-
قراءة في الرهان الخاسر على كسب الشرعية الخارجية
القراءة الواقعية لمشهد الصراع وظروفه المستجدة تفرض تناول تأثيرات منحة الصراع والآثار السلبية والكارثية الناتجة عنها على ساحات الصراع في الشرق الأوسط، ومن بينها سوريا.
المشهد الخطير لتكرار التهديدات الرسمية العلنية من قبل وزراء حكومة نتنياهو تجاه سوريا يوجب أخذ هذه التهديدات بجدية، والنظر في مدى خطورتها وتكرار توقيتها. تكمن خطورة هذه التهديدات في أن مصدرها مسؤولون رسميون ممن يشغلون مواقع مؤثرة في صناعة السياسة ورسم القرار في إسرائيل، وتبنّي سياسات حكوماتها، ولا سيما حكومة يُنظر إليها على أنها من الأشد استعداداً لخوض صراع عسكري على جبهات متعددة خارج حدود إسرائيل، مع رفع سقوف التهديد العلنية بإحداث تغيّر في خرائط المنطقة وتنفيذ مشاريع إسرائيلية مؤجلة.
الواقعية السياسية تقتضي التفكير المنطقي في تأثير هذه التطورات على مشهد الصراع في سوريا والشرق الأوسط عموماً، في ظل مرحلة مفصلية من آليات الصراع. إن تكرار تهديد وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين، وتأكيده أن إسرائيل سترد بالمثل على أي تحرّك عسكري تركي في سوريا، وأن كل قاعدة تركية ستُقابل ببناء قاعدة إسرائيلية داخل سوريا، يعكس بعداً خطيراً. السلبية هنا أيضاً تكمن في عدم استيعاب بعض النواة الصلبة المحسوبة على محيط السلطة في دمشق لهذا المشهد السياسي والأمني، عبر قراءة بعيدة عن الواقعية السورية والإصرار على التقليل من جدية هذه التهديدات ومخاطرها على بنية النظام في سوريا.
من أخطاء هذه النواة الاعتماد المستمر على رهانات فاشلة، كمراهنة بعضهم على خسارة حكومة نتنياهو في انتخابات إسرائيل المقبلة، وهو رهْن أثبت فشله تاريخياً. هذا الرهان يعيد رسم مشهدٍ ظَلّ محفوراً في أذهان السوريين، مرتبطاً بسياسات إنكار المشكلات واستخدام القمع كحل، مما أوصل البلاد إلى قتل شعبها وتشريدهم تبريراً للفشل والخوف والعجز عن مواجهة إسرائيل. التاريخ يذكر أن رهانات مماثلة لم تغير الأمر؛ نتنياهو بقي في الحكم لأطول فترة، وذاقت الشعوب نتائج إخفاقات تلك السياسات.
القضية الثانية تتعلق بالشرعية: يجب أن تكون الشرعية مصدرها الشعب داخلياً، عكس ما شهدناه من محاولات رهن سوريا لشرعيات خارجية بهدف تثبيت أركان نظام الحكم. هذا الركن الخارجي لم ينقذ النظام من خسائره، بل زاد من معاناة السوريين الذين دفعوا ثمناً باهظاً من قتل وتشريد. التصريحات الإسرائيلية التي تحدثت عن تغيّر النظام في سوريا تؤكد أن الرهان على الخارج رهانٌ خاسر.
محاولة كسب شرعية خارجية على حساب الشرعية الداخلية يعزز الشمولية والديكتاتورية والإقصاء، ويعمّق المركزية في الحكم، مستخدماً دعم الخارج وقمع الداخل كآليات لتعزيز السيطرة، وهو ما تجلى في جرائم ارتُكبت بحق السوريين. من هنا تأتي أهمية تأكيد أن تضحيات السوريين لا يجوز رهنها لمصالحٍ خارجية، وأن تجنيب سوريا الدخول في صراعات إقليمية ووكالاتية يلزم لتجنب نتائج كارثية على الأرض والشعب.
الرهان الصحيح يكمن في كسب الشرعية الداخلية عبر مختلف طبقات ومكونات الشعب السوري، وبناء سوريا الحديثة الديمقراطية التعددية اعتماداً على السوريين أنفسهم عبر الوحدة والتكاتف والمحبة والإصرار على إعادة البناء. يجب الانطلاق من الواقعية السياسية وتجارب الحكم والصراع في المنطقة، والابتعاد عن رهانات فاشلة على الخارج. من الضروري أيضاً تجاوز الأبواق ومنصات الترند التي روّجت لهذه الرهانات على أنها نجاحات.
لابد من مراعاة امتصاص الضغوط الإقليمية واستثمار ما يمكن من فرص في خدمة إعادة بناء سوريا ولمّ شمل السوريين، وتوفير المناخ الملائم لعودة النازحين عبر خطط واقعية تشجع الاستثمار السوري، وتنظيم مؤتمر حوار وطني يجمع السوريين لوضع تقييم موضوعي للوضع وتقديم حلول، وتسخير الكفاءات لخدمة إعادة الإعمار، مع مراعاة مبدأ أن سوريا لكل أبنائها بلا إقصاء أو تهميش. القرار الاستراتيجي يجب أن يُرسم داخل سوريا ليحفظ سيادتها ويمنع جعلها رهينة لمصالح ضيقة إقليمية.
الرهان الحقيقي هو على السوريين؛ حينها ستجد الدولة أن كل أبنائها المخلصين من مختلف الفئات والمكونات سيكون ولاؤهم وانتماؤهم لسوريا، ويدافعون عنها ويبذلون الغالي والنفيس في سبيل إعادة إعمارها.
ليفانت: عبداللطيف محمد أمين موسى
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

