الوضع المظلم
الخميس ١٠ / سبتمبر / ٢٠٢٦
Logo
حين يصبح الطريق بين سوريا ولبنان ممراً للموت
كنانة خلف الكردي

على الحدود بين سوريا ولبنان، لا تمرّ الشاحنات وحدها. تمرّ معها حكايات قرى أُنهكت، وشباب ابتلعهم الخوف أو المخدرات، ودول جرى تحويلها إلى ممرات لا إلى أوطان. هناك، بين طريق ترابي ومعبر رسمي ونفق مخفي، لا يبدو التهريب مجرد جريمة عابرة، بل شكلاً آخر من أشكال الحرب.

فما يُنقل عبر هذه الطرق ليس سلاحاً فقط، ولا ذخيرة فقط، ولا حبوباً مخدرة فقط. الذي يُنقل، في العمق، هو مشروع كامل: إبقاء لبنان رهينة، وإبقاء سوريا ممزقة، وإبقاء حزب الله قادراً على التعطيل والتهديد والعيش خارج الدولة. ومن خلف هذا المشروع يقف النظام الحاكم في إيران، لا كداعم بعيد، بل كصاحب شبكة ترى في الحدود المفتوحة شريان حياة لحرب لا تريد أن تنتهي.

في يوليو 2026، أعلنت السلطات السورية ضبط شحنة كبيرة من الأسلحة النوعية على الحدود السورية ـ العراقية، قالت إنها كانت موجهة إلى حزب الله في لبنان، وتضمنت صواريخ بعيدة المدى ومضادات دروع وطائرات مسيرة. لم يكن الخبر تفصيلاً أمنياً؛ كان نافذة على ممر قديم يحاول أن يبقى حياً رغم تغير الخرائط والأنظمة والوجوه. وقد أكدت وزارة الداخلية السورية أنها لن تسمح بتحويل الأراضي السورية إلى ممر لتهريب السلاح أو منطلق لأنشطة تهدد سوريا وجيرانها. وفي المقابل، نفى حزب الله وجود أي نشاط له داخل الأراضي السورية، فيما بقيت الواقعة موضع تحقيق سوري وعراقي.

لكن السلاح ليس وحده في القصة. فالمخدرات، خصوصاً الكبتاغون، تحولت إلى اقتصاد ظلّ يغذي شبكات النظام السوري السابق وحلفاءه، وبينهم حزب الله. وزارة الخزانة الأمريكية تحدثت بوضوح عن شبكات تمويل لحزب الله وعن تجارة كبتاغون استفاد منها نظام الأسد وحلفاؤه، كما أشارت إلى أن حزب الله ومؤيديه يمولون عملياتهم عبر التجارة السرية والاتجار غير المشروع بالكبتاغون.

هكذا تكتمل الدائرة: سلاح يصنع الخوف، ومخدرات تصنع الانهيار، ومال قذر يعيد تدوير العنف. في الظاهر، تبدو الشحنة المضبوطة حادثة واحدة. في الحقيقة، هي جزء من هندسة إقليمية ترى الإنسان تفصيلاً زائداً. لا يهم أن يغرق شاب لبناني في الإدمان، ولا أن تتحول قرية سورية إلى ممر، ولا أن تعيش عائلات على جانبي الحدود تحت سلطة المهربين والسلاح. المهم أن يبقى الطريق مفتوحاً أمام مشروع النفوذ.

وهنا تكمن خطورة دور النظام الحاكم في إيران. فهو لا يرسل السلاح فقط إلى حزب الله، بل يرسل معه منطقاً كاملاً: لا دولة فوق السلاح، لا قانون فوق الميليشيا، لا حدود أمام المشروع، ولا حياة مدنية خارج حسابات الصراع. وعندما يضع الحرس الثوري الإيراني يده على طريق، لا يعود الطريق طريق ناس وتجارة ولقاء، بل يتحول إلى وريد عسكري وأمني ومالي.

لبنان يدفع الثمن أولاً: دولة عاجزة، حدود مخترقة، قرار سياسي مخطوف، ومجتمع يرهقه الخوف من حرب جديدة. وسوريا تدفع الثمن أيضاً: أرضها تُستعمل كممر، ومعابرها تتحول إلى اختبار سيادة، وأهلها يجدون أنفسهم مرة أخرى بين سلاح الآخرين ومصالحهم.

ليست المشكلة في شحنة تُضبط وأخرى تفلت. المشكلة في شبكة لا تعيش إلا إذا ماتت الدولة. وما لم يُغلق هذا الطريق أمام السلاح والمخدرات والمال غير المشروع، سيبقى الموت يعبر الحدود بثياب مختلفة: مرة صاروخاً، ومرة حبة كبتاغون، ومرة قرار حرب لا يسأل الناس رأيهم.

 

بقلم: الدكتورة الباحثة كنانة خلف الكردي

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!