الوضع المظلم
الثلاثاء ٢٧ / أكتوبر / ٢٠٢٦
Logo
  • السويداء وتموز: مخاوف الوجود وأسئلة الحماية.. لماذا رفضوا تسليم أمنهم؟

السويداء وتموز: مخاوف الوجود وأسئلة الحماية.. لماذا رفضوا تسليم أمنهم؟
السويداء

قد يستغرب البعض هذا السؤال: لماذا تمسّك كثير من أبناء السويداء برفض تسليم أمنهم للسلطة الحالية من دون ضمانات تحميهم، رغم إدراكهم أن هذا الموقف قد يقود إلى مواجهة غير متكافئة، تكاد فرص حسمها عسكرياً تكون معدومة؟

 

للإجابة، يمكن تخيّل المسار الآخر: ماذا لو وضعوا مخاوفهم جانباً، ورحّبوا بالسلطة وسلّموا لها أمرهم؟ كيف كانت ستسير حياتهم بعد ذلك؟

 

هناك من يعتقد أنهم كانوا سيعيشون اليوم حياة طبيعية مثل سواهم، وربما يبدو هذا التصور مريحاً، لكن عندما يتعلق الأمر بمصير مجتمع كامل، لا تكفي التمنيات ولا حسن الظن وحدهما، فالاطمئنان لا يُبنى على الرغبات، بل على معطيات الواقع ودروس التجارب السابقة. فهل يعيش من يشبههم اليوم هذا الأمان في كنف السلطة الراهنة؟ وماذا كانت حصيلة الثقة بالنسبة لكثيرين ممن سلّموا أمرهم لها؟ هل توقفت حوادث الخطف والقتل والانتهاكات بحقهم؟

 

ذاكرة التاريخ ومخاوف الحاضر

 

أما التاريخ، فيضيف إلى أسباب القلق ما هو أعمق وأبعد؛ فبالنسبة للكثير من الدروز، لا يأتي الخوف من فراغ، بل هو ابن ذاكرة طويلة مثقلة بالأحداث والتجارب: من المحنة الكبرى في عهد الخليفة الفاطمي الظاهر، بين عامي 1021 و1026، إلى حملة المماليك على كسروان عام 1305، وحملة خرّم باشا العثماني عام 1524، وصولاً إلى انحسار الوجود الدرزي من مناطق كثيرة، مثل وادي بردى وباب مصلى، نتيجة سياسات القمع والاضطهاد التي مُورست بحقهم، بعد انهيار الدولة المعنيّة وإحكام العثمانيين سيطرتهم على مناطق نفوذها نهاية القرن السابع عشر.

 

لقد رسّخت هذه التجارب والوقائع التاريخية في الذاكرة الجماعية للدروز خوفاً عميقاً من تكرار الاضطهاد، توارثته أجيالهم. ومهما اختلفت قراءات التاريخ، يصعب مطالبة مجتمع تحتل ذاكرته التاريخية مكانة راسخة في ثقافته بتجاوز هذا الخوف من دون ضمانات فعلية تحمي حياة أبنائه وهويتهم وحقوقهم.

جبل السمّاق وحدود الحماية الدولية

وبعيداً عن التاريخ البعيد، قد يعتقد البعض أن الظروف الدولية تفرض اليوم واقعاً مختلفاً. لكن ماذا تقول تجربة جبل السمّاق؟

في مطلع عام 2015، أُجبر دروز المنطقة على التبرؤ من عقيدتهم والتحول إلى الإسلام السني تحت حكم جبهة النصرة. وقد وثّق تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، الصادر في 13 آب 2015  (A/HRC/30/48)، في فقرته 130، إجبار جبهة النصرة قرى درزية على تغيير دينها تحت التهديد بالموت.

وفي 27 أيار من العام نفسه، ظهر أبو محمد الجولاني، قائد جبهة النصرة آنذاك، على قناة الجزيرة في برنامج "بلا حدود"، وتحدث عن إرسال دعاة إليهم لتصحيح ما وصفه بأخطائهم العقائدية. وهو خطاب يلغي حرية الاعتقاد من أساسها، ويجعل التخلّي عن العقيدة شرطاً لقبول أصحابها.

وفي واقعة أخرى، بتاريخ 10 حزيران 2015، قتل عناصر من جبهة النصرة ما بين عشرين وأربعة وعشرين درزياً في قرية قلب لوزة، إحدى قرى جبل السمّاق. وتُظهر هذه التجربة أن التعويل على الظروف الدولية وحدها لا يكفي لتبديد المخاوف، ما لم ترافقه ضمانات فعلية لحماية الناس وحقوقهم.

بين كلفة المقاومة ومخاطر الاستسلام

 

من هنا جاءت قناعة كثير من أبناء السويداء بأن تسليم أمنهم من دون ضمانات موثوقة مقامرة بحياتهم وهويتهم، وأن ما جرى لغيرهم يستدعي الحذر. لذلك، حين خُيّروا بين المواجهة والاستسلام، اختاروا المواجهة وهم يعرفون أن ثمنها باهظ، لكنهم اعتقدوا أن الاستسلام قد يكلّفهم ما هو أكبر: حياتهم وهويتهم ومستقبل أبنائهم.

 

حين يحتفظ مجتمع بقدرته على حماية نفسه وإيصال صوته، تبقى لديه وسائل للدفاع عن حقوقه وطلب الحماية. أما حين يسلّم وسائل حمايته من دون ضمانات، فقد يصبح أكثر عرضة للإخضاع التدريجي: اعتقال هنا، واعتداء هناك، ومصادرة وتهجير وإكراه، تحت ذرائع أمنية تجعل الاعتراض نفسه موضع اتهام.

 

ومن هنا، تمسّكوا بالصمود لإبقاء صوتهم مسموعاً، بعدما شعروا بأن مناشداتهم لم تلقَ استجابة كافية. لم يكونوا على يقين بأن أحداً سيأتي لإنقاذهم، خاصة في ظل الضخ الإعلامي المعادي، لكنهم رأوا أن موقفهم هذا هو أفضل سبيل للفت أنظار العالم والمنظمات الدولية وحثّها على التحرك لحمايتهم.

.

 

تموز والحاجة إلى حماية فعلية

ثم جاء تموز وسقطت الأقنعة؛ فلم يستطع المهاجمون إخفاء نزعتهم التكفيرية والإقصائية، التي فضحتها مشاهد القتل والانتهاكات بالصوت والصورة. ولم تعد شعارات "استعادة الأمن" و"بسط سلطة الدولة" قادرة على ستر الفظائع. وبالتزامن، تحرّك دروز إسرائيل وضغطوا على حكومتهم للتدخل، فتدخلت إسرائيل عسكرياً، واضطرّت قوات السلطة الراهنة إلى وقف القتال والانسحاب.

جرمانا والأشرفية: ماذا يفسّر الهدوء؟

 

هنا قد يقول قائل: انظروا إلى جرمانا وأشرفية صحنايا؛ أليس أهلهما يعيشون اليوم من دون أن يتحقق كل ما تخشونه؟ لكن هذه نصف الحقيقة، ونصف الحقيقة أخطر من الكذب؛ فلا يجوز تجاهل ما شهدناه من عنف، ومشاهد دخول قوات الأمن إلى أشرفية صحنايا، ثم الاستشهاد بهدوئهما اليوم لنفي المخاوف.

 

جرمانا تعرّضت للهجوم قبل أحداث تموز في السويداء، وطُولبت بتسليم السلاح خلال خمسة أيام، ثم تراجعت السلطة الراهنة عن شروطها وانسحبت قبل انقضاء المهلة. وهذا التراجع يوحي لي بتأثير جهة خارجية فاعلة في القرار، وإن لم أملك دليلاً قاطعاً على ذلك. لذلك، لا يشكّل توقف الهجوم دليلاً كافياً على زوال الخطر، بل يدعو إلى النظر في دور الضغوط والتوازنات في وقفه.

وما يمكن قوله، تقديرياً، هو أن الملف الدرزي واحد على طاولة القوى الدولية، بصرف النظر عن أماكن وجود الدروز، والحماية فيه سياسية بالدرجة الأولى. ومن هنا، يمكن فهم استمرار الهدوء في جرمانا في ضوء ما فرضته أحداث السويداء وموقف أهلها من توازنات وحسابات ردع. وبالتالي، لا يصح الاستشهاد بهدوء جرمانا لنفي جدوى موقف السويداء، فيما قد يكون هذا الموقف نفسه من أهم أسباب استمرار ذلك الهدوء.

لماذا تأخّر التدخل الإسرائيلي؟

ويبقى السؤال: لماذا لم تتدخل إسرائيل لمنع المذبحة قبل وقوعها؟

السؤال مشروع، ولا يمكن الجزم بأسباب توقيت القرار من دون معرفة ما دار في دوائر اتخاذه. لكن يمكن محاولة تفسيره بالنظر إلى حسابات الدولة ومصالحها والتزاماتها، وحاجتها إلى مبررات يمكن الدفاع عنها داخلياً وخارجياً.

وبرأيي، يمكن القول إن ظهور الصور والشهادات التي كشفت حجم الفظائع أسهم في توفير هذه المبررات؛ فقبل ذلك، كان من الأسهل تصوير أي تدخل إسرائيلي على أن هدفه إفشال جهود السلطة الراهنة في ضبط الأمن لإبقاء المنطقة في الفوضى، وليس لشيء آخر. ويعزّز هذا التصوير أن الإعلام المؤيد لها دأب منذ البداية على تقديم العملية باعتبارها تحركاً لحماية الأهالي وفرض الأمن وبسط سلطة الدولة.

 

الصمود ومسؤولية حماية المستقبل

لماذا رأى هؤلاء في المقاومة ضرورة؟

وفق هذه القراءة، كان الخوف أن يبقى خطر الصدام قائماً حتى لو سلّموا أمرهم، وأن يواجهوه لاحقاً بعد أن يفقدوا مقوّمات الدفاع عن أنفسهم. ولم يكن تسليم الأمن من دون ضمانات، في نظرهم، كافياً لتبديد هذا الخوف.

لهذا رأوا في المقاومة ضرورة حين فُرضت عليهم المواجهة؛ فالاستسلام لم يكن يضمن نجاتهم، بينما أبقى الصمود لهم فرصة للدفاع عن أنفسهم وحماية مستقبل أبنائهم. ولا يلغي ذلك حق الناس في مناقشة القرارات التي اتُخذت وكلفتها، وسبل الوصول إلى حماية أكثر أمناً واستدامة.

إن تضحيات تموز لا يجوز أن تذهب سدى، والدم الذي نزف يضع أمام الجميع مسؤولية العمل على ضمان ألّا تتكرر المأساة، عبر حماية حياة الناس وهويتهم وحقوقهم، ليبقى باب المستقبل مفتوحاً لأبنائهم.

ليفانت: نصري سويد

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!