للتعليم والبحث، بل تحولت في نظر نظام ولاية الفقيه إلى إحدى الجبهات الأكثر حساسية في معركته مع المجتمع. فبعد موجة الاحتجاجات والانتفاضات الأخيرة، كثّفت السلطات حملة واسعة ضد الطلاب، مستخدمة لجان الانضباط الجامعية والمحاكم الثورية في وقت واحد، في محاولة لتجفيف منابع الاعتراض داخل واحدة من أكثر البيئات قدرة على إنتاج الوعي والاحتجاج.

تأتي هذه الحملة في لحظة بلغت فيها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في إيران مستوى شديد الخطورة. فالنظام، رغم محاولاته الظهور بمظهر القوة وسط ضجيج التوترات الإقليمية والمفاوضات، يدرك أن الخطر الحقيقي لا يأتي من الخارج بقدر ما يأتي من الداخل، من مجتمع غاضب وجيل شاب فقد الثقة بوعود السلطة. ومن هنا يمكن فهم الهجوم الجديد على الجامعات بوصفه تعبيرًا مباشرًا عن خوف النظام من انفجار اجتماعي جديد.

وفق تقرير نشرته صحيفة "شرق" الحكومية في 1 يونيو 2026، جرى خلال أسابيع قليلة استدعاء أو معاقبة ما لا يقل عن 352 طالبًا في أربع جامعات كبرى في طهران. ففي جامعة شريف، طُرد ما بين خمسة وسبعة طلاب، وعُلّق أكثر من 20 طالبًا لمدة تصل إلى ثلاثة فصول دراسية. وفي الجامعة الوطنية المعروفة بجامعة بهشتي، مُنع 25 طالبًا من الدخول إلى الأنظمة التعليمية. أما جامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا، فقد فُتحت فيها ملفات لأكثر من 100 طالب، فيما استُدعي نحو 200 طالب في جامعة طهران.

هذه الأرقام لا تمثل سوى جزء من صورة أوسع. فالحملة امتدت إلى جامعات مشهد، وشيراز، وأصفهان، وغيلان، وبيرجند، وبابل، مستهدفة بالدرجة الأولى طلابًا شاركوا أو تعاطفوا مع انتفاضات ديسمبر 2025 ويناير 2026. واللافت أن الإجراءات لم تتوقف رغم تعليق الدراسة الحضورية في كثير من الجامعات، ما يؤكد أن الهدف ليس ضبط السلوك الأكاديمي، بل تنفيذ عملية تطهير سياسي منظمة.

"لجان الانضباط كأذرع أمنية"

لم تعد لجان الانضباط الجامعية، في ظل هذه الحملة، مؤسسات داخلية لمعالجة مخالفات طلابية، بل تحولت إلى امتداد للأجهزة الأمنية. وزير العلوم في حكومة مسعود بزشكيان، حسين سيمائي صراف، أقرّ علنًا بأن ملفات الطلاب تُتابع في مسارين متوازيين: أمام السلطات القضائية بتهمة ارتكاب "جرائم"، وداخل الجامعات بذريعة "المخالفات". وهذا الاعتراف يكشف طبيعة التنسيق بين الحكومة والجامعات والجهاز القضائي في ملاحقة الطلاب.

وفي تقرير نشرته صحيفة "توسعه إيراني" في 8 يونيو 2026، وصف طلاب أداء بعض هذه اللجان بأنه يشبه سلوك "عصابات مافيا"، حيث يرفض أعضاء اللجان التعريف بأنفسهم، ويتجاوزون حتى اللوائح الداخلية التي يُفترض أن تحكم عملهم. وفي جامعات مثل شريف وطهران، تعرّض الطلاب لضغوط نفسية قاسية وأسئلة اتهامية ذات طابع أيديولوجي، من قبيل تحميلهم مسؤولية "دماء الشهداء"، أو ربط مواقفهم بما جرى في المواجهات الأخيرة بين النظام والولايات المتحدة وإسرائيل.

الأكثر دلالة أن القمع استهدف بصورة خاصة طلاب المرحلة الجامعية الأولى والنساء الشابات. فقد أشار أحد طلاب جامعة طهران إلى أن نحو 90 في المئة من المستهدفين هم من طلاب البكالوريوس، وأن قرابة 80 في المئة منهم من النساء. وهذا يكشف عمق خوف النظام من الجيل الشاب، ولا سيما من النساء اللواتي كنّ في مقدمة الانتفاضات الأخيرة.

كما امتدت الملاحقة إلى الفضاء الرقمي. ففي ظل إغلاق الجامعات وتقييد الإنترنت، باتت صور الحسابات الشخصية، والرسائل في المجموعات الخاصة، وإعادة نشر محتوى معارض، أسبابًا كافية للاستدعاء والعقوبة. وهكذا لم يعد الطالب يُحاسب فقط على نشاطه في الشارع أو الحرم الجامعي، بل على أفكاره واتصالاته الخاصة أيضًا.

بالتوازي مع ذلك، أصدرت المحاكم الثورية أحكامًا قاسية ضد طلاب شاركوا في الاحتجاجات، بينها أحكام بالسجن على خلفية اتهامات مثل "التواطؤ للإخلال بالأمن القومي". ويُذكر اسم القاضي أبو القاسم صلواتي في هذا السياق بوصفه أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالأحكام المشددة ضد المعارضين والطلاب.

لكن رغم هذا القمع المتعدد الطبقات، لم يتمكن النظام من إسكات الجامعات. فقد واصلت منظمات طلابية الاحتجاج على حملة الإقصاء، كما استمرت تجمعات طلابية ضد سياسات النظام. وهذا ما يجعل الحملة الحالية دليل ضعف لا دليل قوة؛ فالنظام الذي يخاف من صورة على حساب شخصي، أو رسالة في مجموعة خاصة، أو طالبة جامعية ترفع صوتها، إنما يعترف بأن الخطر الحقيقي عليه يأتي من وعي الشباب.

في النهاية، لا تكشف ملاحقة الطلاب عن أزمة داخل الجامعات فقط، بل عن أزمة نظام يخشى المستقبل. فالجامعة التي يريدها النظام صامتة ومنضبطة، يراها الشباب مساحة للحرية والكرامة والاحتجاج. وبين هاتين الرؤيتين تدور معركة أعمق من ملف تعليمي؛ إنها معركة على مستقبل إيران نفسها.

ولهذا فإن ما يجري في الجامعات الإيرانية لا يمكن فصله عن المشهد العام في البلاد. فكلما تعمقت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ازداد خوف السلطة من أي فضاء قادر على إنتاج السؤال والاعتراض. والجامعة، بما تمثله من وعي شبابي وحضور نسائي وشبكات تواصل مستقلة، تظل إحدى أكثر الساحات إزعاجًا للنظام، لأنها تذكّره بأن المجتمع الذي يحاول إخضاعه لم يعد مستعدًا للصمت.

ليفانت: سعيد عابد، كاتب وباحث إيراني

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!