-
من الفخ اللغوي إلى سلب المصير
ليس من قبيل المصادفة الفكرية أو الممارسة اللغوية العفوية أن يتسلل مصطلح (المجتمع) ليحل محل مصطلح (الشعب) في أدبيات الخطاب السياسي المعاصر المتعلق بالقضية الكوردية؛ فالفرق هنا ليس تمحيصًا لغويًا أو ترفًا مفاهيميًا، بل هو صراع جذري على شرعية الوجود والسيطرة وتحديد أفق الحقوق.
إن مصطلح (الشعب) يتجاوز مجرد التجميع السكاني ليصبح مقولة سياسية وحقوقية وازنة، تتصل بصورة مباشرة بالحقوق الجماعية غير القابلة للترخيص، وعلى رأسها حق تقرير المصير والنفاذ إلى الجغرافيا بصفتها أرضًا تاريخية.
أما مقولة (المجتمع)، في سياق وظيفتها السياسية المُوجَّهة، فتُستدعى لتخفيض السقف وإعادة تأطير الكتل البشرية باعتبارها مجرد شريحة أو فئة سكانية تصادف وجودها ضمن حدود دولة قائمة، محاصرةً حقوقها في الهامش الخدمي أو التسامح الثقافي واللغوي المحدود.
ورغم أن الاعتراف بكون الجماعة (شعبًا) لا يعني آليًا حتمية الانفصال أو الاستقلال السياسي المباشر، إلا أن الإصرار على نزع هذا الوصف واستبداله بـ(المجتمع) يُمثّل إستراتيجية ممنهجة لتقزيم قضية قومية وسياسية كبرى، وتحويلها من قضية أرض وسيادة ومصير إلى مجرد مطالب اجتماعية وثقافية يمكن احتواؤها بالتفتيت وإرضائها بالفتات.
لتفكيك هذه الإشكالية، ينبغي العودة إلى الأبعاد التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي تُشَكِّل فلسفة المصطلحين وتحدد المسافة بينهما.
تاريخيًا، تشكَّل مفهوم (الشعب) عبر سيرورة طويلة ناضلت فيها الجماعات البشرية لإثبات وجودها على أرض جغرافية متصلة ومحددة، وصياغة هويتها عبر مقاومة الاستعمار والتهميش والإنكار، حيث يمثل الشعب ذاتًا تاريخية تمتلك الذاكرة المشتركة وإرادة العيش السياسي المتكافئ.
سياسيًا، تُلقي أدبيات القانون الدولي بظلالها الثقيلة على هذه التفرقة؛ إذ تُقر المواثيق الدولية للشعوب بوجودها القانوني والسياسي الناجز وبحقها الأصيل في إدارة شؤونها واستغلال ثرواتها وتحديد شكل حكمها، بينما ينصرف مفهوم (المجتمع) في العلوم السياسية والاجتماعية إلى شبكة من العلاقات والأفراد والتنظيمات المدنية التي تعيش تحت مظلة سيادة وطنية واضحة، حيث تدور حقوقها في فلك المواطنة الفردية الممنوحة من سلطة مركزية.
واجتماعيًا وثقافيًا، يعكس (الشعب) بناءً متكاملاً يربط بين اللغة والذاكرة والمصير المشترك والجغرافيا الموحدة، في حين يُقزم (المجتمع) التمايز القومي إلى مجرد تنوع فولكلوري أو تعددية إثنية تُدار بأساليب التسامح المشروط، دون التزام الدولة القائمة بتقديم ضمانات سياسية تجسد هذا التمايز في هياكل الحكم والسيادة.
ضمن هذه المعادلة المفاهيمية الصارمة، تتجلى وضعية الكورد بوضوح لا يقبل اللبس: إن الكورد، بالمعايير التاريخية واللغوية والثقافية والجغرافية، هم (شعب) تعرّضت أرضه للتقسيم وقضيته للإنكار ومقدراته للاغتصاب عبر تحالفات ومقاسَمات سياسية جائرة؛ هم أمة تمتلك كافة مقومات الكيان القومي المتكامل الذي جُرّد من حقه الطبيعي في التعبير السياسي الحُر على أرضه التاريخية. غير أن الدول التي تقاسمت كوردستان تعاملت دائمًا مع هذه الحقيقة بحذر وتوجس شديدين، فلجأت عقودًا طويلة إلى إنكار وجود هذا الشعب عبر الإبادة الشاملة والذوبان القسري.
وعندما اصطدمت تلك السياسات العنيفة بصمود الحركة الوطنية الكوردية واستعصائها على المحو، انتقلت تلك الأنظمة إلى إستراتيجية أكثر دهاءً تتمثل في التلاعب اللغوي والمفهومي؛ فاستبدلت مقولة (الشعب الكوردي) بمصطلحات احتوائية من قبيل (المجتمع الكوردي) أو (أقليات الدولة)، واضعةً ذلك ضمن غلاف براق يُدعَى (إخوة الشعوب) أو (المواطنة الجامعة).
إن هذه الترسانة المفهومية لم تكن يومًا بريئة أو مدفوعة برغبة حقيقية في التعايش، بل كانت محاولة لإفراغ القضية الكوردية من مضمونها السيادي والحقوقي، وإجبار الكورد على القبول بموقع الجماعة الساكنة التي تستجدى التسامح، بدلاً من الذات السياسية الناجزة التي تطالب بحقوقها المغتصبة.
إن الفاجعة الأكبر والأكثر إيلامًا في هذه الصيرورة لا تقف عند حدود ما تمارسه سلطات الهيمنة المركزية، بل تمتد إلى السلوك السياسي للعديد من الأحزاب والحركات السياسية الكوردية ذاتها، التي سقطت في فخ هذا التلاعب أو وظفته طوعًا لاعتبارات أيديولوجية ومصلحية ضيقة. فلجأت بعض هذه الأحزاب، تحت ذرائع ومظلات شتى مثل (أخوة الشعوب) و(الأمة الديمقراطية) و(المواطنة المتساوية)، إلى إسقاط مصطلح (الشعب الكوردي) وتداول مصطلح (المجتمع الكوردي) في خطابها الرسمي وأدبياتها السياسية.
وبهذا التماهي، أسهمت هذه القوى في إعادة صياغة الوعي الجمعي الكوردي وتخديره، عبر إيهامه بأن الحقوق الثقافية والخدمية والإدارة المحلية هي أقصى ما يمكن نيله، متنازعةً بذلك عن المركز القانوني والسياسي الشامل للقضية الكوردية.
إن هذا الانزلاق المفهومي من قِبل النخب الكوردية يُعد بمثابة تنازل مجاني عن الإرث النضالي وشطب متدرج لمضمون القضية، حيث يتم تحويل كوردستان من جغرافيا تاريخية لشعب مُستلَب الأرض والسيادة إلى مجرد مساحة سكنية يقطنها مجتمع يكتفي بالعيش كدرجة ثانية تحت رحمة الأنظمة المهيمنة.
إن التساؤل المُلِحّ الذي يفرض نفسه أمام هذا الواقع هو: هل يُعد اختيار مصطلح (المجتمع) ومحاربة مصطلح (الشعب) سلوكًا لغويًا عابرًا، أم أنه خطة ممنهجة لتصفية القضية الكوردية سيكولوجيًا وسياسيًا؟ إن الحقيقة الشاخصة تؤكد أن الهندسة اللغوية في الخطاب السيادي ليست ترفًا، بل هي أداة هيمنة فائقة الخطورة.
إن استبدال الشعب بالمجتمع ليس سوى محاولة ناعمة لتقليص سقف التطلعات السياسية للشعب الكوردي، ونزع الغطاء الحقوقي عن قضيته، وإبقائه رهين معادلة العيش المذل بصفة (مواطنين من الدرجة الثانية) يُسمَح لهم بممارسة بضع طقوس فولكلورية والتحدث بجماليات لغتهم، شريطة ألا يطالبوا بالأرض أو بالسيادة أو بحق تقرير المصير.
ومن هنا، فإن أولى خطوات الاسترداد السياسي والفكري للحقوق الكوردية تبدأ من التمسك الحازم بالدلالة القانونية والتاريخية لمصطلح (الشعب الكوردي)، ورفض كافة أدبيات التضليل التي تحاول صهر هذا الوجود القومي في قالب مجتمعي ضيق يسلب الأمة أرضها ومستقبلها.
ليفانت: نوري بيخالي
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

