الوضع المظلم
الجمعة ٠٩ / أكتوبر / ٢٠٢٦
Logo
  • صندوق الشرع الغامض يبتلع أصول الأسد… ويتحكم بمفاتيح الاقتصاد السوري

صندوق الشرع الغامض يبتلع أصول الأسد… ويتحكم بمفاتيح الاقتصاد السوري
صندوق الشرع الغامض يبتلع أصول الأسد… ويتحكم بمفاتيح الاقتصاد السوري

حوّلت القيادة السورية أصولاً صودرت من شخصيات مرتبطة بنظام بشار الأسد إلى صندوق حكومي يحيط به الغموض، ويتوسع بسرعة في قطاعات واسعة من الاقتصاد. وبينما تقدمه السلطات بوصفه أداة لحماية ممتلكات الدولة وجذب الاستثمارات، يحذّر محللون ورجال أعمال من أن الصندوق بات مركزاً استثنائياً للنفوذ المالي والاقتصادي، من دون أن يكشف للرأي العام عن أصوله أو حساباته أو إدارته.

وأُنشئ «الصندوق السيادي السوري» بقرار من الرئيس أحمد الشرع العام الماضي. ومنذ ذلك الحين، امتدت سيطرته إلى شبكة من الأصول تشمل ممتلكات حكومية وشركات صودرت من رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق، بحسب رجال أعمال ومسؤولين مطلعين على الملف.

وقدّر وزير المالية قيمة أصول الصندوق بنحو 50 مليار دولار العام الماضي، من دون نشر تفاصيل عن ممتلكاته أو وضعه المالي أو هوية مديره. وتشمل استثماراته مصانع ومراكز تجارية وعقارات وحصصاً في مصارف، ويقول الصندوق إن أنشطته توفر وظائف لأكثر من 40 ألف شخص.

ومع سعي حكومة الشرع إلى استقطاب رؤوس الأموال الخليجية، تحول الصندوق سريعاً إلى لاعب محوري في صفقات الاستثمار، وإلى أداة واسعة النفوذ في الاقتصاد السوري، وفقاً لمحللين ورجال أعمال. فامتلاكه أصولاً ضخمة يمنحه نفوذاً في قطاعات متعددة، فيما يشارك مسؤولوه في تحديد الجهات التي تدير أنشطة حيوية وتستثمر فيها.

وقال ثائر لحام، المدير العام لمجلس الأعمال السوري، إن الصندوق «الجهة الأكثر تأثيراً في الاقتصاد، والأكثر ثراءً في سوريا حالياً». ووصفه شخص يتعامل معه تجارياً بأنه جزء من معادلة الحكم، قائلاً: «ما هي الدولة اليوم؟ إنها الوزارات والصندوق».

ويرأس وزير السياحة مجلس إدارة الصندوق، الذي يتبع مباشرة للرئاسة. أما منصب المدير فيشغله إبراهيم سكرية، وهو لبناني أسترالي الجنسية، بحسب ثلاثة أشخاص التقوا به. ولا يرد اسمه على الموقع الإلكتروني للصندوق، فيما يخضع لعقوبات أسترالية على خلفية اتهامات بالانضمام إلى تنظيم تابع لتنظيم القاعدة، سبق ظهور «هيئة تحرير الشام» التي قادها الشرع وأطاحت بنظام الأسد.

ورفض الصندوق، الذي يقول إن لديه أكثر من 270 موظفاً، الإجابة عن أسئلة «فايننشال تايمز» بشأن أصوله وإيراداته وإدارته ومستوى الشفافية فيه. واكتفى بالقول إنه «مؤسسة جديدة لا تزال في مرحلة التأسيس»، وتعمل تدريجياً على بناء منظومة حوكمة، وتسعى إلى مواءمة عملها مع ممارسات دولية تتبعها صناديق الثروة السيادية.

ويقول الصندوق إن مهمته هي «حماية الأصول المملوكة للدولة السورية وتنميتها»، وإقامة «شراكات استراتيجية تجلب رؤوس الأموال والتكنولوجيا والخبرات إلى سوريا». لكن اتساع دوره، بالتوازي مع محدودية المعلومات المتاحة عن طريقة إدارته، يثير تساؤلات بشأن الجهة التي تراقب أصوله وقراراته.

صفقات كبرى ونفوذ متنامٍ

برز الصندوق في القطاع العقاري من خلال ذراع يرأسها محمد الخياط، المنتمي إلى عائلة سورية قطرية ثرية. وقد عملت العائلة عن قرب مع عائلة ترامب والبيت الأبيض، ووقّعت اتفاقيات كبيرة في مجالي البنية التحتية والطاقة مع الحكومة السورية.

وتدفق المستثمرون الأجانب إلى مشروعات مرتبطة بالصندوق، من بينها مشروع عقاري بقيمة 7 مليارات دولار مع شركة التطوير العقاري الإماراتية «أرادَ»، واتفاقيات مع شركة «ترياقي أغرو» التركية العاملة في سلاسل الإمداد، ومجموعة «كابلات الرياض» السعودية، لتطوير أصول الصندوق وإدارتها.

كما استحوذ الصندوق على حصة تبلغ 25 في المئة في كيان سوري أسسته شركة الاتصالات الكويتية «زين»، بعد حصول الكيان على ترخيص بقيمة 747 مليون دولار لتشغيل شبكة للهاتف المحمول. وأنشأ الصندوق أيضاً شركات جديدة، بينها شركة للمدفوعات تعمل مع «فيزا» في سوريا، وشركة محلية لتصنيع السيارات.

ولم ترد «أرادَ» و«زين» و«كابلات الرياض» على طلبات التعليق، كما لم يرد الخياط على طلب أُرسل عبر شركته. ولم تتمكن الصحيفة من التواصل مع سكرية، الذي لم يجب عن أسئلتها المرسلة عبر الصندوق.

ويرى جهاد يازجي، رئيس تحرير موقع «سيريا ريبورت»، أن غياب الشفافية يضر ببناء الثقة «بين المواطن والدولة». وقال إن المؤسسات التي تدير أموالاً ضخمة من دون وضوح بشأن إدارتها تثير عادةً علامات استفهام، مشيراً إلى أن اسم الرئيس التنفيذي للصندوق لم يُعلن رسمياً. لكنه أضاف أن المستثمرين الخليجيين الذين تسعى الحكومة إلى استقطابهم قد لا يعطون الشفافية الأولوية نفسها، وقد يفضلون التعامل مع مؤسسة تتجاوز التعقيدات والإجراءات البيروقراطية.

 أصول مصادرة وملكية متنازع عليها

لا تزال المعلومات المنشورة عن الأصول التي صودرت من حلفاء الأسد السابقين محدودة. وقالت لجنة حكومية مكلفة باستعادة الأصول المكتسبة بطرق غير مشروعة إن الصندوق شارك في إدارة 32 شركة ومؤسسة، تعمل في قطاعات التجارة والخدمات والمصارف، وكانت مملوكة لرجل الأعمال البارز في عهد الأسد سامر فوز. كما شملت الأصول مركزاً تجارياً في دمشق صودر من رجلي الأعمال محمد ووسيم القطان.

وفرضت الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات على فوز ووسيم القطان بسبب دعمهما للأسد. وبعد انتقال الشركات إلى إدارة الصندوق، جرى عادةً تغيير إداراتها العليا، فيما احتفظ موظفو المستويات الوظيفية الأدنى بوظائفهم، بحسب أشخاص مطلعين على الملف.

لكن السيطرة على الأصول لم تحسم جميع نزاعات الملكية. فقد واجه الصندوق صعوبات في تغيير أسماء المالكين المسجلين لبعض الشركات، فيما سعى ملاك سابقون إلى استعادة حصصهم، وطعن بعضهم في قرارات المصادرة.

وفي إحدى الحالات، طلب المطور الأصلي لمركز تجاري في دمشق إنصافه، بعدما انتُزع المشروع منه خلال عهد الأسد ونُقلت ملكيته إلى وسيم القطان، وفقاً لمحافظة دمشق. وقالت المحافظة إن الصندوق توصل إلى تسوية معه.

وأكد الصندوق للصحيفة أن «جميع العوائد تعود إلى الدولة السورية». ولم يرد سامر فوز ووسيم القطان على طلبات التعليق التي أُرسلت إليهما عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو البريد الإلكتروني المعلن لفوز.

 عقارات فاخرة تحت سيطرة الصندوق

أعلن الصندوق عن شراكات بين القطاعين العام والخاص تتيح للمستثمرين تشغيل أصوله، وأحياناً تطويرها، مع بقائها تحت سيطرته. وهو يمتلك عقارات مباشرة، كما يدير أراضي عامة تابعة لجهات حكومية، بحسب شخص مطلع على صفقاته العقارية.

وأضاف المصدر أن الصندوق يؤدي أحياناً دور الوسيط بين المؤسسات العامة وشركات التطوير الخاصة، أو يمثل الدولة في المشروعات، مقابل حصة من الإيرادات.

ويتركز عدد من هذه المشروعات على التطوير العقاري الفاخر، وهو قطاع يحظى باهتمام خاص من الحكومة الجديدة. ومن أبرزها مشروع «دمشق الجديدة»، الذي يعتزم الصندوق تنفيذه بالتعاون مع «أرادَ»، ويشمل إنشاء 11 ألف وحدة سكنية على أطراف العاصمة القديمة، إلى جانب مستشفى ومدرسة. وتُظهر التصاميم الحاسوبية مراكز تجارية بواجهات زجاجية ونوافير ومرافق سكنية فاخرة.

وهكذا، يتوسع الصندوق في الاستحواذ على الأصول وإدارة المشروعات وجذب المستثمرين، فيما تبقى تفاصيل ثروته وقراراته وقيادته بعيدة عن متناول الجمهور.

المصدر: فايننشال تايمز البريطانية

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!