-
1957: عام ولادة أول حزب كردي في سوريا
بعد استقلال سوريا عن الانتداب الفرنسي عام 1946 دخلت البلاد مرحلة سياسية شديدة الاضطراب اتسمت بكثرة الانقلابات العسكرية وتبدل الحكومات، وفي هذا السياق بدأت تتشكل ملامح الحياة الحزبية الحديثة في سوريا مع صعود تيارات قومية كبرى كان أبرزها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي أسسه ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، والذي رفع شعار “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة” وقام على مبادئ الوحدة والحرية والاشتراكية، وهو ما جعل فكرة القومية العربية تهيمن على جزء كبير من المشهد السياسي والفكري في تلك المرحلة، في حين كانت تيارات أخرى مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه أنطون سعادة تطرح تصورات مختلفة للهوية والانتماء تقوم على مفهوم “سوريا الكبرى” بعيداً عن التقسيمات العرقية والدينية.
في ظل هذا المناخ السياسي والفكري المعقد، ومع شعور قطاعات من النخب الكردية في سوريا بتزايد التهميش الثقافي والسياسي، بدأ عدد من المثقفين والناشطين الكرد في دمشق وحلب ومنطقة الجزيرة السورية بعقد اجتماعات ونقاشات غير علنية حول ضرورة تنظيم العمل السياسي الكردي بشكل مؤسساتي، خاصة في ظل غياب تمثيل سياسي واضح يعبر عن الهوية الكردية ضمن الدولة السورية الحديثة، ومع تزايد النقاش حول القومية والهوية في المنطقة برزت الحاجة إلى إطار سياسي كردي منظم قادر على التعبير عن المطالب الثقافية والسياسية ضمن حدود العمل السلمي.
وبنتيجة هذه التطورات، وفي 14 حزيران/يونيو 1957، تم الإعلان في مدينة حلب عن تأسيس أول حزب سياسي كردي منظم في سوريا تحت اسم الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، والذي عُرف لاحقاً بالحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا، وقد تشكلت نواته الأولى من مجموعة من المثقفين والناشطين الكرد الذين جمعوا بين النشاط الثقافي والعمل السياسي، وكان من أبرزهم عثمان صبري الذي أصبح أول أمين عام للحزب وهو شاعر وكاتب وناشط سياسي بارز، وعبد الحميد درويش وهو مثقف سياسي درس القانون، ونور الدين ظاظا وهو مفكر وأكاديمي كردي، إضافة إلى حمزة نويران ورشيد حمو ومحمد علي خوجة وخليل محمد وشوكت حنان نعسان ومحمد عيسى ملا محمود، حيث مثّل هؤلاء النواة التأسيسية الأولى التي وضعت اللبنات التنظيمية والفكرية للحزب في بداياته.
وفي تلك المرحلة كان جلال طالباني موجوداً في سوريا وشارك في الأوساط السياسية الكردية والنقاشات الفكرية التي كانت تدور حول القضية الكردية، إلا أنه لم يكن ضمن اللجنة التأسيسية الأولى للحزب ولم يوقع على بيان تأسيسه، رغم أنه يُذكر في بعض الروايات كأحد الشخصيات التي كان لها حضور وتأثير في البيئة السياسية الكردية آنذاك، بينما بقي التأسيس الرسمي محصوراً بالمجموعة التي أعلنت الحزب في حلب عام 1957.
ومع إعلان الحزب بدأ مسار جديد في تاريخ الحركة السياسية الكردية في سوريا، حيث أصبح هذا التنظيم أول إطار سياسي كردي حديث يسعى إلى التعبير عن حقوق الكرد الثقافية والسياسية ضمن الدولة السورية، وقد واجه الحزب لاحقاً ظروفاً سياسية صعبة مرتبطة بالقيود الأمنية والانقسامات الداخلية والتغيرات الإقليمية، إلا أنه ظل أحد أبرز مكونات الحركة السياسية الكردية في سوريا واستمر في لعب دور سياسي داخل المشهد الكردي حتى العقود اللاحقة، ليشكل عام 1957 بذلك نقطة تحول أساسية في انتقال العمل الكردي من النشاط الثقافي والاجتماعي إلى العمل السياسي المنظم الذي استمر تأثيره حتى اليوم.
ليفانت: سردار شريف
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

