الوضع المظلم
الأحد ٣٠ / نوفمبر / ٢٠٢٥
Logo
  • منتدى ميبس في دهوك عودة الجغرافيا الكوردستانية إلى مركز التاريخ

منتدى ميبس في دهوك عودة الجغرافيا الكوردستانية إلى مركز التاريخ
محمود عباس

كان مشهدُ دهوك، في اليومين 18–19 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، مع انعقاد منتدى ميبس في نسخته الخامسة، مشهدًا كوردستانيًا استثنائيًا قلَّ نظيره في التاريخ المعاصر للأمة الكوردية. مشهدٌ بدا وكأن قرونًا من التمزق والاقتلاع حاولت أن تُخفيه عن الوعي الجمعي، فجاء المنتدى ليعيد رسم الصورة التي اجتهدت القوى المحتلّة منذ اتفاقية سايكس–بيكو وما تلاها في طمسها، وتشويه ملامحها، وتشتيت إرادة أصحابها.

ولعلّ الشكر الأعمق يتوجّه إلى قيادة الإقليم الكوردستاني الفيدرالي، وإلى الرئيس مسعود بارزاني على وجه الخصوص؛ ليس فقط لجرأته في الدعوة إلى مؤتمر بهذه السعة والتنوّع، بل لنجاحه في جمع هذا الطيف السياسي التاريخي، وإعادة تجسير ما انقطع على مدى عقود، واستحضار قيادات الصف الأول من ثلاثةٍ من أجزاء كوردستان الأربعة، إلى جانب شخصيات سياسية وأكاديمية وفكرية من الإقليم، والعراق، ودول الجوار، وأوروبا، والولايات المتحدة.

لحظةٌ نادرة ارتفعت فيها الجدران السياسية، وتلاشت معها الحساسيات القديمة، واتّضح للعالم قبل الشعب الكوردستاني أن الأمة، كلما مُنحت فرصة التعبير عن ذاتها، استطاعت أن تعود شعبًا واحدًا مهما امتدت الحدود، وتكاثرت الأنظمة، وتعمّدت سياسات التجزئة إدامة القطيعة بين أبناء الجغرافيا الواحدة.

بهذه البداية الصاعدة المتألقة، بدا منتدى ميبس وكأنه لحظة استعادة للوعي القومي، ونافذة مفتوحة على مستقبلٍ تتقاطع عنده مسارات الأجزاء الأربعة، رغم كل ما يحفّ المنطقة من تعقيدات ومخاطر.

لقد دحضت دهوك، ولو جزئيًا، مقولةً مسمومة رُوّجت طوال قرن: «الكورد لا يجتمعون، ولو اجتمعوا لا يتفقون». وهي مقولة صيغت بعناية لتتحوّل إلى نبوءة قاتلة، ولتستغلها الدول المحتلة كأداة تفتيت ممنهج. لكن ما إن توفرت ظروف معقولة حتى انقلبت النبوءة إلى نقيضها؛ رأينا الكورد يتركون خلافاتهم على أعتاب المنتدى، كما فعلوا سابقًا عندما تعرضت قوات قسد والإدارة الذاتية في غربي كوردستان لأعتى الهجمات العنصرية، فصمتت الخلافات حينها وارتفع صوت الوجود في مؤتمر قامشلو.

لكن الغياب اللافت لقيادات الصف الأول من الجزء الرابع، أي من شرق كوردستان ظل سؤالًا موجعًا. لماذا يتردد قادة الحراك الكوردي من شرق كوردستان في المشاركة في فعاليات تقيمها الأجزاء الأخرى، رغم أنهم يشكلون رأس الصراع في مواجهة ولاية الفقيه؟ ولماذا يغيبون عن منتدى عالمي يشهده قادة كوردستانيون، وإلى جانبهم، وفود عراقية، وإقليمية، ودولية؟

الإجابة، مهما حاول البعض الالتفاف عليها، واضحة: إيران.

فالجمهورية الإسلامية التي تلقت ضربات موجعة من إسرائيل والولايات المتحدة، سواء بقصف منشآتها أو اغتيال أبرز قادتها أو إضعاف أدواتها الإقليمية، تبحث دائمًا عن هدف جانبي تعيد عبره ترميم هيبتها المتآكلة. ولأنها عاجزة عن مواجهة الدول المحمية أميركيًا أو المنخرطة في الاتفاقيات الإبراهيمية، فإنها تضرب الحلقة الأضعف، المعارضة الكوردية في شرق كوردستان. وقد أثبتت تجارب السنوات الأخيرة أنها لا تتورع عن قصف المدنيين، كما حصل عام 2022 حين قتلت طفلًا لا يتجاوز عامه الأول، ثم ادّعت أن منزله «مركز للموساد». ومن العبث تجاهل الحقيقة، طهران تعلم أن في عواصم عربية عدة مكاتب وسفارات إسرائيلية، لكنها لا تجرؤ على الاقتراب منها.

لهذا السبب بالذات تتحفظ الأحزاب الكوردستانية في الإقليم الفيدرالي على دعوة ممثلي شرق كوردستان. وللسبب نفسه تتحفظ أطراف شرقية على الحضور، ليس جبنًا، بل حفاظًا على أرواح المدنيين في معاقلهم الجبلية المحاصرة. فالمنتدى في دهوك كان، وفق منطق ليس فقط طهران، بل وجميع المتربصين بالشعب الكوردي «استفزازًا» لا يمكن المرور عليه دون مهاجمته ونعته ومحاولة الطعن فيه، مهما كان طابعه الأكاديمي والسياسي.

ومع ذلك، فإن توسيع مجالات المنتدى بهذه السعة، وبذلك الامتداد الجغرافي والسياسي، لا يمكن عزله عن المتغيرات الكبرى في المنطقة. فهذه الأنشطة لا تُموَّل ولا تُدار فقط بموارد محلية؛ بل تقف خلفها قوى دولية كبرى أدركت أن استمرار تجاهل القضية الكوردية لم يعد ممكنًا، وأن أمن الشرق الأوسط، وأمن أمريكا وإسرائيل بالذات، لن يستقر ما دامت كوردستان محتلة ومقسمة بين أربع دول استبدادية. لهذا يأتي الاهتمام ليس فقط لمحاربة الإرهاب أو دعم حلفاء تقليديين، بل لخلق توازن إقليمي جديد يعيد رسم العلاقة بين المكوّن السني والمكوّن الشيعي، ولأن الكورد باتوا أحد أضلاع هذه المعادلة، وليس مجرد هامش يمكن تجاوزه.

لقد اتضحت رغبة الدول الكبرى في إدراج القضية الكوردية ضمن قضايا الشرق الأوسط المركزية، من محاور مكافحة الإرهاب، إلى ترتيبات الأمن الإقليمي، مرورًا بمسار الاتفاقيات الإبراهيمية التي باتت تتحكم بالسياسات الأميركية–الخليجية. فالقضية الكوردية اليوم لم تعد عبئًا، بل أصبحت أداة استراتيجية في يد الدولة العميقة الأميركية، إلى جانب الاقتصاد والأسواق والتحالفات.

فالاستراتيجية الدولية، خصوصًا الأمريكية، لم تعد تعتمد فقط على الاقتصاد أو على القوة العسكرية الصلبة، بل على منظومات متكاملة تُمسك بتوازنات المنطقة. وفي قلب هذه المنظومة بات الشعب الكوردي أحد أعمدتها، لا بحجم دولته، التي لم تولد بعد، بل بفعله الجيوسياسي:

قوة برية فاعلة،

شريك محوري في مواجهة التطرف،

عامل توازن بين تركيا وإيران،

ورافعة سياسية لأي سلام قابل للحياة في الشرق الأوسط.

لذلك كانت جلسات منتدى دهوك في هذه الدورة، وما قُدّم فيها من أوراق ومداخلات، تشي بحقيقة أعمق، أنّ القضية الكوردستانية أصبحت تُناقش في المستوى ذاته الذي تُناقش فيه القضايا المصيرية للمنطقة؛ وأنّ سرديتها لم تعد أسيرة إعلام الأنظمة، بل أصبحت تُصاغ في مراكز بحث ودبلوماسية دولية، وأن الباحثين والسياسيين الذين حضروا لم يأتوا للتصفيق، بل لجسّ نبض ولادة معادلة جديدة.

ولأن المنتدى أظهر حجم الحراك الكوردستاني ووحدة رؤيته في أجزائه الأربعة، فإنّ السؤال الطبيعي لم يكن، لماذا غاب وفد شرق كوردستان؟ بل، إلى متى ستهاجم الأنظمة المحتلة لكوردستان وأدواتها مثل هذه الفعاليات الكوردستانية؟ وهم يدركون أن القضية أكبر من منتدى ومؤتمر، وأكبر من عواصم تحاول خنق التاريخ بجدرانها.

وأن الكورد أمة حيّة، وأن وحدتهم ليست مستحيلة، وأن اللحظة الدولية بدأت تهيئ الظروف التي حُرمت منها هذه الأمة قرنًا كاملًا.

إن العالم يتغيّر، وكوردستان تعود إلى موقعها الطبيعي، قلب الشرق الأوسط.

د. محمود عباس

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!