الوضع المظلم
الأربعاء ٠٣ / يونيو / ٢٠٢٦
Logo
  • حين تصبح القرارات القضائية مؤشراً على شكل الدولة

  • كيف كشف قرار السويداء التحول الصامت في بنية السلطة السورية؟
حين تصبح القرارات القضائية مؤشراً على شكل الدولة
د.علي مطيع عيسى

د. علي مطيع عيسى

 

لم يكن القرار الصادر عن وزارة العدل السورية بشأن تعليق جزء واسع من الإجراءات القضائية والتنفيذية في محافظة السويداء حدثاً قانونياً عادياً، رغم أن السلطة حاولت تقديمه ضمن إطار “الظروف الاستثنائية” و”حماية حقوق المواطنين”.

فالطريقة التي استُقبل بها القرار، والانقسام الحاد حول تفسيره، يكشفان حقيقة أعمق بكثير من نص قانوني أو إجراء إداري مؤقت:

سوريا لم تعد تُدار بوصفها دولة مركزية تقليدية، بل باتت تتحرك تدريجياً نحو نموذج مركّب من الإدارات المحلية والاستثناءات الأمنية والتفاهمات الواقعية.

وبينما ذهبت صفحات التواصل الاجتماعي إلى الحديث عن “استقلال السويداء”، واعتبرته بعض المنصات المعارضة بداية تفكك المركز، تعاملت معه أبواق السلطة باعتباره خطوة “تنظيمية” هدفها حماية الملكيات ومنع الفوضى القانونية.

لكن القراءة الجيوسياسية الهادئة للقرار تكشف أن الحقيقة تقع في منطقة أكثر تعقيداً بين السرديتين.

 

القرار ليس انفصالاً… لكنه ليس عادياً أيضاً

من الناحية القانونية البحتة، لم ينشئ القرار سلطة قضائية مستقلة في السويداء، ولم يعلن نظاماً تشريعياً منفصلاً عن الدولة السورية، كما لم يُلغِ مرجعية القضاء المركزي.

إلا أن خطورته السياسية تكمن في أمر آخر: القرار يعترف ضمناً بأن الدولة المركزية لم تعد قادرة على إدارة المحافظة بالأدوات التقليدية ذاتها التي كانت سائدة قبل عام 2011.

فعندما تُجمَّد:

دعاوى البيوع العقارية،

وإجراءات التنفيذ،

والوكالات المرتبطة بنقل الملكية،

وبعض الدعاوى المرتبطة بمقيمين خارج المحافظة،

 

فإننا لا نكون أمام “إجراء تقني” فقط، بل أمام اعتراف سياسي غير معلن بوجود بيئة خارجة جزئياً عن الدورة الإدارية الطبيعية للدولة.

وهنا بالضبط تكمن الدلالة الأعمق للقرار.

 

من الدولة المركزية إلى “إدارة الاستثناء”

منذ سنوات، لم تعد السلطة السورية تحكم البلاد وفق نموذج السيطرة الصلبة الموحدة، بل وفق ما يمكن تسميته: “إدارة الجغرافيا السورية بمنطق الاستثناءات”.

فلكل منطقة اليوم خصوصيتها الأمنية والسياسية:

شمال شرق سوريا له معادلته الخاصة.

إدلب لها ترتيباتها المختلفة.

الجنوب يخضع لتوازنات إقليمية معقدة.

والسويداء تحولت تدريجياً إلى مساحة تفاوض بين المجتمع المحلي والدولة أكثر من كونها مساحة إدارة مباشرة.

لذلك، فإن القرار القضائي الأخير لا يمكن عزله عن هذا السياق.

إنه ليس مجرد نص قانوني، بل انعكاس لتحول بنيوي في شكل الدولة السورية نفسها: دولة ما تزال تحتفظ بالرموز السيادية المركزية، لكنها عملياً باتت تدير البلاد عبر تفاهمات موضعية وتوازنات محلية متغيرة.

 

لماذا رحّب بعض أبناء السويداء بالقرار؟

لأن جزءاً من الشارع في السويداء قرأ القرار باعتباره: اعترافاً ضمنياً بخصوصية المحافظة واستقلالية واقعها الإداري والأمني.

ففي العقل الجمعي المحلي، لم يعد معيار “الاستقلال” مرتبطاً فقط بإعلان سياسي رسمي، بل بقدرة المنطقة على فرض إيقاعها الخاص على مؤسسات الدولة.

ومن هذه الزاوية، بدا القرار وكأنه إقرار من دمشق بأن تطبيق المنظومة القضائية المركزية بالشكل التقليدي لم يعد ممكناً بالكامل داخل المحافظة.

أما السلطة، فكانت تحاول تمرير رسالة مختلفة تماماً: نحن لا نتراجع عن السيادة، بل نمنع الفوضى القانونية وحماية الملكيات في ظرف استثنائي.

وبين الرسالتين تظهر الأزمة الحقيقية: كل طرف يقرأ القرار من زاوية ميزان القوى لا من زاوية القانون فقط.

 

أخطر ما في القرار: السابقة السياسية

تكمن حساسية القرار في كونه يفتح الباب أمام سؤال شديد الخطورة: إذا كانت الظروف الأمنية تبرر تجميد جزء من المنظومة القضائية في السويداء، فما الذي يمنع تكرار النموذج في مناطق أخرى مستقبلاً؟

هنا يتحول القرار من إجراء موضعي إلى مؤشر على مستقبل الدولة السورية نفسها.

لأن الدول لا تتفكك دائماً عبر إعلانات الانفصال المباشرة، بل أحياناً عبر تراكم الاستثناءات المحلية التي تتحول تدريجياً إلى وقائع سياسية مستقرة.

وفي الحالة السورية، يبدو أن البلاد تتجه أكثر فأكثر نحو نموذج: “المركز المرن”، حيث تبقى الدولة قائمة اسمياً، بينما تتفاوت درجات السيطرة والإدارة بين منطقة وأخرى.

 

سوريا الجديدة تتشكل بصمت

ربما لا يكون قرار السويداء إعلان استقلال، كما بالغ البعض في تصويره، لكنه بالتأكيد ليس تفصيلاً إدارياً بسيطاً.

إنه وثيقة سياسية غير مباشرة تكشف كيف تغيرت سوريا خلال سنوات الحرب: من دولة مركزية شديدة التماسك، إلى دولة تُدار عبر خرائط نفوذ، وتفاهمات محلية، واستثناءات قانونية متزايدة.

ولهذا، فإن أهمية القرار لا تكمن فقط فيما أوقفه من دعاوى وإجراءات، بل فيما كشفه من تحولات عميقة داخل بنية السلطة السورية نفسها.

فسوريا اليوم لا تعيش لحظة انهيار كامل للدولة… لكنها أيضاً لم تعد الدولة التي عرفها السوريون قبل الحرب.

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!