الوضع المظلم
الخميس ٠٥ / نوفمبر / ٢٠٢٦
Logo
  • حين يعيد الطرف تشكيل المركز ويعيد الهامش ترتيب الجوهر

حين يعيد الطرف تشكيل المركز ويعيد الهامش ترتيب الجوهر
حين يعيد الطرف تشكيل المركز ويعيد الهامش ترتيب الجوهر

في الأنظمة المعقدة، لا يعني وجود مركز قوي أن التأثير يسير منه إلى الأطراف في اتجاه واحد إلى الأب ، فالمركز يرسل إشاراته إلى محيطه، فتستقبلها الأطراف وتتغير بفعلها، لكنها لا تبقى بالضرورة مجرد مستقبل سلبي ، إذ تعيد معالجة ما وصل إليها وفق بيئتها وظروفها الخاصة، ثم تبدأ بإرسال تأثيرات راجعة إلى النقطة التي انطلقت منها الإشارة الأولى.

وفي بعض الحالات تكون النتيجة أكثر مفارقة: ينجح المركز في تغيير أطرافه، لكنه وهو يفعل ذلك، يصنع الظروف التي تسمح لهذه الأطراف بأن تتغير بطريقة لم يتوقعها، ثم تعود لتؤثر فيه ، عندها لا تعود العلاقة خطاً يبدأ من المركز وينتهي عند الهامش، بل تصبح دائرة ،وكل دورة جديدة لا تعيد الأشياء إلى موضعها الأول، وإنما تغير المركز والطرف معًا.

 

هذه الآلية لا تخص الأنظمة الطبيعية وحده

ففي السياسة أيضاً قد تستخدم دولة أو حركة أو أيديولوجيا نفوذها لإعادة تشكيل محيطها، ثم تكتشف بعد عقود أن ذلك المحيط لم يحتفظ بما أُرسل إليه كما هو

بل أعاد تفسيره وإنتاجه، وأرسله مجدداً نحو مصدره بصورة مختلفة

ولعل العلاقة الطويلة والمعقدة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني وكرد سوريا تقدم حالة مثيرة لقراءة هذه المعادلة ، إذ يصعب فهم ما يجري اليوم إذا نظرنا فقط إلى ما فعله المركز بالأطراف، من دون أن نسأل عمّا فعلته الأطراف في المقابل بالمركز نفسه.

 

حين يعيد الطرف تشكيل المركز… ويعيد الهامش ترتيب الجوهر

 

على مدار عقود، بدا اتجاه التأثير في المسألة الكردية واضحًا إلى حد بعيد: تركيا هي المركز السياسي والعسكري الأكبر، وما يجري داخلها يترك آثاره في المجتمعات الكردية المحيطة بها، ومنها المجتمع الكردي في سوريا ، لكن النظر إلى هذه العلاقة من نهايتها الحالية يكشف عن مفارقة: الطرف الذي كان يتلقى التأثير أصبح مع مرور الزمن قادراً على إنتاج تأثيره الخاص وإعادته إلى المركز ولفهم كيف حدث ذلك، ينبغي العودة إلى البداية..

 

-شكّلت المسألة الكردية إحدى أكثر القضايا الداخلية تعقيداً في تاريخ الجمهورية التركية ،وفي أواخر السبعينيات ظهر حزب العمال الكردستاني، ثم بدأ تمرده المسلح ضد الدولة التركية عام 1984، وكانت سوريا واحدة من أهم ساحات تمدده خارج تركيا، فقد أقام عبد الله أوجلان في سوريا بين عامي 1980 و1998، واستفاد الحزب من الأراضي السورية في نشاطه ضد تركيا، إلى أن أدت الأزمة بين دمشق وأنقرة عام 1998 إلى خروج أوجلان وتوقيع اتفاق أضنة

لكن وجود PKK في سوريا لم يبق مجرد علاقة بين النظام السوري وتنظيم يستخدم أراضيه للضغط على تركيا، فالتنظيم دخل إلى المجتمع الكردي السوري نفسه.

 

وجد خطاب الحزب في الثمانينيات، حين كان يدعو إلى كردستان موحدة ومستقلة، استجابة لدى قطاعات من كرد سوريا، وبنى شبكات تنظيمية واجتماعية واسعة ،وتذهب دراسات عن تلك المرحلة إلى أن حرية الحركة التي مُنحت للحزب أسهمت، بصورة ربما لم يقصدها النظام السوري نفسه، في إحياء الهوية الكردية وتقوية النزعة القومية لدى كرد سوريا، حتى ظهرت لاحقاً أحزاب تستخدم تعبير «كردستان السورية» بدل الاكتفاء بتعبير «المناطق الكردية في سوريا».

وهنا تظهر المفارقة الأولى: فالأداة التي دخلت المجتمع لتؤثر فيه لم تخرج منه كما دخلت.

 

مرّ PKK نفسه بتحولات فكرية كبيرة. فالحزب الذي بدأ بمشروع قومي راديكالي هدفه إقامة كردستان مستقلة، ابتعد تدريجياً عن نموذج الدولة القومية، وتبنى أوجلان لاحقاً تصورات تقوم على «الأمة الديمقراطية» و«الكونفدرالية الديمقراطية». وانتقلت هذه المنظومة الفكرية إلى التنظيمات المرتبطة به، ومنها حزب الاتحاد الديمقراطي السوري PYD، الذي تأسس عام 2003 وأصبح لاحقاً جزءاً من الفضاء السياسي الملتزم بأيديولوجيا أوجلان

لكن هنا ينبغي التمييز بين عقيدة التنظيم وعقيدة الإنسان الموجود داخله …!

يمكن للحزب أن يغير برنامجه، ويمكن للزعيم أن يعيد تعريف أهدافه، ويمكن للمصطلحات أن تنتقل من الاستقلال والدولة إلى الأمة الديمقراطية والكونفدرالية، لكن ذلك لا يعني أن عشرات الآلاف من الأفراد سيعيدون في اللحظة نفسها بناء تصورهم للقضية التي دفعتهم إلى الانضمام.

 

فالإنسان الذي يدخل تنظيماً لا يدخل إليه فارغاً من ذاكرته، بل يحمل معه بيئته وهويته وتصوراته عن الأرض والتاريخ والقضية التي يعتقد أنه يقاتل من أجلها. ولهذا يمكن للإنسان أن ينتمي إلى تنظيم يتبنى «الكونفدرالية الديمقراطية»، بينما يحتفظ في مخيلته بصورة قومية لكردستان، ويمكنه أن يستخدم خطاب «أخوة الشعوب» من دون أن يعني ذلك بالضرورة اختفاء الشعور القومي الذي جاء به إلى التنظيم ،فالناس لا يتحولون إلى نسخ مطابقة من البيانات السياسية للأحزاب التي ينتمون إليها

 

ومن هنا يبدأ سؤال المقال الحقيقي: هل استطاع التنظيم أن يعيد تشكيل المجتمع بالكامل وفق عقيدته، أم أن المجتمع دخل بدوره إلى التنظيم وأعاد تفسير عقيدته وفق تصوراته الخاصة؟

 

التأثير العكسي، بهذا المعنى، لم يبدأ عام 2011، ولم يبدأ في كوباني، بل بدأ قبل ذلك بعقود ، فمع تمدد PKK في المناطق الكردية السورية، لم يعد كرد سوريا مجرد جمهور يتلقى أفكار الحزب، بل انضم عدد منهم إلى صفوفه وقاتلوا ضمن تشكيلاته، وتشير دراسات عن تلك المرحلة إلى حضور ملحوظ للسوريين الأكراد بين مقاتلي الحزب، كما أصبحت بعض المناطق السورية، ومنها كوباني، ساحات مهمة للتجنيد والنشاط التنظيمي ، وهذه النقطة تغير زاوية النظر إلى العلاقة

فالسؤال التقليدي هو : ماذا فعل PKK بكرد سوريا؟ لكن سؤال «تأثير الأطراف» هو: ماذا فعل كرد سوريا بـPKK؟

 

لا يمكن القفز من هذا السؤال إلى الادعاء بأن كرد سوريا هم الذين غيّروا أيديولوجية الحزب ،فلا توجد أدلة كافية تسمح بهذه النتيجة

لكن يمكن القول إن العلاقة الاجتماعية لم تعد طريقاً باتجاه واحد، فحين يدخل أفراد من مجتمع ما بأعداد كبيرة إلى حركة عابرة للحدود، يدخل معهم تاريخهم وذاكرتهم وتصورهم للقضية. وبذلك لم يعد المركز يرسل العقيدة إلى الطرف فقط، بل أصبح الطرف نفسه موجوداً داخل المركز

وهذه ربما كانت الإشارة الراجعة الأولى.

 

ومع مرور السنوات، لم يعد PKK ظاهرة اجتماعية كردية تركية محضة، حتى لو بقيت تركيا الساحة الأساسية لصراعه ، امتدت شبكاته إلى مجتمعات كردية في سوريا والعراق وإيران، وأصبح التنظيم جزءاً من فضاء كردي عابر للحدود ، وعندما يصبح التنظيم عابراً للحدود، يصبح من الصعب افتراض أن عملية إنتاج هويته تتحرك من نقطة واحدة إلى بقية الأطراف فقط. هناك مركز تنظيمي بالتأكيد، لكن تحته مجتمعات مختلفة تعيد تفسير خطاب ذلك المركز باستمرار ،وهنا يصبح مفهوم «المركز» نفسه أكثر تعقيداً : فهل المركز هو تركيا لأنها الدولة الأقوى؟ أم قيادة التنظيم؟ أم أوجلان بوصفه المركز الفكري؟ أم المجتمع الكردي في تركيا باعتباره القاعدة التاريخية للصراع؟ كلما تمددت الشبكة أصبحت الحدود بين هذه المراكز وأطرافها أقل وضوحاً.

 

ثم جاءت الحرب السورية، وهنا انتقل تأثير الطرف إلى مرحلة مختلفة تماماً.

قبل 2011 كان جزء كبير من التأثير المتبادل يجري داخل التنظيمات والأفراد والشبكات العابرة للحدود ،بعد 2011 حصل كرد سوريا على عنصر جديد: الأرض

لم يعودوا مجرد أفراد داخل تنظيم مركز ثقله خارج سوريا، بل نشأت في المناطق الكردية السورية بنى حكم وقوة عسكرية ومؤسسات محلية تقودها بصورة أساسية قوى مرتبطة فكرياً بأوجلان ، وهنا انتقل تأثير الطرف من المستوى البشري والتنظيمي إلى شيء أقوى: النموذج القابل للمشاهدة. ظهرت الإدارة والمؤسسات والقوات المحلية، وأصبح هناك واقع سياسي كردي على امتداد أجزاء من الحدود الجنوبية لتركيا. ولم يكن هذا التطور هامشياً بالنسبة إلى أنقرة ، فقد أصبح صعود القوى الكردية السورية عاملاً مباشراً في حسابات تركيا الداخلية والإقليمية.

لكن نقطة التحول الأكبر كانت لا تزال في الطريق …كوباني (عين العرب)

 

جاء حصار كوباني عام 2014 ليحوّل تجربة كرد سوريا من شأن محلي إلى حدث إقليمي ودولي. لم تكن أهمية كوباني عسكرية فقط، فالمعركة ضد تنظيم الدولة، والدعم الدولي الذي حصلت عليه القوات الكردية، والصور التي خرجت منها، جعلت المدينة رمزاً يتجاوز حدودها الجغرافية.

والأهم بالنسبة إلى فرضية هذا المقال هو ما حدث شمال الحدود، حيثُ لم يتعامل قطاع واسع من كرد تركيا مع حصار كوباني باعتباره معركة سورية تجري في دولة أخرى، بل تحولت المدينة إلى قضية داخل تركيا نفسها. خرجت احتجاجات واسعة في أكتوبر/تشرين الأول 2014 وسط غضب كردي من سياسة الحكومة التركية تجاه المعركة، وتحولت الأزمة إلى أحد المنعطفات المهمة في التوتر المتزايد الذي أحاط بعملية السلام بين الدولة التركية وPKK. وهنا حدث شيء يتجاوز التضامن السياسي العابر: مدينة كردية خارج تركيا أصبحت قادرة على تحريك الشارع داخل تركيا والتأثير في العلاقة بين الدولة ومواطنيها الكرد وفي حسابات الحركة الكردية نفسها. هنا لم يعد الطرف يتلقى سياسة المركز، بل أصبح الطرف ينتج حدثاً يفرض نفسه على المركز.

 

وهنا ينبغي التمييز بين مرحلتين

في المرحلة الأولى كان التأثير في اتجاهه الأكثر وضوحاً تنظيمياً وفكرياً: أوجلان وPKK وشبكاتهما انتقلت من المجال التركي إلى المجتمع الكردي السوري.

وفي المرحلة الثانية حدث شيء مختلف ، أصبحت سوريا مكاناً ينتج تجربة كردية خاصة به، وهذه التجربة أصبحت قابلة للعبور في الاتجاه المعاكس ،المقاتل والمقاتلة في كوباني، والسيطرة على الأرض، والإدارة والمؤسسات، والاعتراف الدولي بالقوات الكردية بوصفها شريكاً في الحرب على تنظيم الدولة، والحضور الإعلامي العالمي ،كلها أنتجت واقعاً رمزياً لم يعد من الممكن حصر تأثيره داخل الحدود السورية.

 

وهذا مهم لأن التأثير السياسي لا ينتقل فقط عبر الأحزاب، بل ينتقل أيضاً عبر النموذج حين يرى مجتمع جماعة تشترك معه في اللغة والهوية والذاكرة التاريخية تنتقل خلال سنوات قليلة من هامش الحياة السياسية إلى امتلاك قوة عسكرية وإدارة وأرض وعلاقات دولية، فإن هذه التجربة تدخل مخيلته السياسية، سواء تبنى نموذجها الأيديولوجي بالكامل أم رفض أجزاء منه. وهنا يصبح تأثير الطرف أعمق من التنظيم، إنه تأثير في الممكن السياسي نفسه.

 

وهنا تظهر واحدة من أغرب مفارقات هذه الرحلة ،بدأ PKK في مرحلته الأولى حاملًا مشروعًا قوميًا يطمح إلى كردستان مستقلة، ثم أعاد أوجلان صياغة مشروعه الفكري وابتعد عن نموذج الدولة القومية وصولاً إلى الكونفدرالية الديمقراطية. انتقلت هذه الأفكار إلى سوريا، لكنها دخلت مجتمعاً يمتلك أصلاً ذاكرته القومية وتصوراته الخاصة، ثم أعاد ذلك المجتمع إنتاجها في ظروف سورية مختلفة تماماً عن الظروف التركية. وهنا يصبح من الممكن أن يحدث شيء لم يكن في الحساب النظري: الفكرة التي خرجت من المركز بعد أن أعاد المركز صياغتها، يمكن أن تعود إليه من الطرف بعد أن يكون الطرف قد أعاد تفسيرها مرة أخرى.

 

المركز الفكري يقول: لا ضرورة للدولة القومية، لكن الفرد الذي يستقبل الخطاب يستطيع أن يرى في السيطرة على الأرض أو الإدارة الذاتية أو القوة العسكرية خطوة ضمن سردية قومية أوسع، حتى إن لم يقل البرنامج الرسمي ذلك. وهنا تكمن صعوبة السيطرة على العقيدة، يمكن السيطرة على بنية تنظيمية، لكن من الأصعب السيطرة على المعنى الذي يعطيه كل إنسان لانتمائه إلى تلك البنية.

 

وعند هذه النقطة تنقلب المسلمة القديمة، كان من السهل النظر إلى كرد سوريا بوصفهم الطرف، وإلى الحركة الكردية في تركيا بوصفها المركز الذي يصدر التنظيم والأيديولوجيا والكوادر، لكن بعد التجربة السورية يصبح السؤال: من يؤثر في مَن؟ هل ما يزال كرد سوريا مجرد امتداد سياسي وفكري لمركز موجود في الحركة الكردية التركية أو قيادة PKK؟ أم أن التجربة التي تشكلت في سوريا أصبحت بدورها قادرة على التأثير في ذلك المركز وفي الجمهور الذي يستند إليه؟

 

الأقرب إلى ما تكشفه الوقائع هو أن العلاقة أصبحت دائرية ومتعددة الاتجاهات. PKK أثر في كرد سوريا، وكرد سوريا دخلوا بدورهم إلى بنيته، والحرب السورية منحت الفرع السوري من هذه البيئة السياسية فرصة بناء تجربة على الأرض، والتجربة السورية عادت لتؤثر في الشارع الكردي التركي وفي حسابات أنقرة وفي مسار الصراع نفسه. وبعد انهيار عملية السلام في 2015، لاحظت دراسات وتقارير دولية أن المكاسب الكردية في شمال سوريا منحت PKK دفعاً معنوياً، وهو مثال على انتقال نتائج الساحة السورية إلى ديناميات الصراع التركي الداخلي. وهكذا يمكن، على سبيل التبسيط، رسم المسار: تركيا ← PKK ← كرد سوريا ← التجربة السورية ← كرد تركيا ، لكن الرسم نفسه غير كافٍ، لأن الأسهم تعمل في الاتجاهين وهذا هو جوهر تأثير الأطراف.

 

ومن هنا يمكن الانتقال إلى السؤال الأكثر حساسية

تستخدم الدول في صراعات الهوية وسائل مختلفة: القوة، والاحتواء، وإعادة تعريف المطالب، ودعم قوى في مواجهة أخرى، ومحاولة توجيه الصراع نحو مسارات أقل تهديداً لمفهوم الدولة ووحدة أراضيها

ومن المشروع، ضمن التحليل السياسي، أن نسأل ما إذا كانت بعض السياسات التركية تجاه الحركات الكردية قد ساهمت، بقصد أو من دون قصد، في تفتيت التمثيل الكردي أو إعادة تشكيل بعض مطالبه. لكن يجب هنا وضع حد واضح بين الفرضية والدليل. يمكن توثيق صراع الدولة التركية الطويل مع PKK، ومحاولاتها التأثير في التوازنات الكردية السورية، وتحولات أيديولوجيا أوجلان، وصعود قوى كردية سورية مرتبطة بهذه المنظومة الفكرية. أما الادعاء بأن الدولة التركية صنعت PKK أصلاً بهدف تمييع القضية الكردية، فلا تكفي الأدلة المتاحة لتقديمه باعتباره حقيقة تاريخية.

 

لكن عدم ثبوت هذه الفرضية لا يلغي السؤال الأهم الذي تقودنا إليه: ماذا لو أدت عمليات الاحتواء وإعادة التشكيل، أياً كانت الجهات التي مارستها، إلى نتيجة معاكسة؟ فإذا كان أحد المخاوف الأساسية لدى الدولة التركية هو ظهور فضاء كردي على حدودها يمكن أن يؤثر في الداخل، فإن التجربة السورية أظهرت أن المسألة لا تتعلق بانتقال السلاح وحده ،فالذي يعبر الحدود أيضاً هو الرمز، والصورة، والذاكرة، والانتصار، والهزيمة، والشعور بالمصير المشترك.

 

يمكن للدولة أن تغلق معبراً أمام المقاتلين، لكن من الأصعب أن تغلقه أمام صورة كوباني، ويمكنها منع تنظيم من العمل داخل حدودها، لكن من الأصعب منع مجتمع من مراقبة ما يحدث لأناس يعتبرهم جزءاً من جماعته القومية أو الثقافية. وهنا يصبح «تأثير الأطراف» أعمق من التأثير العسكري، فالطرف لا يحتاج إلى احتلال المركز لكي يغيره، ويكفي أحياناً أن ينتج نموذجاً يستطيع المركز أن يرى نفسه فيه.

 

وهنا نصل إلى المسألة التي ربما تختصر الرحلة كلها ،تستطيع الدول هزيمة تنظيم، واعتقال زعيمه، وإغلاق مقراته وتجفيف موارده وتفكيك بنيته العسكرية، ويمكن للتنظيم نفسه أن يغير اسمه أو قيادته أو برنامجه أو حتى أهدافه، لكن العقيدة ليست مؤسسة لها عنوان يمكن إغلاقه. وPKK ليس القضية الكردية، كما أن فكر أوجلان ليس بالضرورة مجموع الأفكار الموجودة في عقول كل من قاتل تحت راية التنظيم أو تعاطف معه. ولهذا فإن انتهاء التنظيم، إن حدث، لا يعني بالضرورة انتهاء الأفكار القومية التي كانت موجودة قبله أو دخلت إليه أو خرجت منه، بل قد تحدث المفارقة المعاكسة: قد يسقط التنظيم وتتحرر الفكرة من حدوده التنظيمية، قد ينتهي الحزب بينما يبقى السؤال الذي نشأ الحزب في ظله، وقد يتخلى المركز التنظيمي عن فكرة بينما تكون الأطراف قد احتفظت بها وأعادت إنتاجها بطريقتها الخاصة.

 

وهكذا نعود إلى النقطة التي بدأنا منها. خرج التأثير من مركز إلى أطرافه. دخل PKK إلى سوريا حاملاً تنظيمه وأيديولوجيته، ودخل كرد سوريا بدورهم إلى التنظيم حاملين ذاكرتهم وهويتهم وتصوراتهم. تغير التنظيم، ثم تغيرت سوريا، ثم حصل الطرف على الأرض، ثم أنتج تجربة سياسية وعسكرية خاصة به، ثم جاءت كوباني وحملت صورة هذه التجربة عبر الحدود، وعادت الإشارة إلى المجال الذي خرجت منه أول مرة. لكنها لم تعد الإشارة نفسها ،لقد مرت بمجتمع آخر، وحرب أخرى، وذاكرة أخرى، وأعيد تفسيرها قبل أن تعود.

 

ولهذا فإن السؤال النهائي لا يتعلق فقط بمستقبل PKK، ولا بمستقبل الإدارة الكردية في سوريا، ولا حتى بعلاقة تركيا بكردها. السؤال الأعمق هو: ماذا يبقى في وعي الناس بعد أن تنتهي التنظيمات وتتغير التحالفات؟ فالقيادات تستطيع تغيير برامجها، والأحزاب تستطيع تغيير أسماءها، والدول تستطيع تغيير سياساتها، والحدود تستطيع الجيوش حراستها. لكن عندما تنتقل الفكرة من التنظيم إلى الوعي الجمعي، تصبح لها حياة مختلفة عن حياة التنظيم الذي حملها.

 

وعندها قد تحدث المفارقة الأخيرة: قد يعتقد المركز أنه نجح في إعادة تشكيل الهامش، ثم يكتشف أن الهامش لم يكن طوال ذلك الوقت مجرد متلقٍ لما يريده المركز ، كان يراقب، ويستقبل، ويعيد التفسير، ويضيف من ذاكرته، ثم يعيد إرسال ما تلقاه. فالأطراف ليست أوراقاً بيضاء، وما يُزرع فيها لا يعود دائماً بالشكل الذي زُرع به. وقد يكون المركز ما يزال يرسم الحدود على الخريطة، بينما يكون الطرف قد بدأ منذ زمن يرسم حدود الفكرة في العقول. وحينها لا يعود السؤال كيف أعاد المركز تشكيل الأطراف، بل كيف عادت الأطراف لتعيد تشكيل المركز… وكيف أعاد الهامش ترتيب الجوهر.

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!