-
اللعبة الكبرى
-
كيف تتداخل أحداث فنزويلا وإيران وسوريا وهرمز في نظرية واحدة
نايف شعبان
منتدى الاستقلال للدراسات السياسية والاستراتيجية
بالتعاون مع مركز ليفانت للدراسات والبحوث — لندن
في مكان ما في بحر عُمان, تقف ناقلة نفط محملة بثلاثة ملايين برميل وعليها أن تختار، إما تخترق مضيق هرمز المشتعل وتخاطر, وإما تستدير وتقطع أربعة عشر ألف كيلومتر حول أفريقيا وتصل متأخرة بثلاثة أسابيع وبأضعاف التكلفة, مدير المصفاة في شنغهاي يحدق في شاشته وينتظر, في بنغلاديش, أغلقت الجامعات أبوابها لأن الكهرباء باتت ترفا, وفي الرياض في اجتماع ما, يجلس مسؤول سعودي أمام خريطة ويرسم بإصبعه خطا من الخليج إلى حيفا إلى أوروبا, هذه اللحظات الأربع - الناقلة المتوقفة, والمدير الصين, والجامعة المغلقة, والإصبع على الخريطة - ليست أحداثا منفصلة, إنها لحظة واحدة تحدث في أماكن مختلفة, وفهمها يحتاج إلى خيط واحد يربطها.
الخيط اسمه: من يملك الطريق يملك العالم.
لكن قبل أن نسير في هذا الخيط, لا بد من وقفة عند سؤال أعمق: كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف أصبح مضيق هرمز مغلقا, وفنزويلا تحت إدارة أمريكية, وسوريا تتفاوض مع إسرائيل, والصين تحدق في ساعة الرمل؟ هذا لم يحدث دفعة واحدة, حدث على مراحل, كل مرحلة تم التمهيد لها في الخفاء بينما كانت الأنظار مشغولة بما يبدو أهم, وهذه المراحل هي ما نسميه "نظرية التوظيف الجيوسياسي".

نظرية التوظيف الجيوسياسي لا تقول أن ثمة غرفة سرية جلس فيها أشخاص ورسموا كل هذا على ورقة, هذه نظرية مؤامرة, وهي أسهل ما يقال وأضعف ما يثبت, ما تقوله النظرية شيء أدق وأكثر إزعاجا, أن القوى الهيمنية الكبرى تملك القدرة على تهيئة بيئات تفاعلية تنتج النتائج التي تريدها, حتى حين يعارضها الطرف الآخر ظاهريا, وحتى حين لا يعرف هو نفسه أنه يخدم هدفا لم يختره, الفارق بين المؤامرة والتوظيف هو فارق بين الغرفة السرية والبنية الهيكلية, الأولى تحتاج نية واعية, والثانية تحتاج فقط بنية تفرز نتائجها بمعزل عن النوايا.
ولفهم كيف تعمل هذه البنية, علينا أن نرجع إلى عام 1979, ليس لأنه البداية المطلقة, بل لأنه اللحظة التي ولد فيها ما أسميناه في أبحاثنا "مشروع أم القرى" الإيراني, حين قامت الثورة الإسلامية في إيران, حملت مشروعا طموحا, قيادة الأمة الإسلامية, ومقاومة الهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية, وبناء نموذج حضاري بديل.
خطاب قوي وعداء معلن لا التباس فيه, لكن ما حدث على مدى أربعة عقود كان مفارقة مذهلة, المشروع الذي رفع راية مقاومة الهيمنة أنتج بالضبط ما احتاجته تلك الهيمنة لإعادة رسم الشرق الأوسط, تفككت الدول الوطنية العربية من العراق إلى سوريا إلى لبنان إلى اليمن, عمقت الانقسامات الطائفية حتى باتت لغة يومية, استنزفت المجتمعات في حروب جانبية أفقدتها القدرة على المقاومة السياسية, وانشغل الرأي العام العربي بتهديد إيران عن القضية الفلسطينية.
هل كانت إيران تعرف أنها تفعل ذلك؟ ربما لا, هل نسقت مع واشنطن؟ لا دليل لدينا يثبت ذلك, لكن النتائج الموضوعية كانت واحدة بصرف النظر عن النوايا, وهذا ما يسميه المفكر عبد الوهاب المسيري "الوظيفة الموضوعية" الظاهرة التي تخدم طرفا بصورة منهجية حتى حين لا تقصد ذلك, إيران "وُظفت" في تفكيك المنطقة لأن بنيتها الأيديولوجية الداخلية كانت تدفعها نحو نتائج تخدم الهندسة الإقليمية الأمريكية-الإسرائيلية بينما هي تظن أنها تقاومها.
هذا هو "التوظيف الإيجابي" المرحلة الأولى في دورة حياة الأداة, لكن كل أداة تستنفد وظيفتها في نهاية المطاف, وحين تستنفذها, تبدأ المرحلة الثانية "التوظيف السلبي" حين تتحول الأداة من أصل إلى عبء.
إيران حين اكتملت مهمتها الوظيفية, حين تفككت الدول العربية وعمقت الانقسامات وأنجز التمهيد للمشروع الإبراهيمي, لم تعد محور مقاومة مفيدا بل باتت برنامجا نوويا يهدد التوازن, ثم جاءت المرحلة الثالثة التي أغفلتها أوراقنا الأولى, مرحلة التخلص, في حزيران/يونيو 2025 بدأت الحرب الأولى, وفي 28 شباط/فبراير 2026 وفي فترة كتابة هذه الكلمات, نحن في الحرب الثانية الأشد, وقد سقط خامنئي في أولى الضربات, ليتبعه لاحقا معظم قيادات الصف الأول والثاني.
ابن خلدون سمى هذه الديناميكية "الانفراد بالملك" اللحظة التي يتخلص فيها المنتصر من شركائه الذين أعانوه على الوصول, لا لأنهم خانوه, بل لأن الحاجة إليهم انقضت, إيران لم يتم ضربها لأنها فشلت, بل يتم ضربها لأنها نجحت, وهذا هو التعريف الأدق لما نسميه "مرحلة التخلص من الأداة".
لكن حين تطاح الأداة, يبقى سؤال: ماذا يأتي بعدها؟ الفراغ لا يبقى فراغا, وهنا تدخل الحلقة الثانية من اللعبة, أبعد مدى وأكثر طموحا من مجرد الإطاحة بإيران, في أيلول/سبتمبر 2023, وقبل أن يندلع أي شيء مما نراه اليوم, وقعت الولايات المتحدة والهند والسعودية والإمارات وإسرائيل والاتحاد الأوروبي على وثيقة في قمة العشرين في نيودلهي, لم تحتل الصفحات الأولى, اسمها ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا IMEC, خط تجاري بري وبحري يبدأ من الهند, يعبر الخليج, يمر عبر إسرائيل, يصل أوروبا, قطارات وموانئ وكابلات رقمية وأنابيب طاقة, ترامب وصفه بأنه "أعظم طرق التجارة في التاريخ", لكن المصممين الحقيقيين قالوا ما لم يقله ترامب: الرد الأمريكي على مبادرة الحزام والطريق الصينية, طريق مقابل طريق, نظام مقابل نظام.
المشكلة الوحيدة التي كانت تعترض IMEC مشكلتان لا واحدة: إيران وسيطرتها على هرمز, الممر البحري الذي لا يمكن لأي تجارة خليجية تجاوزه, والغياب التام للتطبيع العربي-الإسرائيلي الذي يجعل الخط البري عبر إسرائيل حلما لا خطة, ثم انظر ماذا جرى في ثلاثة وثلاثين شهرا, اتفاقيات إبراهيمية توسعت, ومفاوضات سورية-إسرائيلية في باريس, وحرب على إيران أغلقت هرمز بيدها بدلا من أن تنتظر أحدا يغلقه عليها, الممر البري أصبح ممكنا, والممر البحري البديل صار ضرورة لا خيارا.
هنا تدخل فنزويلا, وهي القطعة التي تبدو بعيدة عن المشهد حتى توضع في مكانها الصحيح, الصين كانت تستورد نحو ستمئة ألف برميل يوميا من فنزويلا, نفطا رخيصا خارج منظومة العقوبات الأمريكية, وكانت تستورد من إيران كميات مماثلة بنفس الطريقة, هذا الثالوث - فنزويلا وإيران وروسيا - كان يمثل نحو خمس الواردات النفطية الصينية, وكلها خارج الرقابة الدولارية, في كانون الثاني/يناير 2026 سقط مادورو وأعلنت واشنطن إدارتها للنفط الفنزويلي, في شباط/فبراير بدأت الحرب على إيران وأُغلق هرمز, روسيا منشغلة في أوكرانيا, الصين تحدق في ساعة رمل تكفيها 96 يوما.
ثلاثة مصادر للنفط "المسرب" خارج السيطرة الأمريكية, ثلاثتها تتعرض للضغط أو الإطاحة في وقت واحد, والصين التي بنت اقتصادها على افتراض أن هذه المصادر متاحة تجد نفسها أمام خيار لم تخطط له, إما الجلوس على الطاولة الأمريكية بشروط واشنطن, وإما المجازفة بأزمة طاقة تهدد نموذجها الاقتصادي كله, هذا ما يسميه المحللون الاستراتيجيون "الاحتواء الطاقوي", وهو أبلغ وأبقى من الاحتواء العسكري لأنه يُفعَّل في زمن السلم لا في زمن الحرب.
والآن تعود سوريا إلى المشهد, لا كضحية للعواصف المحيطة بها بل كعقدة مركزية فيها, سوريا تقع بالضبط على الممر البري الذي يحتاجه IMEC لإتمام دورته من الخليج عبر الأردن وسوريا إلى تركيا وأوروبا, دون سوريا الممر ناقص, وسوريا التي خرجت من حرب مدمرة فقدت فيها 85% من ناتجها المحلي تحتاج إلى مئة مليار دولار على الأقل لإعادة الإعمار, هذا المال لا يأتي إلا بعد رفع العقوبات الأمريكية, ورفع العقوبات مشروط - في ما يوحيه السياق - بمسار أمني مع إسرائيل, و هكذا تجد الحكومة السورية الجديدة نفسها في موقع لم تختاره, ورقة في لعبة أكبر منها.
لكن - وهذا ما يغفله التحليل المتسرع - سوريا ليست ورقة صامتة, لأن هذه اللعبة بالذات تجري في حضور لاعبين آخرين لا يريدون لأمريكا أن تربحها بالشروط التي تريدها, تركيا ترى في سوريا نفوذا استراتيجيا وحديقة خلفية لا تستطيع التنازل عنها, و الصين تبحث عن موطئ قدم في المتوسط ومنفذ بري يتجاوز هرمز, و روسيا التي لا تزال تملك قاعدتي طرطوس وحميميم لا تريد سوريا تحت الحضانة الغربية الكاملة, تعارض هؤلاء الثلاثة على سوريا هو هامش مناورة الرئيس الشرع الحقيقي, ضيق لكنه موجود, والسؤال هو كيف يديره.
هنا تتكشف الإضافة النظرية الأخيرة التي لم تكن في إطارنا الأصلي, نظرية التوظيف الجيوسياسي كما بنيناها كانت تحلل علاقة بين قوة هيمنية وأداة محلية, ما كشفته الأحداث الأخيرة هو أن اللعبة باتت ثلاثية المستويات: مستوى الأدوات الإقليمية كإيران وسوريا ولبنان والحوثيين, ومستوى المنافسة بين القوى الكبرى, أمريكا والصين بشكل رئيسي وروسيا وتركيا بشكل ثانوي, ومستوى ثالث هو الأهم وقد كان غائبا: الهيكل الطاقوي-الاقتصادي الكوني الذي تعيد أمريكا رسمه من خلال السيطرة على منابع النفط وممرات التجارة في آن واحد, والمستويات الثلاثة مترابطة, ما يجري على مستوى الأدوات يخدم المنافسة الكبرى التي تخدم بدورها إعادة رسم البنية الطاقوية الكونية.
ومالك بن نبي كان يحذر من هذا النوع بالذات من الصراعات, حين يكون الضعيف ساحة لمعركة الأقوياء, لا يحدد مصيره بمن ينتصر منهم, بل يحدده بقدرته على بناء ما يجعله طرفا لا ساحة, الفرق بين الطرف والساحة ليس في الحجم, بل في وجود مشروع وطني يحدد ماذا يريد وكيف يتفاوض لأجله, الساحة تنتظر نتيجة المعركة, والطرف يؤثر فيها.
وهنا يصبح الفساد والاستئثار اللذان يتحدث عنهما الشارع السوري أكثر من مجرد إخفاق حوكمة, يصبحان خطرا استراتيجيا مباشرا, لأن الحكومة التي تفقد شرعيتها الشعبية من الداخل تفقد معها حجة التفاوض الوحيدة التي لا يستطيع المال الخليجي ولا الضغط الأمريكي شراءها, وهي أن تقول لأي طرف خارجي "شعبي لن يقبل أكثر من هذا", حين يفقد الحاكم هذه الحجة لأن شعبه بات يرى أنه مجرد رأس آخر للنظام القديم يجلس إلى طاولة التفاوض عاريا.
الصورة إذن ليست صورة مؤامرة ذات خيوط واضحة ومدبر واحد, هي صورة بنية هيكلية معقدة تتفاعل مستوياتها الثلاثة ببطء وبصمت حتى تنضج وتنتج نتائج تبدو محكومة بالضرورة حين يحاول أحد تغييرها, نظرية التوظيف الجيوسياسي لا تدعي أن أحدا "رتب" كل هذا, تدعي أن البنية التي رُسمت تنتج نتائجها بمنطقها الداخلي, ومن لا يفهم منطق البنية لا يستطيع التأثير فيها, يكتفي بردود الفعل بينما تسير الأمور في مسارها المرسوم.
الناقلة التي تقف في بحر عُمان, والمدير الصيني الذي يحدق في شاشته, والجامعة المغلقة في بنغلاديش, والإصبع على خريطة IMEC, هذه ليست مصادفات متزامنة, هي نقاط في معادلة واحدة, كتبت بحروف من النفط والممرات والعقوبات والحروب المحسوبة, والسؤال الوحيد الذي يبقى مفتوحا, وهو سؤال لا تجيب عنه النظرية بل تجيب عنه الشعوب هو: من في هذه المعادلة يقرأها ويعرف ما الذي يريده؟ ومن لا يزال يعتقد أن ما يجري مجرد أحداث متفرقة تغطيها نشرات الأخبار كل مساء؟
ـــ المراجع ـــ
ابن خلدون، عبد الرحمن (808هـ). المقدمة — فصول أطوار الدولة والانفراد بالملك.
بن نبي, مالك. شروط النهضة. دمشق: دار الفكر 2000.
المسيري, عبد الوهاب. نموذج التحيز والوظيفية الموضوعية. القاهرة: دار الشروق 1999.
شعبان, نايف. السياسة الإبراهيمية: كيف تحوّل مشروع أم القرى إلى أداة جيوسياسية. منتدى الاستقلال, أغسطس 2025.
شعبان, نايف. نظرية التوظيف الجيوسياسي — المقدمة النظرية الجامعة. منتدى الاستقلال, فبراير 2026.
Crisis Group. «IMEC: The Infrastructure Behind the Abraham Accords». October 2023.
ACLED. «Iran Conflict Observatory: Strike Data March 2026». Updated March 18, 2026.
Kpler. «China's Oil Import Vulnerability: Sanctioned Suppliers Data». February 2026.
Carnegie Endowment. «Venezuela After Maduro: US Energy Strategy». January 2026.
Chatham House. «Hormuz Closure: Global Energy Implications». March 2026.
</div>
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

