الوضع المظلم
الخميس ١٩ / مارس / ٢٠٢٦
Logo
  • إيران بين شبح الحرب وخيار التغيير الداخلي: لماذا ترفض المقاومة الإيرانية التدخل العسكري الخارجي؟

  • موقف مبدئي: التغيير لا يُستورد من الخارج
إيران بين شبح الحرب وخيار التغيير الداخلي: لماذا ترفض المقاومة الإيرانية التدخل العسكري الخارجي؟
عبدالرزاق الزرزور

في لحظة إقليمية تتسم بتصاعد التوترات العسكرية وتزايد الحديث في الأوساط الدولية عن سيناريوهات المواجهة مع النظام الإيراني، تبرز رؤية مختلفة تتبناها المقاومة الإيرانية.  فبدلاً من التعويل على التدخل العسكري الخارجي كوسيلة لإحداث تغيير سياسي، تؤكد المقاومة أن مصير إيران يجب أن يُحسم داخل إيران نفسها.

هذا الموقف عبّرت عنه بوضوح السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة لـ المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، في تصريحات أكدت فيها أن التغيير في إيران لا يمكن أن يكون نتيجة تدخل عسكري خارجي. ووفق هذا التصور، فإن أي تحول سياسي مستدام لا بد أن يكون ثمرة إرادة شعبية منظمة قادرة على إعادة تشكيل النظام السياسي من الداخل.

وتقول رجوي في هذا السياق:

"لدينا موقف مبدئي أكدنا عليه دائماً: التغيير في إيران لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الشعب الإيراني والمقاومة المنظمة. لا حاجة لوجود قوات أجنبية على الأراضي الإيرانية. الشعب الإيراني هو من يجب أن يقرر مصيره بنفسه".

 

الرهان على المجتمع الإيراني: ديناميات التغيير من الداخل

تعكس هذه المقاربة فهماً استراتيجياً لطبيعة الصراع السياسي داخل إيران. فالمقاومة الإيرانية ترى أن التغيير الحقيقي لا يُفرض بالقوة العسكرية من الخارج، بل يتشكل عبر تراكم الضغوط الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع نفسه.

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت إيران موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية التي كشفت عمق الأزمة البنيوية التي يواجهها نظام ولاية الفقيه.  فقد ترافقت الأزمات الاقتصادية الحادة مع تصاعد السخط الشعبي على الفساد والقمع السياسي، ما أدى إلى توسع دائرة الرفض المجتمعي للنظام.

في هذا السياق، ترى المقاومة أن وحدات المقاومة داخل البلاد والاحتجاجات المتنامية تمثلان مؤشرات على تحول تدريجي في ميزان القوى الداخلي. فبدلاً من انتظار عامل خارجي حاسم، يجري التركيز على بناء دينامية تغيير وطنية قادرة على تقويض شرعية النظام من الداخل.

 

التجارب الإقليمية: كلفة التدخل العسكري الخارجي

إحدى الركائز الأساسية في موقف المقاومة الإيرانية هي القراءة الواقعية لتجارب التدخل العسكري في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية. فقد أظهرت تلك التجارب أن التدخلات العسكرية الأجنبية غالباً ما تؤدي إلى تفكيك الدول وإطالة أمد الأزمات بدلاً من حلها.

ومن هذا المنظور، ترى المقاومة أن أي تدخل عسكري في إيران قد يؤدي إلى نتائج عكسية، بما في ذلك تعزيز خطاب النظام القائم حول "التهديد الخارجي"، وهو خطاب استخدمه النظام مراراً لتبرير القمع الداخلي وحشد أنصاره.

لذلك، فإن رفض التدخل العسكري لا يعكس فقط موقفاً سياسياً، بل يمثل أيضاً استراتيجية لتجريد النظام من إحدى أهم أدواته الدعائية، عبر إبقاء الصراع في إطاره الداخلي بين الشعب والنظام.

 

خارطة طريق سياسية: الانتقال الديمقراطي من الداخل

لا يقتصر طرح المقاومة الإيرانية على رفض التدخل العسكري، بل يترافق مع رؤية سياسية متكاملة للمرحلة الانتقالية.  فالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يدعو إلى إقامة حكومة مؤقتة لفترة محدودة عقب سقوط النظام، تكون مهمتها الأساسية إدارة عملية الانتقال السياسي.

وتتضمن هذه المرحلة تنظيم انتخابات حرة لتشكيل مجلس تأسيسي يتولى صياغة دستور جديد يكرّس مبادئ الديمقراطية وفصل الدين عن الدولة واحترام حقوق الإنسان. وبعد إقرار الدستور، يتم نقل السلطة إلى مؤسسات منتخبة تمثل الإرادة الشعبية.

هذه الخطة، كما تؤكد قيادة المقاومة، تهدف إلى ضمان انتقال سياسي منظم يمنع الفراغ السلطوي ويحافظ على وحدة الدولة الإيرانية واستقرارها.

 

صراع داخلي على مستقبل إيران

في ضوء هذه الرؤية، يتضح أن الصراع حول مستقبل إيران لا يختزل في مواجهة بين تدخل خارجي ونظام قائم، بل يتمثل أساساً في صراع داخلي بين مجتمع يسعى إلى التغيير ونظام يرفض التخلي عن السلطة.

فالنظام القائم، الذي يواجه أزمة شرعية متفاقمة، يعتمد بشكل متزايد على أدوات القمع للحفاظ على بقائه. في المقابل، تراهن المقاومة الإيرانية على تصاعد الوعي السياسي داخل المجتمع الإيراني وعلى قدرة قوى المعارضة المنظمة على تحويل هذا الوعي إلى مشروع سياسي بديل.

 

خلاصة استراتيجية: طريق التغيير يمر عبر الإيرانيين أنفسهم

في نهاية المطاف، يشكل موقف المقاومة الإيرانية من التدخل العسكري الخارجي جزءاً من رؤية استراتيجية أشمل لمستقبل إيران. فالتغيير الذي يُفرض من الخارج غالباً ما يفتقر إلى الشرعية الداخلية، بينما التغيير الذي تقوده القوى الوطنية يمتلك فرصاً أكبر للاستمرار والاستقرار.

ولهذا تؤكد مريم رجوي أن الطريق نحو إيران ديمقراطية لن يمر عبر الجيوش الأجنبية، بل عبر إرادة الشعب الإيراني وتنظيمه السياسي وقدرته على فرض التغيير من الداخل.

وبينما يستمر الجدل الدولي حول السيناريوهات المحتملة لمستقبل إيران، تطرح المقاومة الإيرانية معادلة مختلفة:  التغيير ليس مسألة تدخل عسكري، بل مسألة إرادة شعبية منظمة قادرة على إنهاء حكم الملالي وبناء نظام ديمقراطي جديد.

عبدالرزاق الزرزور محامي و ناشط  حقوقي سوري

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!