-
في الطريق من بيروت إلى اللاذقية
في طريق العودة من بيروت إلى اللاذقية، كان لا بد من المرور بدمشق بعد إغلاق معبر "العريضة"، لم يسبق لي أن سلكت طريق "المصنع" من قبل. كل شيء في بيروت يبدو لطيفاً؛ مطاعمها ومقاهيها ساهرة كالقناديل قبالة البحر، أكاد أجزم أن هذه المدينة بارعة في تغطية جروحها وخيباتها.
دخلتُ دمشق واستحضرتُ أوجاع عاصمة الأمويين؛ ويمكن القول إن دمشق تحدت موتها، فقد دفعت في العقود الماضية ثمن القرارات المتهورة. كان اسم الرئيس بشار الأسد طاغياً، يدير سوريا بلا شريك، تماماً كما كان والده بل ويدير لبنان أيضآ حتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لينخرط بعدها بشكل أعمق مع إيران وحزب الله في زعزعة استقرار الإقليم. هبط سقوط نظام الأسد المفاجئ، وفرار الرئيس وكبار ضباطه ومسؤوليه، على صغار الضباط وضباط الصف والمجندين من أبناء الطائفة العلوية في العاصمة هبوط الصاعقة؛ فوجدوا أنفسهم فجأة بلا قائد، وتبخرت معهم الرواية الإيرانية الطائفية عن الملحمة الكبرى بين "أنصار الإمام المهدي" وأتباع "السفياني" في الشام ونهايتها بظهور المهدي، تلك الرواية التي أججت الصراع السوري وألبسته طابعاً طائفياً مقيتاً.
ترك منتسبو الجيش والأجهزة الأمنية منازلهم في عشوائيات دمشق والمساكن الحكومية في ضواحيها، واستيقظوا في بلدات وقرى الساحل مع ذويهم على أخبار حل الجيش والأجهزة الأمنية، وتسريح المعينين في القطاع العام من ذوي قتلى قوات النظام البائد؛ فتحول مئات الآلاف منهم في لحظة واحدة إلى عاطلين عن العمل، بلا رواتب ولا حتى تعويض مناسب عن سنوات خدمتهم. أغادر دمشق وهي تواجه خصومات كثيرة ومشكلات تنوء تحتها الجبال، أهمها الملفات الداخلية الثلاثة: الإدارة الذاتية وذراعها العسكرية "قسد"، والقوى المسيطرة على السويداء بقيادة الهجري، ومظلومية الطائفة العلوية في الساحل.
على أوتوستراد دمشق - اللاذقية، تذكرتُ كلاماً لسياسي مخضرم عبر إحدى الفضائيات، مفاده أن الطائفة العلوية في عهد "الأسدين" لم تكن كتلة واحدة، وإن استخدمها الأسد الأب ومن بعده الابن كعصبية داعمة لنظامه، إلا أنها بعد سقوط النظام ومع سيطرة أنصار الهجري على مركز محافظة السويداء إثر ضغوط عسكرية إسرائيلية على قوات وزارة الدفاع، وتبعات جمود اتفاق 10 آذار 2025 بين حكومة دمشق وقوات "قسد"، فُتح الباب لما يسمى "وجهاء الطائفة" ومثقفيها (لا سيما المرتبطين بالنظام البائد الذين خسروا نفوذهم) لتحويل الطائفة إلى كتلة متحفزة عبر إيهام أبنائها بتطابق أهدافهم السياسية مع خصوم حكومة دمشق، لرفع مطالب اللامركزية والفيدرالية والحماية الدولية بهدف الاستفادة من أي فوضى قادمة.
وصلتُ اللاذقية، مدينتي التي دخلت خريف العمر منذ عام 1963 ولم تخرج منه بعد؛ إذ تحولت هذه المدينة الساحلية ذات الثقل التجاري والاجتماعي إلى العاصمة الروحية لسلطة نظام الأسدين منذ وصول الأب إلى السلطة، والذي استهدف بشكل ممنهج أبناء المدينة بسياسات مدروسة، وبالأخص عائلاتها المتجذرة من كل المكونات عبر الإقصاء السياسي، ومصادرة الرأي، والإفقار الاقتصادي عن طريق نزع الملكيات بمسوغات قوانين الإصلاح الزراعي والتغييب الثقافي، وأخيراً إحداث تغيير ديمغرافي عبر سياسة تريف المدينة بالعشوائيات.
كنت قد غادرت اللاذقية يوم ١٢/٢٨ وقد تصدر المشهد فيها التحرك الذي دعا إليه رئيس المجلس الإسلامي العلوي "غزال غزال" للمطالبة بإقامة حكم ذاتي في مناطق الساحل السوري. التحرك لم يكن سليماً، ولا حتى ردة الفعل من المؤيدين لحكومة دمشق، رغم حماية أجهزة نفاذ القانون التابعة للحكومة لمتظاهري دعوة غزال غزال. ولم يكن هذا التحرك وحيداً، فقد نشرت وكالة "رويترز" تقريراً عن تحركات ذات طابع عسكري يقودها اللواء كمال حسن والملياردير رامي مخلوف -كل على حدة- للسيطرة على 14 غرفة قيادة تحت الأرض شيدت في الساحل من قبل النظام البائد في إطار خطة احتياطية لزعزعة استقرار العهد الجديد في دمشق والاستفادة من متغيرات دولية وإقليمية قد تحدث.
لا مبالغة بالقول إني وجدت مدينتي منهكة؛ فقد سقط ضحايا من قوات نفاذ القانون التي كانت تحمي التظاهرات المناهضة لحكومة دمشق، وسادت حالة من الخوف على الوحدة السورية وحالة من الخوف منها عند البعض، فضلاً عن الوضع الاقتصادي الذي لا يبشر بانتعاش قريب. ورغم حالة الهدوء بعد الانتشار الكثيف لقوات الأمن، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية والكهرباء، وإطلاق دفعات متتالية من المعتقلين الذين لم تثبت إدانتهم بأعمال إجرامية إبان الحرب، وصيانة البنية التحتية وفتح باب الاستثمارات للأماكن العامة لتوفير فرص عمل خارج إطار الجيش والمخابرات، إلا أن تعامل القائمين على إدارة المدينة والساحل تظل تحكمه "فوبيا" من استخدام هيبة الدولة مع التحركات التي تهدف لزعزعة الاستقرار، خشية اتهامها بالقمع أو استهداف المكون العلوي بعينه في ظل الإرث الثقيل لأحداث 8 آذار 2025.
رغم ذلك، فإن المشكلة ليست في التراخي الأمني بقدر ما تكمن في صعوبة فهم المسؤولين في الساحل للأسباب الحقيقية لما يجري، بالإضافة إلى اتهامات بأن لديهم صورة شديدة السلبية عن باقي مكونات الساحل، أكثرها تطرفاً أنها كانت حاضنة للنظام البائد؛ لذلك المطلوب نظرة موضوعية لكل المكونات، ومخاطبة زعامات ووجاهات غير تقليدية وغير مستفيدة من خسارة النفوذ، وإدارة الملف دون الانزلاق إلى صدامات أهلية. لعل زيارتي القادمة تكون وجهتها بغداد مروراً بحلب وشرق الفرات وقد تعافت، وأبعدنا كأس اليأس عن أيامنا.
ليفانت: أسامة أحمد نزار صالح
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

