-
دولة الثقة المفقودة: كيف ينجو العقد الاجتماعي السوري من الخيبة؟
في ربيع عام 1948، وبينما كانت فلسطين تكتوي بنار النكبة، هلع الناس في القدس ويافا إلى أبواب البنك العربي لانتزاع مدخراتهم قبل أن تعصف الفوضى بها. وسط هذه العاصفة، وقف مؤسس المصرف عبد الحميد شومان؛ فلم يساوم أو يراوغ، ولم يغلق الأبواب بحجة الحرب، بل أمر بفتح الخزائن لتدفع السيولة النقدية كاملةً لأكبر مودع وحتى أصغرهم.
تلك اللحظة الفارقة لم تكن مجرد عملية مصرفية عابرة، بل كانت مخاطرة محسوبة تولد منها درسٌ خالد؛ أثبت من خلاله شومان أن أعظم الاستثمارات في أوقات المحن هي الثقة ورأس المال المعنوي قبل الربح أو الخسارة.
إن هذه الأسطورة المصرفية تجسّد في جوهرها الفلسفي اللبنة الأولى لما يُعرف بـ «العقد الاجتماعي»؛ إذ إن العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة تقوم أساساً على رصيدٍ لا يقل أهمية عن سيولة الخزائن: ثقة متينة ومتبادلة تستند إلى دراية المواطن الواعية بدور المؤسسات ووظائفها. ويغدو الحفاظ على هذا الرصيد التراكمي شرطاً وجودياً لتكريس الاستقرار؛ ليتحول العقد الاجتماعي إلى اتفاق غير مكتوب بين دولة تبسط الأمان وتكفل المساواة وتوفر البيئة الكفيلة بالحياة الكريمة، وجماهير تثق بإنفاذ القانون وتلتزم به.
غير أن هذه المعادلة غابت طوال العقود الأخيرة من تاريخ سورية؛ ففي عهد الأسد الأب، أُفرغ العقد الاجتماعي من مضمونه ليتحول إلى صيغة إخضاع؛ حيث أُطلقت يد العصبيات الفئوية داخل مؤسسات الدولة مقابل ضمان الولاء، وتكفّلت السلطة بالحد الأدنى من المعاش والأمن الظاهري شريطة تنازل المجتمع التام عن حريته السياسية.
ثم جاء عهد الأسد الابن ليعمّق الشرخ ويجهز على بقايا هذا العقد؛ إذ تركزت الثروات في أيدي طبقة طفيلية جديدة من رجال الأعمال المقربين من المركز السلطوي، وتُهُمّشت غالبية الفئات الإنتاجية. ولم تعد الدولة تعبأ حتى بحدود التزاماتها المعيشية والخدمية الأساسية تجاه مواطنيها، بينما واصلت المطالبة بنفس المستويات القصوى من الصمت السياسي والرضوخ للقبضة الأمنية.
ولم تقتصر أزمة فقدان الثقة على تداعي الخدمات أو انهيار الاقتصاد، بل امتدت إلى تزييف الوعي والذاكرة الجمعية. فعندما يعيش المواطن عقوداً في ظل دولة تُسخّر مناهجها وإعلامها وخطابها لاختلاق انتصارات وهمية تُغطّي بها على إخفاقات استراتيجية وعسكرية، تتآكل مصداقيتها تماماً. ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً أن التزييف الذي أحاط بحرب تشرين على جبهة الجولان لم يظلم الحقيقة والذاكرة الوطنية فحسب، بل ظلم آلاف الجنود والضباط الأبطال الذين قاتلوا بشجاعة استثنائية وبذلوا دماءهم قبل أن تتحول الحرب إلى هزيمة قاسية بوصول القوات الإسرائيلية إلى مشارف العاصمة دمشق. لقد ضاعت تلك التضحيات الصادقة وسط ضجيج البروباغندا التي أرادت تصوير كل شيء كـ «نصر مطلق» للنظام. هكذا تحولت العلاقة بين الجماهير والنظام من «ثقة واعية» إلى «عقيدة تشكيك دائم» بكل ما هو رسمي.
هذه التركة الثقيلة من الخيبة والريب هي بالضبط ما ورثه العهد الجديد في سورية؛ بيئة مجتمعية ومؤسساتية أُفرغ من رصيد المصداقية، وتضع السلطة الجديدة أمام تحدٍّ وجودي: كيف يمكن إعادة صياغة عقد اجتماعي حقيقي يردم هذه الفجوة الهائلة ويُعيد بناء مؤسسات الدولة على قواعد متينة؟
إن القراءة المنصفة لمسار التحول تشير إلى أن التحالف السياسي والعسكري الذي تشكل عقب سقوط النظام لم يكن يوماً في صراع مع «فكرة الدولة»، ولم يُمارس سلوكاً يبتغي تكريس «شرعية الثورة» كبديل فصائلي دائم؛ إذ أُدرك مبكراً أن الثقة لا تُبنى فوق أطلال السلاح المنفلت. وعلى مدى عامين متتاليين، خاضت القيادة السورية خطة عملانية لإعادة الاعتبار للمؤسسات؛ حيث جرى حل الفصائل المسلحة، وفُتح الباب أمام القادة والمنشقين للمشاركة التنفيذية شريطة التسليم الكامل للأسلحة المتوسطة والثقيلة حصراً لمؤسسات الدولة. وقد تُوّج هذا المسار بإعادة رسم الحياة النيابية عبر برلمان سوري يمثل مختلف مكونات البلاد، ليشكل ذلك أولى اللبنات لنقل العقد الاجتماعي من مربع الإكراه إلى مربع الشراكة والمؤسساتية.
وقد تضافرت هذه الخطوات مع غطاءٍ ومُهلَةٍ منحتهما الحاضنة الشعبية للعهد الجديد؛ إذ شَكَّل الاستعداد المجتمعي لتقبّل قرارات حاسمة، مثل حل الأجهزة الأمنية القديمة وإعادة تشكيلها، دليلاً على وجود تعطّشٍ شعبي جارف للخروج من سجف "الدولة الأمنية". وعلى الرغم من أن التسويق الإداري والسياسي المكثف لـ «تجربة إدارة المناطق المحررة سابقاً» أسهم في ضخ جرعة من الثقة، إلا أنها كانت ثقة مفرطة في التفاؤل ولم تستند إلى أرضية واقعية صلبة.
ومع ذلك، فإن قراءة العقد الاجتماعي الجديد تستوجب التمييز الدقيق بين مستويين من القلق الشعبي؛ فلا ينبغي اختزال حالة «عدم الرضا» الراهنة تجاه الملفات المعيشية والخدمية في مجرد تذمر يومي عابر، بل هي اختبار حقيقي يمارس فيه المجتمع حقه في المساءلة بعد عقود من الصمت القسري. إن الخطر الحقيقي يكمن في عجز السلطة عن تقديم معالجات ملموسة لهذه الملفات الضاغطة، مما قد يحوّل القلق الراهن إلى «خيبة أمل مستدامة وعميقة» قادرة على تجريف «رأس مال الثقة» الوليد، وإعادة الشارع السوري إلى مربع التشكيك والريبة.
ولضمان عدم الوقوع في هذا الفخ، تقف السلطة الجديدة أمام اختبار عملي يفرض عليها تحويل الشعار إلى ممارسة عبر ثلاثة محاور مفصلية:
أولها: إنفاذ القانون بشكل صارم ومترفع عن الانتقائية، عبر محاسبة الفاسدين دون استثناء وتثبيت مبدأ سيادة القانون كمسطرة جامعة.
وثانيها: تقليص الاحتكاك البشري المباشر في معاملات المواطنين عبر تسريع الحوكمة الرقمية؛ بوصفها الأداة الناجعة لتفكيك البيروقراطية واستئصال منافذ الرشوة والابتزاز الإداري.
وثالثها: فتح قنوات حقيقية للحوار المجتمعي، وصون حقوق الإنسان، وتفعيل الشراكة الفعلية في صنع القرار؛ تجسيداً للمسؤولية التضامنية بين الدولة والمجتمع.
وفي هذا السياق، تسجل للعهد الجديد خطوة إيجابية في مسار تعزيز الثقة؛ تمثلت في إرساء أبعاد المسؤولية السياسية والأخلاقية عبر إنهاء تكليف مسؤولين لمجرد «احتراقهم جماهيرياً» وفقدانهم للقبول الشعبي، دون الإبطاء لانتظار ثبوت الفشل الإداري أو الشبهة الجنائية، مما يعكس استجابة تنبض بحس الشارع وتضع رضا المواطن في صلب شرعية المسؤول.
إن بناء العقد الاجتماعي الجديد لا يمكن أن يكتمل إلا باستعادة الحقيقة كاملة، وتكريم التضحيات الوطنية الصادقة، وجعل الشفافية والمكاشفة المبدأ الحاكم والمستدام للجمهورية الجديدة؛ فرأس مال الثقة ليس منحة دائمية، بل هو استحقاق يومي يُبنى بالعدل والإنجاز.
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

