الوضع المظلم
الأربعاء ٠١ / يوليو / ٢٠٢٦
Logo
  • قراءة استراتيجية في جدية التهديدات الإسرائيلية بإمكانية اندلاع مواجهة شاملة مع سوريا

قراءة استراتيجية في جدية التهديدات الإسرائيلية بإمكانية اندلاع مواجهة شاملة مع سوريا
عبداللطيف محمدأمين موسى

في ظل التحولات والمتغيرات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب بين البلدين وشمولها جبهة لبنان، عادت لغة التهديد من مسؤولين إسرائيليين إلى الواجهة بشأن احتمال اندلاع نزاع مستقبلي مع سوريا يتطور إلى مواجهة شاملة. تصريحات لمسؤولين في حكومة إسرائيل — من بينهم وزير الدفاع كاتس ووزير الشتات عميحاي شيكلي (لإذاعة 103 أف أم التابعة لمعاريف) — اعتبرت الجبهة السورية أخطر من الجبهة الإيرانية، وشككت في تغير الخلفية الأيديولوجية للرئيس السوري أحمد الشرع، وزعمت أن سوريا وتركيا تشكلان جبهة مقلقة أكثر من إيران.

القراءة الاستراتيجية لتلك التصريحات تشير إلى أن جدية هذه التهديدات مرتبطة بعوامل عدة: الجيوستراتيجية، ومسار تغيير النظام السوري، ودعم وتسهيل وصول شرع إلى السلطة الانتقالية في دمشق، والانفتاح الدولي والاحتضان العالمي لدمشق. تكشف كواليس هذا التحول عن توافق دولي — أمريكي وتركي — أتاح لشرع حكم سوريا ورفع العقوبات بناءً على ضغوط وطلبات من السعودية وتركيا وقطر. ومن ثمّ التزمت تلك الدول أمام إدارة ترامب بتعهدات تشمل محاربة حزب الله والأذرع الإيرانية، وضبط الفصائل المتشددة، وتحقيق العدالة الانتقالية، وتشكيل حكومة شاملةٍ تبتعد عن الطائفية.

لم تتحقق هذه المطالب بعد، في حين أن اصطفاف دمشق مع محاور إسلامية (السعودية وتركيا وقطر وباكستان) يثير لدى إسرائيل قلقاً بشأن تهديد مستقبل أمنها القومي، ما قد يدفعها للبحث عن خيارات عسكرية لقطع هذا التهديد، خصوصاً في ظل فتور العلاقة بين تل أبيب والإدارة الأمريكية الحالية وتصاعد نفوذ شخصيات مثل جي ديفانس التي تؤثر على قرارات الرئيس، ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى منح مزايا اقتصادية للطرف التركي والمحور الإسلامي على حساب المصالح الإسرائيلية التقليدية.

ترى إسرائيل في تطوّر القوة التركية عاملاً مقلقاً قد يعيق استراتيجياتها ويجعل سوريا الحلقة الضعيفة التي يمكن استغلالها لردع التحالفات المعادية. هذا دفع أنقرة للاستثمار الأمني في سوريا والاستفادة من انفتاح دمشق للعلاقة والتعاون في تشكيل جيش سوري محتمل وتوسيع نفوذها. لدى صانع القرار الإسرائيلي قناعة بأن سلطة دمشق انتقلت من هيمنة إيرانية إلى هيمنة تركية، وأن صداماً إسرائيلياً-تركياً على الأراضي السورية أو حرباً بالوكالة أمر محتمل، وتوقيته مرتبط بتطورات ردع القوة في المنطقة.

جدية اندلاع مواجهة مع سوريا تعتمد أيضاً على معطيات داخلية إسرائيلية: مسارا التحالفات السياسية، احتمال عودة اليمين المتطرف للحكم، الحسابات الانتخابية القادمة، وضغوط المجتمع الإسرائيلي على نتنياهو لعرض "نصر" يعزز موقعه السياسي. هذه الضغوط قد تدفع القيادة الإسرائيلية إلى مخاطرة عسكرية ضد سوريا (الحِلقة الأضعف) لإعادة تشكيل معادلات الصراع الإقليمي، رغم مخاطر صدام غير مباشر مع واشنطن التي قد لا تعطي القضية السورية الأولوية مقارنةً بالملف الإيراني.

خلاصة: مع الأخذ بعين الاعتبار كافة المتغيرات الجيوستراتيجية والأمنية ومعادلات الردع في المنطقة، يظهر أن احتمال جدية التهديدات الإسرائيلية باندلاع نزاع مع سوريا وارد وله تأثيرات خطيرة محتملة. لذا فإن التعامل مع هذا الاحتمال يتطلب يقظة استراتيجية، تقييم دقيق للتوازنات الإقليمية، ومتابعة التطورات الداخلية الإسرائيلية والتحالفات الخارجية المؤثرة على قرار المواجهة.


بقلم عبداللطيف محمدأمين موسى.

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!