-
سوريا بين التحديات الراهنة وفرص البناء المستقبلية
في سياق التغيرات العميقة والمتسارعة التي تطرأ على المشهد السوري، تتكشف ملامح مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأولويات والمصالح، على مستوى إقليمي ودولي، حيث تتداخل مصالح القوى الكبرى، وتتناغم أو تتصارع، لتحقق أهدافها في سوريا، التي أصبحت ساحة مفتوحة لمنافسات جيوسياسية معقدة. هذه المرحلة ليست مجرد انتقال من موقف داعم لقوات كردية إلى محاولة دمجها مع النظام السوري، بل هي انعكاس لعملية إعادة تموضع إستراتيجية، تتأثر بنتائج الصراعات الدولية والإقليمية، وتداعياتها على توازن القوى في المنطقة، وتضع مستقبل سوريا على مفترق طرق حاسم، يتداخل فيه الأمن والسياسة والاقتصاد، ويؤثر بشكل مباشر على حياة ملايين السوريين، ويهدد استقرار المنطقة بأكملها.
الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى هذا التحوُّل ليست مجرد قرارات ظرفية، بل هي نتيجة استراتيجيات طويلة الأمد، تتعلق برغبتها في إعادة تحديد أولوياتها في الشرق الأوسط، بعد أن حققت أهدافها الأساسية في محاربة داعش، وفرضت توازنات مؤقتة على الأرض، لكنها في الوقت ذاته أدركت أن استمرار دعمها لقوات قسد، بمعزل عن الحكومة السورية، قد يعرقل جهودها في إعادة التموضع، ويؤدي إلى تصعيد الأوضاع، خاصة مع تصاعد النفوذ الروسي والإيراني، وتغير موازين القوى على الأرض. فواشنطن، التي كانت تعتمد على دعم قوات قسد كوسيلة ضغط على دمشق، ترى الآن أن مصلحتها تقتضي إعادة تأطير العلاقة مع الحكومة السورية، ضمن إطار يضمن مصالحها السياسية والأمنية، ويجنبها المزيد من التورط في نزاعات طويلة الأمد، خاصة مع تصاعد تداخل النفوذ الروسي والإيراني، وتزايد التحديات الأمنية.
أما قوات قسد، فهي أمام معضلة وجودية، فهي لم تكن مجرد قوة عسكرية، بل كانت مشروعاً سياسياً واجتماعياً، ولكنها الآن تجد نفسها على مفترق طرق، بين الانصياع للمطالب الأمريكية الجديدة، التي تدعو إلى دمجها مع القوات النظامية السورية أو رفضها، والاستمرار في الدفاع عن هويتها السياسية، وهو ما قد يجرها إلى مواجهات مع دمشق، أو تصعيد عسكري من قبل تركيا التي تعتبرها تهديدا للأمن القومي التركي، وتعمل على استهدافها بشكل مستمر. هذا الموقف يضعها في موقف صعب، فهل ستختار التوافق مع النظام، رغم ما قد يمثله ذلك من تآكل لهويتها التي بنت عليها خلال السنوات الماضية، أم ستتمسك باستقلاليتها، رغم التهديدات والضغوط، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد عسكري، ويهدّد أمن مناطق سيطرتها، ويجعلها عرضة لمزيد من التدخلات الخارجية.
في ظل التداخل الإقليمي والدولي، تتعقد الصورة بشكل أكبر، حيث تتصارع القوى على النفوذ، وتبحث كل منها عن مصالحها. تركيا، التي تعتبر أن وجود حزب العمال الكردستاني على حدودها هو تهديد وجودي، ترفض أي تسوية تسمح بوجود قسد التي يتحكم فيها حزب العمال الكردستاني على حدودها، وتعمل على تصعيد عملياتها العسكرية في الشمال السوري، بهدف إضعاف نفوذ قسد، وإعادة السيطرة على المناطق التي تعتبرها ذات أولوية أمنية، سواء عبر العمليات العسكرية المباشرة أو عبر الضغوط السياسية.
في المقابل، تسعى إيران وروسيا إلى توسيع نفوذهما، من خلال دعم الحكومة السورية، وتأمين مصالحهما الاقتصادية والعسكرية، في إطار تفاهمات إقليمية ودولية، تهدف إلى تثبيت سيطرتهما، وإعادة بناء سوريا كدولة موحدة، ولكن بنسخة تتوافق مع مصالحها، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل احتمالات التوصل إلى تسوية شاملة أكثر غموضا.
وفي سياق ذلك، يطرح سؤال مصيري حول مستقبل العلاقات بين قسد والحكومة السورية، هل ستنجح جهود الاندماج في تحقيق استقرار سياسي وأمني، أم أن الخلافات العميقة ستؤدي إلى استمرار التوترات، وربما إلى تصعيد عسكري، خاصة مع وجود قوى إقليمية ترفض أي حل يهدد مصالحها؟ هل ستتمكن سوريا من إعادة توحيد أراضيها، مع الحفاظ على حقوق المكونات المختلفة، أم أن الانقسامات ستظل قائمة، وتؤدي إلى استمرار حالة الفوضى واللا استقرار؟ وهل ستنجح القوى الدولية في تقديم ضمانات حقيقية تضمن حقوق جميع الأطراف، وتجنب سيناريوهات الفشل السابقة، التي أدت إلى استمرار الأزمة وتعمق الانقسامات؟
علاوة على ذلك، تبرز مسألة مهمة تتعلق بمستقبل قسد، في ظل التطورات الحالية، تواجه تحدياً حاسماً، هل ستقبل بعملية الاندماج مع النظام، رغم ما قد يعنيه ذلك من تآكل لخصوصيتها، وتنازلها عن جزء من استقلاليتها؟ أم ستتمسك بموقفها، وتقاوم الضغوط، وهو ما قد يؤدّي إلى تصعيد عسكري، وربما إلى مواجهات عسكرية، تهدد أمن المنطقة واستقرارها. وهل يمكن أن تتوصل إلى صيغة توازن تحفظ فيها حقوقها، وتضمن استقرارا طويل الأمد، أم أن الصراعات ستتكرر، وتزداد حدتها مع استمرار التدخلات الخارجية، وتداول المصالح بين القوى الإقليمية والدولية؟
وعليه، يبقى السؤال الأهم حول دور المجتمع الدولي في التعامل مع هذه التطورات، هل يمكن أن يلعب دوراً فاعلاً في دعم الحلول السياسية، وتسهيل عملية الاندماج، وضمان حقوق جميع الأطراف، والعمل على بناء سوريا موحّدة ومستقرة، تلبي تطلعات شعبها، وتحافظ على وحدة أراضيها، أم أن المصالح الدولية ستظل تحركها، وستبقى سوريا أرضاً للمصالح المتصارعة، التي قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد، وتعمق الأزمة، وتطيل أمد الصراع لسنوات طويلة؟ إن مستقبل سوريا مرهون بمدى قدرة الأطراف على التوافق، وعلى تقديم حلول سياسية تضع مصلحة السوريين في المقدمة، بعيداً عن الحسابات الضيقة، ويحتاج الأمر إلى رؤية واقعية، واستعداد للتنازل، ومرونة من جميع الأطراف، لضمان مستقبل أكثر استقراراً، وأقل عنفاً، يحقق السلام والتنمية، ويعيد بناء بلد أنهكته الحروب والصراعات.
إن هذه التحديات والسيناريوهات تبرز مدى تعقيد المشهد السوري، وتؤكد أن الحلول ليست سهلة، وأن الطريق أمام تحقيق السلام والاستقرار طويل ومليء بالمخاطر. ولكن الأمل يبقى قائماً، إذا استطاعت القوى المحلية والإقليمية والدولية أن تتفق على مصلحة سوريا، وتعمل بشكل جماعي على تجاوز خلافاتها، وتقديم مصلحة الشعب السوري على كل اعتبار آخر، فالسوريون الذين عانوا طويلاً من ويلات الحرب والدمار، يستحقون فرصة جديدة للبناء، وللحياة الكريمة، ويجب أن يكون الهدف النهائي هو وضع حدٍ للأزمة، وإعادة إعمار سوريا على أسس العدالة والمساواة.
ليفانت: عزالدين ملا
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

