-
الحرب الإعلامية المستمرة؛ تآكل حدود الحوكمة والحملة الانتخابية الدائمة
يُعدّ تنظيم انتخابات عام 1992 وتأسيس البرلمان والحكومة والمؤسسات الوطنية أحد أبرز الإنجازات التي حققها شعب كوردستان. فقد مثّلت تلك الانتخابات أول خطوة جريئة للقوى السياسية الكوردستانية للانتقال من مرحلة الشرعية الثورية إلى الشرعية الديمقراطية المستندة إلى إرادة الشعب وصوته. وهي الرؤية الاستراتيجية التي طرحها الرئيس مسعود بارزاني لأول مرة في تجمع جماهيري بمدينة كويسنجق في 22 آذار/مارس 1991. غير أن التطورات اللاحقة، وما رافقها من اندلاع الحرب الداخلية، حالت دون أن ينمو المسار السياسي في إقليم كوردستان على هذا الأساس السليم، ولا تزال آثار تلك المرحلة السياسية والاجتماعية والثقافية المؤلمة حاضرة حتى اليوم.
وفيما بعد، شكّل التقارب بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وتوقيع اتفاق واشنطن التاريخي عام 1998 بين الرئيس مسعود بارزاني والرئيس الراحل جلال طالباني، نقطة تحول مفصلية. فبإغلاق تلك الصفحة السوداء من الحرب الداخلية، أُتيحت لإقليم كوردستان فرصة استثنائية لتعزيز مكانته السياسية والاقتصادية والمؤسساتية. وفي المراحل اللاحقة، ترسخت الانتخابات بوصفها المعيار الأساسي لتجديد الشرعية والتداول السلمي للسلطة. وخلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية، توجّه مواطنو كوردستان إلى صناديق الاقتراع 22 مرة، شملت عشر دورات انتخابية لبرلمان الإقليم ورئاسة الإقليم ومجالس المحافظات، فضلاً عن استفتاء الاستقلال، إلى جانب المشاركة في 11 استحقاقاً انتخابياً على مستوى العراق.
وفي كل تجربة ديمقراطية، من الطبيعي أن تلجأ القوى السياسية، ضمن إطار زمني محدد، إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي باعتبارها أدوات للتنافس واستقطاب الناخبين، كما تضع المفوضيات الانتخابية ضوابط قانونية تنظم هذا التنافس. غير أن ما يثير القلق العميق في إقليم كوردستان لا يتمثل في سخونة المنافسة خلال الحملات الانتخابية فحسب، بل في ظاهرة الحرب الإعلامية المستمرة؛ وهي آفة تستعيد زخمها مع كل أزمة أو توتر، لتعيد كل شيء إلى نقطة الصفر.
إن الحرب الإعلامية المستمرة ظاهرة مرهقة ومدمرة، ومن الصعب معها الحفاظ على الهدوء والاستقرار داخل المجتمع. ففي الحملات الانتخابية، تروّج الأحزاب لبرامجها ومرشحيها ضمن سقف زمني محدد، وما إن تنتهي العملية الانتخابية حتى تعود الأوضاع إلى طبيعتها، بما يتيح للحكومة تنفيذ خططها الوطنية بعيدة المدى، وتعزيز المؤسسات، وتهيئة الأرضية للتوافق والشراكة السياسية. أما في ظل الحرب الإعلامية الدائمة، فلا يبقى أي مجال لالتقاط الأنفاس أو لبناء الثقة.
فبدلاً من أن تتطور الثقافة السياسية، تنحدر نحو التآكل والانحدار. وبدلاً من أن تكون الخبرة والكفاءة أساساً للحياة السياسية، تصبح الشعبوية والأداء الإعلامي هما اللذان يوجهان مسار الأحداث والسياسات. والمؤسف أن الحرب الإعلامية المستمرة تحولت إلى أولوية لدى معظم القوى السياسية في كوردستان. بل إن بعض الأطراف اختزلت نشاطها السياسي ورسائلها بالكامل في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وأصبحت تمارس مختلف الأساليب غير المقبولة سعياً وراء المشاهدات واستثارة مشاعر الجمهور.
ولا تقتصر أضرار الحرب الإعلامية المستمرة على شلّ العملية السياسية، بل تمتد إلى تفكيك النسيج النفسي والاجتماعي للمجتمع، من خلال إعادة فتح الجراح القديمة، وإحياء النزعات المناطقية، وتعميق الانقسامات، وترسيخ منطق “إما كل شيء أو لا شيء”، فضلاً عن تجاوز الحدود الأخلاقية والقيم المجتمعية.
وربما لا تكفي مقالة واحدة للإحاطة بحجم الأضرار التي تخلّفها هذه الظاهرة غير الصحية، بل إن الأمر يحتاج إلى عشرات الدراسات متعددة التخصصات. غير أن الأهم هو أن يدرك كل فرد في مجتمعنا أن الظروف الإقليمية والدولية، بما تنطوي عليه من فرص وتهديدات وغموض يكتنف المستقبل، تجعل إقليم كوردستان يعيش واحدة من أكثر مراحله حساسية.
وفي ظل هذه الأجواء المليئة بالقلق، فإن نزعة الهدم، والرغبة في التأزيم، واستمرار الحرب الإعلامية، لن تفضي إلا إلى مزيد من الضعف والتراجع في الإقليم. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى لغة الحكمة، وبعد النظر، والروح الوطنية، ووضع إرادة المواطنين في صدارة الأولويات. إن وضع حدّ لحالة الاستنزاف والصراع الإعلامي العبثي يشكل الطريق الصحيح لصون مصالح كوردستان وحماية حاضرها ومستقبلها.
ليفانت: زكري موسى
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

