-
قراءةٌ في "سيمفونيةِ الصمودِ" والانهياراتِ الكبرى
إنّ القوةَ التي لا يحميها اقتصادٌ مستقل، هي قوةٌ مستأجرة؛ والأمن الذي لا ينبعُ من الأرضِ، يتبخرُ عند أولِ صفيرٍ للرصاص. نحن اليوم لا نكتفي بقراءةِ التاريخ، بل نكتبه بمدادِ السيادةِ وأرقامِ الثبات، فمنذ عامنا الفائت وما قبله حملنا إرثاً دموياً، لا تري فيه أي قوة إلا مصالحها، التي لا يمكن لها أن تتجاوز قدرات الماسونية وتلابيب المحتل الإسرائيلي وتعنت الأم الأمريكية التابعة لهما، لكننا نشهدُ اليومَ سقوطَ أساطيرَ عسكريةٍ كبرى، مقابلَ صعودِ "محورِ الاستقرارِ العربي" الذي تقوده القاهرة والرياض بذكاءٍ استراتيجيّ لم تعهده المنطقةُ من قبل
فاتورةُ "الغرورِ": تدفع الولايات المتحدة وإسرائيل فاتورةُ "الغرورِ" وانكسارُ درعِ المرتزقة نتيجة التورطِ في المستنقعِ الإيراني. لقد صدقت التوقعات التي وصفت الجيش الأمريكي بأنه "أقوى جيش يعملُ بالأجرة". ففي الوقت الذي تطالب فيه واشنطن حلفاءها (كوريا الجنوبية، اليابان، ألمانيا) بدفع مليارات الدولارات التي وصلت مطالب ترامب لسيول إلى 5 مليارات دولار سنوياً، نجد أن التكلفة الميدانية لحرب عام 2026 قد تجاوزت كل الخطوط الحمراء.
بلغت المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل منذ أكتوبر 2023 وحتى الربع الأول من 2026 ما يقرب من 21.7 مليار دولار.
تُقدر كلفة الاستنزاف للعمليات الأمريكية في البحر الأحمر وبحر العرب لمواجهة التهديدات بـ 12.07 مليار دولار.
بينما تنتشر 50 قاعدة ووحدة عسكرية أمريكية في أوروبا وعشرات غيرها في منطقتنا، أثبتت الوقائع أنها لحماية "الابنة العاقة" إسرائيل، بينما يظل الأمن العربي رهيناً بقوة الجيوش الوطنية "التي هي من لحمنا ودما"، وليست "بيادق" في رقعة شطرنج دولية.
السعودية.. الاستقرارِ في "عينِ الإعصار": فبينما يشتعلُ مضيق هرمز وتضطربُ إمدادات الطاقة العالمية، قدمت المملكة نموذجاً "إعجازياً" في الإدارة الاقتصادية، ففي حين قفز خام برنت فوق مستوى 120 دولاراً، وحذرت تقارير "بنك أوف أمريكا" من فقدان 70 %من إمدادات اليوريا عالمياً، كانت الرياض تشيدُ حصنها المنيع، فاستقرت معدلات التضخم في المملكة عند 1.7 % : 2.2%، وهي النسبة الأفضل عالمياً في ظل الحرب. بل ونجحت السعودية في ضخ 7 ملايين برميل يومياً عبر خط بترولاين (الشريان البديل) شرق-غرب، متجاوزةً فخ إغلاق مضيق هرمز، وسجل عرض النقود (M3) مستوى قياسياً بلغ 3.218 تريليون ريال، مما وفر سيولة ضخمة لدعم الائتمان والنشاط الخاص، وصولاً للأمن الغذائي الشامل مع تضاعف الناتج الزراعي إلى 118 مليار ريال، وتحقيق اكتفاءً ذاتياً بنسبة %129 في الألبان و100 %في البيض، بفضل استثمارات صندوق الاستثمارات العامة وشركة "سالك" التي استوردت 20 مليون طن من السلع الاستراتيجية في 2024 وحده.
حين تصطدم "الأوهام" بالواقع: تفشل كل الهمم بما فيها مفاوضات باكستان الأخيرة، هذا الفشل الدبلوماسي أدى فوراً إلى تصعيد بحري، حيث تنتشر الآن أكثر من 85 قطعة بحرية كبرى في بحر العرب، مما رفع كلفة تأمين الناقلات إلى 2.5 %من قيمتها، بإضافة كلفة تصل إلى 150 ألف دولار لكل رحلة تمر عبر باب المندب.
وما بين "باكستان" التاريخية و"مصر" المحورية، تبرز نقطةٌ جوهريةٌ في التحليل الاستراتيجي: لماذا فشلت باكستان كمنصة للتفاوض، بينما تظل مصر هي "البوصلة"؟.. فباكستان التفاوض تحت الضغط إذ اتسمت قدرة باكستان تاريخياً على التفاوض بالارتباط بالديون الخارجية (صندوق النقد الدولي) والاعتماد على المساعدات العسكرية الأمريكية. هذا الارتباط جعل دورها كـ "وسيط" ضعيفاً أمام الضغوط، وغالباً ما كانت مفاوضاتها تهدف لـ "البقاء الاقتصادي" أكثر من "الحسم السياسي". أما مصر فالتفاوض من موقع السيادة على العكس تماماً، تمتلك مصر قدرة فريدة على "الدبلوماسية الخشنة". فمصر تتفاوض وهي تمتلك مفاتيح قناة السويس، وبجيش وطني عقائدي لا يخضع لـ "الأجرة" أو "المنح العارضة". وبالتالي فالقدرة المصرية على الربط بين الملف النووي، وأمن البحر الأحمر، واستقرار ليبيا والسودان، تجعل من "القاهرة" المحطة الإلزامية لأي اتفاق مستدام.
المفارقة هنا بينما يعاني الجانب الباكستاني من تقلبات سياسية تؤثر على قراره السيادي، نجد أن مصر والسعودية يشكلان ثنائياً يمتلك أكبر احتياطي مالي وقوة عسكرية مجتمعة في المنطقة، مما يجعل كلمتهما هي "الرقم الصعب" الذي لا يمكن تجاوزه في معادلات الربح والخسارة.
الثنائي (السعودي-المصري).. حيثُ أثبت التاريخ وأزماته أن أي محاولة للحل بعيداً عن هذا الثنائي هي محاولةٌ "عقيمة"، فالسعودية بقوتها المالية واستراتيجياتها في الأمن الغذائي (شركة "سالك" وتطوير منتجات الحلال باستثمارات 560 مليون ريال)، ومصر بثقلها الديموغرافي والعسكري وخبرتها الدبلوماسية، هما من يحدد شكل المنطقة القادم، وقد كررناها وتحقق توقعاتنا بالكامل؛ فالقطاع غير النفطي السعودي ينمو رغم انكماش مؤشر (PMI) العرضي في مارس نتيجة الصدمات، والاقتصاد المصري يُثبت قدرة عالية على المناورة في ملف الغاز والطاقة الإقليمي.
وقفة: لقد سقطت أقنعة "المرتزقة" وبقيت "الأرض لأصحابها". بميلاد فجر جديدٍ للسيادة العربية. و"لا يُقاسُ نجاحُ الدولِ بمدى قدرتها على خوضِ الحروب، بل بمدى نجاحها في حمايةِ إنسانها من ويلاتِ الغلاءِ والضياعِ وسطَ دخانِ القذائف. واليوم، تقفُ السعودية ومصر شاهداً حياً على أن الحكمةَ العربيةَ هي المنتصرُ الأكبر."
ليفانت: الدكتور إبراهيم جلال فضلون
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

