-
الكوردي المكبل بغلال لغته وأعباء القهر!
ليس من العدل، ولا من الدقة العلمية أو الأخلاقية، أن نحمّل الفرد الكوردي مسؤولية ما نتج عن قرنٍ من سياسات الإقصاء والمنع والاقتلاع. فضعف حضور اللغة الكوردية في مؤسسات التعليم والبحث والإدارة ليس دليلاً على قصورٍ ذاتي، بل نتيجة مباشرة لممارسات اضطهاد قومي ممنهجة، مارستها دولٌ حديثة التشكّل سعت إلى بناء هويات أحادية على حساب التعدد التاريخي والثقافي.
اللغة حين تُقصى… يُقصى معها العقل الجمعي
اللغة ليست مجرد أداة تواصل يومي؛ إنها وعاء الفكر، ومختبر المفاهيم، وجسر الانتقال من التجربة الحسية إلى التجريد العلمي. حين تُمنع لغة ما من التعليم الرسمي، ومن الإنتاج المعرفي، ومن التداول الإداري، فإنها تُدفع قسراً إلى فضاء الاستخدام الشفهي المحدود.
في الحالة الكوردية، أدت عقود من الحظر والمنع والتتريك والتعريب والتفريس إلى تقليص المجال الحيوي للغة. أُغلقت المدارس، حُظرت الكتب، عُوقب التلاميذ على التحدث بلغتهم الأم. وهكذا لم يُسمح للغة أن تتراكم كمخزون معرفي حديث، ولم يُمنح المتحدث بها فرصة طبيعية لتطويرها في مجالات العلوم والفلسفة والتقنية.
لكن هذا الواقع لا يعني عجزاً جوهرياً في اللغة أو في أهلها؛ بل يعني ببساطة أن شروط التطور أُعيقت. كل لغة في العالم تحتاج إلى فضاء حر كي تتطور. واللغة التي تُحبس في دائرة الاستعمال المنزلي لا يمكنها أن تزدهر في المختبر والجامعة.

أثر الاضطهاد على البنية المادية للحياة
لم يكن الاستهداف لغوياً وثقافياً فحسب، بل مادياً أيضاً. حملات التهجير، مصادرة الأراضي، تدمير القرى، كما حدث في حملة الأنفال أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أو سياسات الإفقار المنهجي في مناطق واسعة، لم تُضعف فقط البنية الاقتصادية، بل ضربت الثقة المجتمعية وأضعفت القدرة على التخطيط طويل الأمد.
المجتمع الذي يُجبر على النجاة اليومية، يصعب عليه أن يستثمر في البحث العلمي أو في مشاريع ثقافية بعيدة المدى. حين تكون الأولوية للبقاء، يتراجع التفكير بالمستقبل. وهكذا يتشكل تفاوت بنيوي بين شعب يعيش في حالة دفاع دائم، وشعوب مجاورة تتوفر لها مؤسسات مستقرة ومسارات تنموية متراكمة.
الأثر الروحي والنفسي… ذاكرة مثقلة بالخوف
القمع المتكرر يترك أثراً عميقاً في الوعي الجمعي. الخوف من الإفصاح عن الهوية، الحذر في التعبير، الرقابة الذاتية، كلها تتحول إلى أنماط سلوك يومية. ينشأ جيلٌ يتعلم مبكراً أن الصمت أكثر أماناً من الجهر، وأن التكيف مع السلطة أولى من مواجهتها.
هذا لا يُنتج “ضعفاً ذهنياً”، بل يُنتج استراتيجيات بقاء. لكنه في الوقت نفسه يحدّ من المبادرة، ويجعل الطموح السياسي والثقافي محفوفاً بالمخاطر. ومع تراكم هذه الخبرات، تتقلص الثقة بالقدرة على التغيير، ويترسخ شعور بالعجز المكتسب.
تقليص رأس المال الثقافي
رأس المال الثقافي لا يُبنى فقط بالذكاء الفردي، بل بالبنية المؤسسية: مدارس بلغتك، جامعات تُدرّس تاريخك، مسارح وصحف ومراكز بحث مستقلة. حين تُحرم جماعة بشرية من هذه الأدوات، فإنها تدخل المنافسة الحضارية بأدوات منقوصة.
الكوردي الذي يُجبر على تلقي تعليمه بلغة أخرى قد ينجح فردياً، لكنه غالباً ما ينفصل معرفياً عن لغته الأم، فتظل الفجوة قائمة بين الثقافة الشعبية الشفوية والثقافة الأكاديمية المكتوبة. هذه الفجوة تُضعف انتقال المعرفة داخل المجتمع، وتحدّ من تراكمها.
هل يعني ذلك عدم الأهلية للحياة المدنية؟
الإجابة القاطعة: لا.
القدرات الذهنية ليست نتاج اللغة السائدة فقط، بل نتاج التجربة الإنسانية بأكملها. والتاريخ الكوردي حافل بأمثلة على إنتاج فكري وأدبي وسياسي رغم كل القيود. لكن الفارق يكمن في الكلفة. ما تحققه شعوب مستقرة عبر مسار طبيعي، يحققه الكورد غالباً عبر مسار شاق، مليء بالعقبات.
الاضطهاد لا يخلق إنساناً ناقصاً؛ بل يخلق بيئة تعيق اكتمال طاقته. وحين تتوفر شروط الحرية – كما أظهرت تجارب محدودة في بعض الفترات – تتسارع عملية البناء الثقافي والتعليمي بشكل لافت.
أثر ذلك على فرص التحرر والاستقلال
ضعف المؤسسات، تشتت الجغرافيا، والانقسام السياسي، كلها عوامل تتغذى على بيئة القمع الطويل. فالمجتمع الذي لم يُمنح فرصة تطوير مؤسساته الذاتية يجد نفسه أقل قدرة على بلورة مشروع تحرري موحد.
التحرر ليس فقط مسألة إرادة سياسية، بل مسألة بنية معرفية واقتصادية وثقافية قادرة على إدارة دولة حديثة. وعندما يُحرم شعب من هذه البنية لعقود، فإن فرصه في الاستقلال تتأخر، ليس لقصور فيه، بل لحرمانه من شروط التراكم.
من جلد الذات إلى فهم السياق
الخلل ليس في “الكوردي المكبل بلغته”، بل في القيود التي كُبّلت بها لغته ومجتمعه.
بدلاً من تحويل نتائج الاضطهاد إلى تهمة أخلاقية ضد الضحية، ينبغي قراءة الظاهرة بوصفها نتيجة بنيوية لسياسات إقصاء طويلة.
إن استعادة اللغة إلى فضاء التعليم والبحث، وبناء مؤسسات ثقافية مستقلة، وتعزيز الثقة بالذات الجمعية، ليست ترفاً ثقافياً، بل شرطاً ضرورياً لتحرير الإمكانات المعطلة.
فالشعوب لا تُقاس بما حُرمت منه، بل بما تستطيع أن تُنجزه حين تُتاح لها فرصة عادلة. والكوردي، كغيره من شعوب الأرض، لا يحتاج إلى إثبات أهليته للحداثة؛ بل يحتاج إلى فضاء حر يمكّنه من تحقيقها.
ليفانت: د. رضوان باديني
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

