الوضع المظلم
الأربعاء ٠٣ / يونيو / ٢٠٢٦
Logo
  • الغرب يلوح بإعادة فرض بطش السافاك على الشعب الإيراني

الغرب يلوح بإعادة فرض بطش السافاك على الشعب الإيراني
عبدالرزاق الزرزور

هل خلت إيران من السياسيين الوطنيين المخضرمين حتى يعيد الغرب فرض السافاك والحقبة الشاهنشاهية على الشعب الإيراني؟ أم يريدون إبقاء الملالي على سدة السلطة من خلال إعادة فرض الحقبة البهلوية البغيضة؟

  
يشهد الفضاء السياسي لدى المعارضة الإيرانية في الخارج تنامياً ملحوظاً ومُنفراً في استخدام الرموز والشعارات المرتبطة بالحُكم البهلوي السابق، وهو تحوّل يتجاوز حدود الحنين السياسي العابر ليطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الرؤية والنوايا السياسية الغربية الحالية ومستقبل الحياة السياسية في إيران.

 إن الظهور العلني لرموز جهاز الأمن البهلوي السابق المعروف بـ السافاك، وصور الحقبة البهلوية في بعض التجمعات بالعواصم الأوروبية لا يمكن فصله عن محاولات إعادة صياغة الهوية السياسية لأجل فرض بدائل سياسية استقبحها الشعب الإيراني وأطاح بها عام 1979، ومن منظور التحليل الاستراتيجي يمثل هذا الاستدعاء لرموز النظام البهلوي المقبور محاولة لتغيير المسار السياسي الإيراني المعارض بما يخدم مصالح الغرب والإبقاء على رمزية شرطي المنطقة سواء من خلال إبقاء الملالي في السلطة أو المجيء بـ ابن الشاه وبقايا فلول زمرة أبيه.. وذلك عبر تقديم نموذج ما يسمونه بـ"الدولة القوية" على افتراض أن الشعب الإيراني سيقبل به وأنه خياراً لمواجهة التحديات الراهنة.. الأمر الذي يضع القوى السياسية الوطنية أمام تحدٍ مرحليٍ خطير قد ينتهي ببقاء حكم الطواغيت سواء من خلال الملالي أو ابن الشاه وزمرته.

تفكيك بنية الخطاب.. بين المناورات الدولية والديناميكيات الداخلية

يسلط هذا التطور الضوء على فجوة دلالية بين الخطاب الموجه للمجتمع الدولي والخطاب المتداول في الأوساط السياسية الداخلية؛ فبينما تظهر من العدم مسميات شوفينية مثل رضا بهلوي، وتدعي الحرص على تقديم ما أسمته بـ "أطروحات سياسية" قيم الديمقراطية والتسامح في مسعً منها لتلميع أدوات الحكم البهلوي السابق.. هذا على الرغم من أن الممارسات والسلوكيات الميدانية لبعض أنصار زمرة بقايا فلول الحكم البهلوي تتسم بالتطرف والشوفينية.

إن تبرير القمع التاريخي أو إعادة تأهيل مؤسسات مثل السافاك تحت لافتة "الحفاظ على الأمن القومي" أو "القومية الإيرانية" لأمر يكشف عن مؤامرة كبرى ضد الشعب الإيراني وقواه الوطنية.. إذ أن استبدال لغة الحوار السياسي بلغة الترهيب والإقصاء سيؤدي حتماً إلى تعميق الانقسامات بين فصائل المعارضة، وسيحول جهودها وتضحياتها من أجل صياغة بديل وطني شامل إلى خلق جدلٍ عقيم وصراعاتٍ بينية حول الذاكرة التاريخية وتُبقي على نظام الولي الفقيه قائماً.

سيكولوجية الاستبداد ومخاطر تطبيع العنف

تُظهر التجارب التاريخية في النظم السياسية أن المقاربات الاستبدادية لا تبدأ بإعادة بناء المؤسسات التنفيذية.. بل بتطبيع رموزها وشعاراتها في الفضاء العام، وفي السياق الإيراني ترتبط الذاكرة الجمعية لمئات الآلاف من المواطنين الإيرانيين بجرائم وانتهاكات جسيمة شهدتها معتقلات تاريخية مثل سجن إيفين حيث كانت أساليب التحقيق والتعذيب النفسي والجسدي أداة ممنهجة لفرض الاستقرار.

 إن محاولات القفز على الإرث التاريخي أو فرض سياسة المحو الممنهج لذاكرة الضحايا تحرم الدولة من أسس المصالحة الوطنية المستدامة، وتحول الصدمات التاريخية غير المعالجة إلى ألغام سياسية قابلة للانفجار في أي منعطف مستقبلي.. وعلى العكس من ذلك فإن التطبيع لصالح قوى التطرف والعنف والاستبداد يمنح الأطراف المختلفة مبررات لتبني مقاربات إقصائية؛ مما يعزز ثقافة "الاستئصال السياسي" ويقلل من فرص تشكل جبهة عريضة تؤمن بالتعددية والتداول الوطني السلمي للسلطة.  

التجربة الأوروبية وحقيقة الحريات السياسية العابرة للحدود

يفرض النشاط المتنامي لتيار الحنين إلى الماضي بقايا العهد البهلوي في المدن الأوروبية كالعاصمة الألمانية برلين أو العاصمة الفرنسية باريس تحدياً قانونياً وأخلاقياً أمام الدول المضيفة.. ولقد استقرت الثقافة السياسية في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية على تجريم الرموز الشمولية بناءً على قناعة بأن بعض الرموز والشعارات والأيديولوجيات تحمل طبيعة هدامة للكرامة الإنسانية.. ومع ذلك فإن التعامل مع الرموز المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط يواجه ازدواجية في المعايير الإجرائية؛ إذ تُصنف هذه الأنشطة غالباً ضمن نطاق "حرية التعبير" مما يتيح مساحات أوسع لإعادة إنتاج أدبيات النظم السلطوية السابقة دون قيود قانونية صارمة.  

معضلة البديل الاستراتيجي :

مسار النكوص السلطوي: يتأسس على فلسفة "الدولة المركزية القوية"، ويسعى لتلميع إرث السافاك الأمني متبنياً استراتيجية إقصائية تجاه الشركاء السياسيين.

مسار البناء الوطني: يرتكز على الالتزام الصارم بحقوق الإنسان، ويطالب بتفعيل العدالة الانتقالية والمساءلة، ويهدف لاستيعاب التنوع القومي والسياسي الإيراني.

المآل الجيوسياسي: يؤدي التباين الجذري بين المسارين إلى تعميق الاستقطاب الداخلي مما يحول دون تشكيل جبهة موحدة قادرة على تقديم بديل موثوق ومستقر أمام المجتمع الدولي.

   مستقبل الاستقرار السياسي في إيران

على الصعيد الاستراتيجي يؤدي غياب التوافق حول المبادئ الديمقراطية ومحاولة إحياء ممارسات الحُكم الشمولي إلى تقويض مصداقية المعارضة أمام المجتمع الدولي وأمام الداخل الإيراني على حد سواء.. وإن القوى الدولية الصانعة للسياسات تنظر بعين الحذر إلى البدائل التي لا تبدي التزاماً راسخاً بالتعددية؛ حيث يُخشى أن يؤدي سقوط نموذج سلطوي إلى صعود نموذج سلطوي آخر يتبنى ذات آليات القمع تحت غطاء أيديولوجي مختلف، وبناءً على ذلك فإن مستقبل الاستقرار السياسي في إيران لا يتوقف على هندسة تغييرٍ فوقي للهياكل السياسية العليا فحسب.. بل يظل رهيناً بمدى القدرة على تفكيك ركائز الفكر الإقصائي ومواجهة صدمات الماضي عبر اعترافٍ تاريخي شجاع بالانتهاكات والاستعداد للمساءلة وتحقيق العدالة؛ إذ أن تفكيك بنية الاستبداد الثقافية هو الضمانة الوحيدة لمنع إعادة إنتاجه؛ وصياغة مشروع وطني جامع يتجاوز الحنين الاستبدادي نحو بناء دولة مؤسسات حديثة ومتوازنة.

عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!