-
تحوّلات خطاب حماس بين الشعارات والمساومات السياسية
على مدار سنوات طويلة، قدّمت حركة حماس نفسها بوصفها حركة مقاومة ذات مرجعية دينية وأيديولوجية واضحة، تستند إلى خطاب تعبوي يربط بين العقيدة، والعمل العسكري، ومشروع “التحرير”. غير أنّ تطورات السنوات الأخيرة، وما رافقها من أزمات متراكمة في قطاع غزة، كشفت عن تحوّلات عميقة في خطاب الحركة وسلوكها السياسي، ما أثار تساؤلات واسعة حول مدى التزامها بتلك الثوابت التي لطالما رفعتها.
أحد أبرز ملامح هذا التحوّل يتمثّل في تراجع الخطاب الديني والأيديولوجي لصالح خطاب سياسي براغماتي، يركّز على إدارة الواقع القائم أكثر من تغييره. فبدل الحديث عن مشروع تحرري شامل، بات الخطاب يدور حول تثبيت الحكم في جزء من غزة، والحفاظ على النفوذ القائم، حتى وإن تطلّب ذلك الدخول في مساومات سياسية غير مباشرة أو الرهان على ضغوط دولية، وعلى رأسها الضغط الأميركي، للجم إسرائيل أو ضبط إيقاع المواجهة.
في هذا السياق، يظهر تناقض واضح بين خطاب الحركة السابق، الذي كان يرفض أي دور للولايات المتحدة ويصنّفها كطرف منحاز بالكامل، وبين واقع جديد يتم فيه التعويل، ولو ضمنيًا، على تدخلات دولية لكبح إسرائيل. هذا التحوّل لا يعكس فقط تغيرًا في الأدوات، بل يكشف عن أزمة عميقة في الرؤية والخيارات.
إلى جانب ذلك، لجأت الحركة في كثير من الأحيان إلى تحميل العالمين العربي والإسلامي مسؤولية “التخلّي” عن غزة، في خطاب يغلب عليه الطابع التبريري. فبدل إجراء مراجعة داخلية جادّة لأدائها السياسي والإداري، يتم توجيه اللوم إلى الخارج، رغم أن جزءًا كبيرًا من معاناة المدنيين يعود إلى سوء الإدارة، والعجز عن تلبية أبسط الاحتياجات المعيشية للسكان، من كهرباء ومياه وفرص عمل.
هذا الفشل في تلبية احتياجات المدنيين يترافق مع انتقال واضح من خطاب “التحرير” إلى خطاب “إدارة الأزمة” والمساومة السياسية. فقد بات الهدف العملي، في نظر كثيرين، هو الحفاظ على سلطة الأمر الواقع، حتى لو كان الثمن هو تآكل الثقة الشعبية وتراجع الخطاب المقاوم إلى مجرد شعارات موسمية.
في المحصلة، تعكس هذه التحوّلات أزمة هوية سياسية تعيشها حماس، بين ما ترفعه من شعارات، وما تمارسه فعليًا على الأرض، وهو ما يضع الحركة أمام اختبار تاريخي حاسم: إما مراجعة جذرية صادقة، أو استمرار في مسار يفاقم معاناة غزة ويعمّق الفجوة بينها وبين الشارع الذي تدّعي تمثيله.
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

