-
حين تشتعل هرمز... ترتجف تايوان
لا توجد حروب بعيدة، فنيران الخليج، وصل دخانها سريعاً إلى شرق آسيا، فهناك تايوان ترى في الحرب الدائرة في الخليج صورة مبكرة لما قد تواجهه يوماً مع الصين، بل إنهم هناك، في تايبيه، لا يتابعون ما يجري بقلق على أسعار النفط فقط، بل بقلق على مصيرهم هم. فهل تستطيع الولايات المتحدة أن تحميها إذا قررت بكين التحرك في الوقت الذي تكون فيه أميركا غارقة في حرب هرمز؟. إنها الحرب يا سادة تكشف المستور فالولايات المتحدة، رغم قوتها العسكرية الهائلة، ليست قادرة على التحرك في كل مكان بالكفاءة نفسها وفي الوقت نفسه، وهي تُعاني من تآكل مخازنها الاستراتيجية، واستنزاف متزايد في مخزون الصواريخ الاعتراضية، ونقل بعض بطاريات “ثاد” وأنظمة الدفاع من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، لمواجهة الهجمات الإيرانية والصواريخ والطائرات المسيّرة.
لقد تحول مضيق هرمز إلى "مختبر آني" تقيس فيه تايوان مدى ثبات الالتزام الأمريكي وسياسة "الضغط الأقصى"، خاصة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب التي تتسم بالسرعة في التنفيذ والغموض في التنسيق مع الحلفاء، فما أعلنه وزير الخزانة الأمريكي "سكوت بيسنت" حول إطلاق عملية "الغضب الاقتصادي" ضد طهران ليس مجرد قرار إداري، بل هو إعلان عن تحول "الدولار" من عملة تبادل إلى "سوط" تأديب عالمي، فهي لا تستهدف الأنظمة السياسية فحسب، بل تستهدف "الخلية الاجتماعية" الأولى، كنوع من "الأصولية الاقتصادية" التي لا ترى في البشر سوى أرقام في معادلة.
لكن "معضلة الموارد" التي يراقبها التنين الصيني بذكاء، قد يكون سلاحاً أكثر فاعلية من المدافع، منتظراً اللحظة التي تبلغ فيها الضغوط الاستراتيجية على واشنطن ذروتها ليحقق "نصراً حاسماً وسريعاً" في تايوان، مستغلاً عنصر المفاجأة وانشغال الجيش الأمريكي في معارك بعيدة، فتتحرك بأسلوب أكثر هدوءاً وخطورة مثل (حصار بحري تدريجي، ضغط اقتصادي، عمليات إلكترونية، تعطيل للملاحة، واستنزاف طويل يجعل تايوان تختنق ببطء).
وبالفعل، يُخطئ من يظن أن العصر الرقمي قد حررنا من عبودية الممرات المائية. فالحقيقة التي كشفتها دراسات الأمم المتحدة تؤكد أن 80% من سلع العالم ما زالت تمتطي صهوة الموج. وإذا كان مضيق هرمز هو "عنق الزجاجة" لتدفقات الطاقة، فإن مضيق تايوان هو "النخاع الشوكي" للتجارة الرقمية؛ حيث يعبر من خلاله نحو 50% من أسطول الحاويات العالمي سنوياً، والأهم من ذلك أن تايوان ليست مجرد جزيرة تقع في قلب هذا المضيق، بل هي القلب نفسه. فمن هناك تُنتج الرقائق الإلكترونية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. شركة TSMC وحدها تنتج أكثر من 60% من أشباه الموصلات في العالم، ونحو 90% من الرقائق المتقدمة التي تحتاجها شركات التكنولوجيا الكبرى.
إن "معضلة ملقا" التي طالما أرقت بكين، تتحول الآن إلى "معضلة تايوان" بالنسبة للعالم أجمع، فأي حصار بحري لن يكون مجرد أزمة إقليمية، بل سيكون "سكتة دماغية" للاقتصاد العالمي، بما يعني حرفياً توقف صناعات السيارات، والهواتف، والذكاء الاصطناعي، وحتى الأنظمة الدفاعية الغربية، ووفق تقديرات بلومبيرج تذهب إلى أن أي حرب أو حصار حول تايوان قد يكلف الاقتصاد العالمي نحو عشرة تريليونات دولار، أي ما يعادل قرابة 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وهي خسارة أكبر من أرقام جائحة كورونا أو الأزمة المالية العالمية في 2008، لأن العالم اليوم أكثر ترابطاً، وأكثر اعتماداً على نقطة واحدة صغيرة في بحر ضيق. والدرس المستفاد من صدمات النفط في السبعينيات هو أن "الاستقلال الطاقي" لا يحمي من "الانهيار الهيكلي" إذا سقطت حجر الدومينو الأولى في شرق آسيا.
إن سياسة "الغموض الاستراتيجي" التي انتهجتها أمريكا منذ "قرار فورموزا" عام 1955 بدأت تتصدع أمام صراحة ترامب تارة، وتحذيرات بايدن تارة أخرى. لكن ما يقلق تايوان أكثر من الأرقام، هو السلوك الأميركي نفسه. بل وهو ما يثير قلقاً عميقاً في تايبيه وطوكيو وسيئول: إذا كانت واشنطن تتخذ قراراتها الكبرى بهذه الطريقة، فكيف سيكون تصرفها إذا اندلعت أزمة مفاجئة مع الصين؟.
لقد تعودت الولايات المتحدة طوال عقود على سياسة ردع الصين من جهة، ومنع تايوان من الذهاب بعيداً في إعلان الاستقلال من جهة أخرى، لكن "الأحادية" في اتخاذ القرار الأمريكي ضد إيران، دون تشاور كافٍ مع الحلفاء في سيول وطوكيو، تثير هواجس عميقة لدى تايوان: هل سنكون مجرد "ورقة مقايضة" في صفقة كبرى بين القوى العظمى؟، في المقابل تعكس زيارة السيدة "تشنغ لي وون"، زعيمة المعارضة التايوانية، إلى بكين هذا الشهر، انقساماً داخلياً تايوانياً يبحث عن "مخرج آمن" بعيداً عن صراعات القوى الكبرى، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على الحكومة في تايبيه لضمان ولاء الحليف الأمريكي المشتت.
وقفة: إن العالم اليوم يقف على حد السيف؛ فالمسافة بين هرمز وتايوان لم تعد تُقاس بالكيلومترات، بل بسرعة انتقال "عدوى الأزمات". كما أن تأمين المضائق وحماية سلاسل التوريد ليس مسؤولية أمريكية فحسب، بل هو ضرورة وجودية للقوى المتوسطة في أوروبا وآسيا. والحكمة تقتضي توفر "إرادة سياسية" تمنع انزلاق المضائق إلى ساحات وغى. فقديماً قالوا: "من أُعجب برأيه ضل"، والعالم اليوم أضعف من أن يتحمل ضلال القوى الكبرى في زواريب العناد الجيوسياسي.
ليفانت: د. إبراهيم جلال فضلون
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

