الوضع المظلم
الخميس ٠٨ / أكتوبر / ٢٠٢٦
Logo
  • في ذكرى رحيله: حميد درويش حين تصبح العقلانية خياراً سياسياً

في ذكرى رحيله: حميد درويش حين تصبح العقلانية خياراً سياسياً
ميداس آزيزي 

لم يكن حميد درويش مجرد اسمٍ في تاريخ الحركة السياسية الكردية السورية، بل كان أحد مؤسسي أول حزب كردي سوري، وأحد الذين أسهموا في صياغة ملامح هذه الحركة منذ بداياتها. عاش تحوّلاتها الكبرى، من مرحلة التأسيس والعمل السياسي السري، إلى زمن الانفتاح النسبي، ثم إلى سنوات الثورة والحرب، وما رافقها من تحولات عميقة طالت القضية الكردية وسوريا والمنطقة
امتدت تجربته السياسية لعقود، وتميّزت بالرهان على العمل السياسي السلمي، وعلى إبقاء القضية الكردية في إطارها السوري، وبناء جسور مع القوى السياسية والمجتمعية السورية. كما اتسم خطه السياسي بدرجة من الواقعية والمرونة، جعلته حاضرًا في مساحات سياسية مختلفة، حتى عندما كانت الظروف أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للحوار.

ولعل وصف صديقه المفكر السوري جاد الكريم الجباعي له بأنه «رجل الخيارات الصعبة» يلخّص جانبًا مهمًا من هذه التجربة؛ تجربة رجلٍ أمضى سنوات طويلة في السياسة، واضطر في مراحل كثيرة إلى اتخاذ مواقف في ظروف لم تكن فيها الخيارات سهلة.

لكن تجربة حميد درويش السياسية تستحق اليوم أكثر من مجرد الاستذكار والرثاء؛ فهي تستحق قراءة هادئة ومتأنية، خصوصًا بعد أن مرّ الزمن على كثير من المواقف والخيارات التي اتخذها، وأصبح بالإمكان النظر إليها بعيدًا عن ضغوط اللحظة السياسية وانفعالاتها.

فالسياسة، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط بما تقوله اللحظة، وإنما بما يكشفه الزمن عن صواب بعض الرؤى وخطأ بعضها الآخر. وكثير من المواقف التي تبدو في لحظتها متحفظة أو غير شعبية، قد تكتسب معناها الحقيقي بعد سنوات، عندما تتغير موازين القوى وتتضح نتائج تلك الخيارات.

ومنذ بدايات تأسيس الحركة السياسية الكردية السورية، اتخذ حميد درويش مسارًا يقوم على العقلانية السياسية والحوار، بعيدًا عن الرغبوية السياسية والانفعال العاطفي. ولم تكن هذه العقلانية مجرد شعار، بل ظهرت في محطات مفصلية من تجربته، حين حاول قراءة موازين القوى وتقدير المخاطر، والبحث عن المسارات التي تحمي الكرد من الانجرار إلى صراعات لا تخدم قضيتهم.

وتبرز انتفاضة قامشلو عام 2004 بوصفها إحدى المحطات التي تستحق التوقف عندها في قراءة تجربته السياسية. فقد أظهرت تلك الأحداث حجم الاحتقان المتراكم حول القضية الكردية، لكنها كشفت في الوقت نفسه خطورة الانزلاق إلى مسارات مفتوحة على العنف والصدام المجتمعي. وفي هذا السياق، ارتبط موقف حميد درويش بمحاولة تحييد الكرد عن الصراعات الأوسع، والحفاظ على الطابع السياسي والسلمي لقضيتهم، وعدم السماح بتحويلها إلى مواجهة مفتوحة مع مكونات المجتمع السوري الأخرى.

كما أن رؤيته للثورة السورية وموقع الكرد فيها جاءت امتدادًا لهذا المنهج؛ فقد تعامل مع الثورة باعتبارها لحظة تاريخية سورية عامة، وفي الوقت نفسه باعتبارها فرصة لطرح القضية الكردية ضمن مشروع وطني ديمقراطي يضمن الاعتراف بالحقوق القومية والسياسية للكرد. ولم يكن الفصل بين البعدين الكردي والسوري في رؤيته أمرًا سهلًا، خصوصًا في ظل الاستقطاب الحاد الذي رافق سنوات الثورة والحرب.

وقبل الثورة السورية بسنوات، كان حميد درويش حاضرًا أيضًا في مساحات العمل الوطني السوري المعارض. فقد انخرط في المناخ السياسي الذي نشأ مع ربيع دمشق، وشارك في مسار إعلان دمشق، وساهم في بلورة تيار وطني سوري جمع قوى وشخصيات ذات توجهات مختلفة حول قضايا الديمقراطية والتغيير السياسي. وكانت هذه المشاركة تعكس قناعة لديه بأن انخراط الكرد في الشأن الوطني السوري لا يتناقض مع خصوصيتهم القومية، بل يمكن أن يكون مدخلًا لتثبيت حقوقهم ضمن سوريا ديمقراطية تعددية.

وفي السياسة الكردية، كان من القضايا التي ظل يؤكد عليها بصورة متكررة ضرورة وحدة الصف والموقف الكردي. وكان يدرك أن تعدد الأحزاب والتيارات لا ينبغي أن يتحول إلى تعدد في المواقف تجاه القضايا الاستراتيجية، وأن الخلاف السياسي، مهما كان مشروعًا، لا ينبغي أن يمنع الوصول إلى الحد الأدنى من التوافق حول الحقوق والمصالح القومية الأساسية.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم دعواته المتكررة إلى الإجماع الكردي، ليس باعتباره إلغاءً للتعددية السياسية، وإنما باعتباره محاولة للفصل بين التنافس الحزبي وبين القضايا التي تحتاج إلى موقف كردي جامع. وهذه مسألة ما تزال مطروحة بقوة أمام الحركة السياسية الكردية السورية حتى اليوم.

ولعل أهمية تجربة حميد درويش لا تكمن فقط في المواقف التي اتخذها، وإنما في المنهج الذي حكم كثيرًا من تلك المواقف: الواقعية، والحوار، وتقدير المخاطر، ورفض الانعزالية ومحاولة إبقاء القرار الكردي مسنقلا بعيدًا عن صراعات الآخرين، مع الحفاظ على الانفتاح على المجال الوطني السوري.

ولا ندعي أن تجربته كانت بلا أخطاء أو أن جميع خياراته كانت صحيحة بالضرورة. فالقراءة التاريخية الجادة لا تقوم على صناعة صورة مثالية للسياسي بعد رحيله، وإنما على وضع تجربته في سياقها، ومراجعة مواقفها ونتائجها، والتمييز بين ما أثبت الزمن صحته وما يحتاج إلى نقد أو إعادة نظر.
وهنا تكمن قيمة التجربة السياسية الحقيقية: في قدرتها على فتح الأسئلة أمام الأجيال اللاحقة.

ومن هذه الزاوية، تبرز أهمية تجربة حميد درويش. فقد ظلّ، في مراحل مختلفة، ينظر إلى القضية الكردية باعتبارها قضية حقوق سياسية وقومية داخل سوريا، لا قضية منفصلة عن مستقبل الدولة السورية. وكان حريصًا على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع القوى السورية المختلفة، وعلى تجنب تحويل الخلاف السياسي إلى قطيعة دائمة، انطلاقًا من قناعة بأن حقوق الكرد لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن بناء سوريا ديمقراطية تعددية ولا مركزية.

ولم تكن هذه الخيارات سهلة دائمًا. ففي السياسة الكردية السورية، كما في السياسة السورية عمومًا، كثيرًا ما طغت لغة المواقف القصوى على لغة الحسابات السياسية الهادئة، وكان من السهل اتهام الواقعية بالتراجع، والمرونة بالتنازل، والحوار بالضعف. لكن التجربة السياسية، بما فيها من نتائج وتداعيات، تفرض على الباحث أن يسأل باستمرار: ماذا كانت البدائل؟ وما المخاطر التي كانت تحملها؟ وما الذي كان يمكن تفاديه؟

وهنا تكمن إحدى القيم السياسية لتجربة حميد درويش: الفصل بين المبدأ والوسيلة. فالتمسك بالحقوق لا يعني بالضرورة التمسك بأداة واحدة لتحقيقها، كما أن الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن المبدأ. بل إن الواقعية، حين تكون مرتبطة بالثوابت، يمكن أن تكون وسيلة لحماية القضية من المغامرات السياسية ومن ردود الفعل التي قد تدفع ثمنها الأجيال اللاحقة.

وفي ذكرى رحيله، ربما لا يكون الوفاء لحميد درويش بتكرار ما قيل عنه فقط، وإنما بإعادة قراءة تجربته بعين نقدية هادئة. وما الذي يمكن للحركة السياسية الكردية السورية أن تتعلمه من مسيرته؟

ففي السياسة، لا يكفي أن تكون لدينا قضية عادلة؛ بل نحتاج أيضًا إلى إدارة سياسية رشيدة لهذه القضية، وإلى قراءة دقيقة للواقع، وقدرة على التمييز بين ما هو ممكن وما هو مرغوب، وبين المبدأ السياسي والرغبة السياسية.

رحل حميد درويش، لكن كثيرًا من الأسئلة التي رافقت مسيرته ما تزال حاضرة: كيف يمكن للكرد أن يحافظوا على خصوصيتهم وحقوقهم، من دون أن يعزلوا أنفسهم عن محيطهم السوري؟ وكيف يمكن بناء موقف كردي موحد من دون إلغاء التعددية؟ وكيف يمكن الجمع بين الواقعية السياسية والثبات على الحقوق؟

تلك الأسئلة، أكثر من المديح، هي ما يجعل تجربة حميد درويش جديرة بالقراءة. وربما يكون أفضل ما يمكن أن يتركه رجل السياسة بعد رحيله ليس إجابات جاهزة، وإنما تجربة تساعد الأجيال اللاحقة على طرح تلك الأسئلة والاجابة عنها.

ليفانت: ميداس آزيزي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!