الوضع المظلم
الإثنين ١٩ / يناير / ٢٠٢٦
Logo
  • من "منحة" الاستبداد إلى "حق" المواطنة: الإدراج الدستوري هو الشرط

  • ​قراءة في مرسوم التجنيس (13) وإعادة صياغة الهوية السورية
من
أحمد منصور

بقلم السياسي والإعلامي :أحمد منصور.

​بينما تقف سوريا على أعتاب مرحلة انتقالية مفصلية، يتجاوز مفهوم السيادة حدود السيطرة العسكرية ليلامس جوهر العقد الاجتماعي. إنّ الانتقال من عهد الاستبداد الذي اعتمد "المنحة" وسيلة للسيطرة، إلى عهد المواطنة الذي يرسخ "الحق" كأصل دستوري، يمثل حجر الزاوية في بناء الدولة الجديدة التي يطمح أليها ملايين السوريون وذلك رغم ما تعانية هذه المرحلة من إستعصاءات توصف في التفرد بالقرارات أو التمكين لطرف واحد على حساب بقية شركاء الوطن السوري،وفي هذا السياق، يمثل مرسوم التجنيس رقم (13) لعام 2026، الصادر عن رئيس السلطة الانتقالية، أحمد الشرع، نقطة تحول إيجابية في المشهد السياسي السوري، متجاوزًا بذلك تاريخًا طويلًا من الإقصاء الممنهج. وهذا يثير تساؤلاً حول إمكانية التنبؤ بتغيير جوهري في توجهات السلطة المؤقتة نحو تفعيل إطار التوسعة التشاركية والتعددية في سوريا.

ضمن هذا التصور، أرى أنه من الضروري أن تدرك السلطة الانتقالية والنخب وأفراد ومكونات المجتمع السوري الحقيقة التاريخية، وهي أن سوريا تشهد حاليًا مرحلة مفصلية نحو "التأسيس الثاني"؛ حيث تجاوز الصراع مجرد تغيير الأشخاص ليصبح صراعًا هوياتيًا يستلزم إعادة تعريف العقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بمواطنيها.
وفقًا لهذا التصور، يمكن تحليل التطورات السياسية والعسكرية وتأثيراتها الاستراتيجية كـالتالي :

​أولاً: مقاربة التكتيك مقابل الاستراتيجية (2011 vs 2026)
​للمقارنة بين مرسوم الرئيس الفار بشار الأسد (49/2011) ومرسوم السيد أحمد الشرع (13/2026)، يجب أن ننظر إلى "النوايا السياسية" و"الأثر الحقوقي":
_​صدر مرسوم 2011 ضمن مفهوم التذاكي (مناورة البقاء): إذ كان مرسوماً "إسعافياً" صدر تحت ضغط الشارع الثائر؛ حيث تعامل الأسد مع الكرد ككتلة يمكن "شراؤها" أو تحييدها. لقد كان مرسوماً منقوصاً، منح الجنسية لـ "أجانب الحسكة" واستثنى "المكتومين" (الفئة الأكثر تضرراً)، وظلت الهوية الكردية في نظره "تهمة" أو "ملفاً أمنياً".

_​جاء مرسوم 2026 ليحاكي منطق المجتمع في أشد الأحتياج له (بناء الدولة): حيث ينطلق هذا المرسوم من فلسفة ذهنية سائدة "المواطنة الكاملة"؛ فهو لا يمنح "منة" بل يسترد "حقاً مسلوباً". وبشموله لمكتومي القيد، ينهي المرسوم أكبر عملية إبادة مدنية في تاريخ المنطقة للمكون السوري الكوردي. يتجاوز الأثر المترتب على هذا الإجراء الجانب الرسمي ليشمل الاعتراف الرمزي؛ حيث أن اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية وعيد النوروز عطلة رسمية، بالإضافة إلى الإنصاف السياسي، يمثل إيذانًا بنهاية حقبة "سوريا البعثية" الضيقة. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل هذا التطور حجر أساس يرسخ دعائم ولادة "سوريا الجامعة" في حال استجابت السلطة الإنتقالية للضرورة الوطنية بإطلاق عملية تصالحية وطنية واسعة متجاوزة بذلك فكرة ( من يحرر يقرر ).

​ثانياً: مفهوم السيادة.. ولماذا الآن؟
​بينما يسوق قادة السلطة الإنتقالية على أنها تُفتح أبواب دمشق للمواطنة، تُفتح جبهات القتال في ريف الرقة وحلب (الطبقة، دير حافر، مسكنة). إن انطلاق العمليات العسكرية بين الجيش السوري تحت قيادة السلطة الانتقالية- وقوات "قسد" ليس مجرد نزاع حدودي، بل هو صراع على مفهوم الدولة ووفق الآتي :
_​وحدة الموارد والقرار: تعتبر السلطة الانتقالية أن الأصول الاستراتيجية (مطار الطبقة، سد الفرات، كما يشمل ذلك حقول النفط والغاز والقمح وعيرهما في مناطق شمال شرق سوريا) هي أصول وطنية لا تقبل القسمة؛ والسيطرة عليها تعني إفشال أي مشروع "دويلة" اقتصادية في الشرق سواء كان هذا المشروع قائم أو أنه مجرد فكرة متداولة.
_​ملء الفراغ السيادي: يسعى الجيش السوري لإثبات أنه القوة الوحيدة المخولة بحماية الحدود وبسط الأمن، لقطع الطريق على التدخلات الدولية.
_​فك الارتباط بين "الحقوق" و"الانفصال): تهدف السلطة من خلال التزامن بين (المرسوم) و(المعركة) إلى إرسال رسالة مفادها: "سنعطيكم كامل حقوقكم الحقوقية والإنسانية كمواطنين، لكننا لن نسمح بانتزاع شبر واحد من الأرض خارج سيادة الدولة".

​ثالثاً: وهنا يكمن السؤال الأهم : هل تنهي هذه الخطوات "المسألة الكردية"؟
من وجهة نظري أن ​المسألة الكردية في سوريا هي قضية وجود ومشاركة وأمان:
_​على صعيد الاستقرار: تسحب هذه المراسيم "الشرعية الأخلاقية" من أي حراك انفصالي؛ فالمواطن الكردي الذي استرد جنسيته وشعر بالندية في دمشق، سيجد مصلحته في "دولة قوية" تحميه وهذا يتطلب تفعيله ووفق إطار قانوني وإجراء إدارية أيجابية تساهم في تطبيق هذا المرسوم حيث لا يوجد تعطيل أو مماطلة أو إنكار.
_​تفكيك الذهنية الإقصائية: يرسخ المرسوم في "الشارع العربي" فكرة أن الكردي شريك في الأرض والتاريخ، وليس "ضيفاً" أو "دخيلاً" وهذا يجب أن يشمل جميع المكونات والتكوينات من أبناء المجتنع السوري الواحد.

ووفق السياقات السابقة يجد القارئ انه أمام خلاصة استراتيجية قابلة للنقاش والحوار:
​إن مرسوم التجنيس بالأمس هو "القوة الناعمة" التي تمهد الطريق لانتصار "القوة الخشنة" في معارك السيادة اليوم، ولكن بذات الوقت الاستقرار لن يتحقق بالدبابات وحدها، بل بالعدالة والدستور والحقوق والإنسانية والقانون والتشاركية والتعددية هي التي تجعل ليس فقط "الطبقة" و"القامشلي" مسؤولية الكردي والعربي على حد سواء، تحت راية وطنية واحدة بل كل سوريا.
​يتطلب هذا من السلطة الانتقالية الشجاعة لإطلاق مصالحة وطنية شاملة، وإقرار قانون الأحزاب، وصياغة عقد اجتماعي جديد يضمن ويصون ويحمي حقوق الجميع دون قيود مسبقة، وبمشاركة السوريون في الداخل والخارج.
​ختاماً، إن الانتقال بسوريا من مرحلة "إدارة الأزمة" إلى رحاب "الدولة المستقرة" يبدأ من الاعتراف المتبادل بين الدولة والمواطن. إن مرسوم التجنيس رقم (13) ليس مجرد تصحيح لخطأ تاريخي، بل هو حجر الأساس في بناء السيادة الوطنية؛ فالدولة التي تمنح مواطنيها كرامتهم هي الوحيدة التي تستحق أن يذودوا عن حدودها. لقد آن الأوان لتدرك السلطة الإنتقالية و كافة القوى الوطنية أن العدالة الإنسانية والاجتماعية والقانونية هي الضمانة الوحيدة لبقاء سوريا وطناً نهائياً لجميع أبنائه، تحت راية الدستور والقانون لا تحت سلطة المنحة.

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!