الوضع المظلم
الخميس ٠٧ / مايو / ٢٠٢٦
Logo
اقتصاد الهُدن هل يتكرر التاريخ؟!
إبراهيم جلال فضلون

ا. د. إبراهيم جلال فضلون

بأيدينا لا تزال على الزناد، هكذا ردّ مجلس الأمن القومي الإيراني بقبولٍ مشروط، محذرًا، بعد جملة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأنه "يوم عظيم للسلام العالمي"، بين هاتين الجملتين "يوم السلام والزناد" تختبئ حقيقة المشهد بأكمله: تهدئة تقف على حافة سكين الجزار، يباركها من يصنعها بينما يستعد لنقضها، ففي كل هدنةٍ قصيرة، تختبئ حربٌ مؤجلة… أو سلامٌ لم يُكتب له أن يولد بعد، لكن هل هذا المشهد جديد على المنطقة؟ أم أنه تكرار لنمط تاريخي مكرر، يُعاد إنتاجه بأزياء مختلفة وممثلين جدد فوق خشبة المسرح ذاتها؟

ليست هذه التهدئة الأسبوعية حدثًا استثنائيًا في تاريخ الصراعات، لكنها تحمل ملامح لحظةٍ حرجة تتكرر فيها الأسئلة ذاتها: هل نحن أمام فرصة لالتقاط الأنفاس تمهيدًا للتسوية، أم مجرد إعادة ترتيب للأدوات قبل جولةٍ أكثر قسوة؟ الإجابة لا تُقرأ من البيانات الرسمية، بل من مقارنة هذه الهدنة بسابقاتها، حيث يكشف التاريخ ببرودٍ قاسٍ أن الهدوء غالبًا ما يكون جزءًا من الحرب، لا نقيضها، ولا بد من العودة إلى ذاكرة الهُدَن في هذه المنطقة الملتهبة، وقراءة ما بين سطور التاريخ قبل الانبهار بعناوين اليوم.

أوّلًا: ماذا يقول الميدان؟ ما جرى فجر ٨ أبريل ليس مجرد إعلان دبلوماسي، بل هو نتاج مواجهة عسكرية مباشرة وحادة بدأت بإغراق فرقاطة إيرانية في المحيط الهندي، ومرّت بقصف إسرائيلي لمخازن وقود في قلب طهران، وانتهت بإغلاق إيران مضيق هرمز الشريان الذي يمر عبره نحو خُمس نفط العالم، والهدنة الحالية شملت مقترحًا من عشر نقاط، أبرزها: (ضمانات أمريكية بعدم الاعتداء، رفع شامل للعقوبات، القبول بالتخصيب النووي، دفع تعويضات لإيران، خروج القوات الأمريكية من المنطقة، ووقف الحرب على جميع الجبهات بما فيها لبنان)، لكن الشقوق ظهرت فورًا: إسرائيل أعلنت صراحة أن الهدنة لا تشمل لبنان.

إن الهدنة الحالية في ميزان التاريخ قابلت هُدَن قد صنعت وهمًا، في مقارنة تاريخية لا تُخطئها العين، وعند تفكيك طبيعة هذه التهدئة، نجد أنها لا تختلف كثيرًا عن أنماط سابقة:

هدنة كوريا ١٩٥٣وهي الحرب التي لم تنتهِ منذ ٧٣ عامًا، حيثُ قال الرئيس الكوري الجنوبي سينغمان ري في اليوم التالي: "هذه الهدنة ليست سوى هدنة مؤقتة، وليست سلامًا. القضية الكورية لا يمكن حلّها بالوسائل السلمية"، ومع ذلك، لم يحاول بعدها عرقلة الاتفاق.

هدنة لبنان ٢٠٠٦ (القرار ١٧٠١): النموذج الأكثر فجاجة للفشل، فجاءت فترات التهدئة القصيرة خلال الأسابيع الأولى كفرص لإعادة التموضع، قبل أن تتوسع العمليات حتى فرض وقف إطلاق نار دولي. لم تكن تلك الفواصل تعبيرًا عن رغبة في السلام، بل عن عجز مؤقت عن الحسم.

الحرب العراقية–الإيرانية  (1980–1988)، شهدت الجبهات فترات خفض تصعيد غير معلنة، استُخدمت لإعادة بناء القدرات. لم تنهِ الحرب إلا بعد إنهاك اقتصادي هائل للطرفين، حيث تجاوزت الخسائر حينها مئات المليارات من الدولارات.

هدنة أكتوبر ١٩٧٣: حين تحوّل وقف النار إلى مسار سياسي، فالهدنة التي تُتبع بمسار سياسي جاد وتنازلات متبادلة يمكن أن تصنع سلامًا. أما الهدنة التي تُتبع بمراوغة وإعادة تسلّح، فلا تصنع إلا حربًا مؤجلة.

أما في دورة الهُدَن الإسرائيلية-الحمساوية: التاريخ الذي يلدغ من الجُحر ذاته فجولات غزة المتكررة (2008–2023)، كانت الهدن تُعلن لأيام أو أسابيع، لكنها غالبًا ما استُخدمت لإعادة التسلح وإصلاح البنية القتالية. والنتيجة: تكرار الصراع بوتيرة أكثر تعقيدًا وكلفة.

العملية

السنة

المدة

الوسيط

ما بعد الهدنة

الرصاص المصبوب

٢٠٠٨

٢٢ يومًا

وقف إطلاق نار أُحادي إسرائيلي

تهريب أسلحة واستمرار الحصار

عمود السحاب

٢٠١٢

٨ أيام

وساطة مصرية-أمريكية

هدوء مؤقت ثم تصعيد

الجرف الصامد

٢٠١٤

٧ أسابيع

وساطة مصرية

أموال قطرية لحماس مقابل الهدوء

حارس الأسوار

٢٠٢١

أسبوعان

مصر + قطر + الأمم المتحدة

تصاريح عمل لعمّال غزة كورقة ضغط

٧ أكتوبر

٢٠٢٣

الأطول والأعنف

مفاوضات معقدة متعددة الأطراف

هدنة أكتوبر ٢٠٢٥ المنتهكة

 

فكل هدنة كانت تُعالج الأعراض لا المرض. ولم تُغيّر أيٌّ منها المعادلة الجذرية: حصار خانق، رغبة حمساوية في المقاومة، ورفض إسرائيلي للتسوية السياسية. وكل مرة كان الهدوء يُشترى بثمن اقتصادي — أموال قطرية، تصاريح عمل — لا بثمن سياسي حقيقي.

بين السلام المؤجّل والحرب المؤجّلة

مقارنة

هدنة كوريا ١٩٥٣

هدنة لبنان ٢٠٠٦

هُدَن غزة المتكررة

هدنة أبريل ٢٠٢٦

الدافع

خوف من حرب نووية

ضغط دولي

إنهاك متبادل

خوف من توسّع إقليمي

آلية الضمان

خط ترسيم + قوات أممية

يونيفيل + الجيش اللبناني

مصر وقطر

باكستان كوسيط

هل صمدت؟

نعم (بلا سلام)

لا (إعادة تسلّح)

لا (دورة عنف)

مشكوك فيها

هل عالجت الجذور؟

لا

لا

لا

لا حتى الآن

المشترك بين كل هذه الهُدَن أنها أوقفت إطلاق النار دون أن توقف أسباب الحرب. والتاريخ يقول إن الهدنة التي لا تُتبع بمسار سياسي جاد — كما فعلت مصر بعد ١٩٧٣ — ليست سوى فاصل زمني بين فصلين من الدم.

الأسبوعان القادمان لن يكشفا فقط عمّا إذا كانت هذه الهدنة ستصمد، بل عمّا إذا كان العالم قد تعلّم شيئًا من سبعة عقود من الهُدَن الفاشلة في الشرق الأوسط.

ثانيًا: اقتصاد الهُدن: حين يفرض المال إيقاع السلاح

إذا كانت السياسة تفسر الخطاب، فإن الاقتصاد يفسر القرار، حيثُ تُشير تقديرات مراكز بحثية دولية إلى أن تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية في بيئات التوتر قد تصل إلى 250–300 مليون دولار يوميًا، خاصة مع تشغيل حاملات الطائرات والأنظمة المتقدمة. أما إسرائيل، فقد تكبدت في جولات تصعيد سابقة أكثر من 10–15 مليار دولار خلال أسابيع قليلة (خسائر مباشرة وغير مباشرة)، مع استنزافًا ملحوظًا في منظومات الدفاع الجوي، حيث تصل تكلفة اعتراض الصاروخ الواحد إلى عشرات الآلاف من الدولارات.

في المقابل، تعتمد إيران على نموذج أقل كلفة وأسلحة تكاد تكون تقليدية، بإنفاق يومي يُقدّر بعشرات الملايين فقط، استخدام فيها أدوات غير مباشرة تقلل من الضغط الاقتصادي المباشر، أما دول الخليج، فإن الخطر لا يأتي من الحرب نفسها، بل من تداعياتها، فأي اضطراب في مضيق هرمز قد يؤثر على نحو 20  %من تجارة النفط العالمية، ويؤثر على تقلبات الأسعار التي قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تهدد استقرار الأسواق والاستثمارات طويلة المدى.

إذاً: تصبح التهدئة خيارًا اقتصاديًا بقدر ما هي خيار سياسي، فمثلاً: المكاسب السياسية في الهدن، لا يبحث اللاعبون عن النصر، بل عن تحسين مواقعهم:

الولايات المتحدة تسعى إلى تقليل الكلفة دون التراجع، خاصة في ظل حساسية الداخل السياسي تجاه الحروب الطويلة.

إسرائيل تحاول ترميم صورة الردع، بعد أن أظهرت جولات التصعيد الأخيرة حدود التفوق العسكري أمام حرب الاستنزاف.

إيران تستثمر في عامل الزمن، حيث تتحول الكلفة المنخفضة إلى أداة ضغط استراتيجية.

الخليج يركز على تجنب الانزلاق، وهو هدف يبدو بسيطًا، لكنه في بيئة كهذه يُعد إنجازًا بحد ذاته.

ثالثًا: القوى الدولية: تكرار دور “مدير الأزمة”، فهل تملك فعلًا أدوات المنع؟، التجربة التاريخية تقول بوضوح: لا. وكما في تجارب سابقة من البوسنة إلى أوكرانيا، وكذلك اليونيفيل في لبنان كانت تملك ١٥ ألف جندي ولم تستطع منع حزب الله من التسلّح أمام عينيها. والأمم المتحدة في كوريا كانت طرفًا في الحرب ولم تستطع تحويل الهدنة إلى سلام. ومصر وقطر توسطتا خمس مرات بين حماس وإسرائيل، وفي كل مرة عاد الطرفان إلى الحرب، وحين يغيب الثمن كما غاب في كل مرة، تصبح الهدنة مجرد ورقة توت تستر عورة العجز الدولي، فنادرًا ما تفرض حلولًا نهائية دون توافق مصالحها. فالمشكلة ليست في نقص الأدوات، بل في تضارب الإرادات.

رابعًا: بين التهدئة والتنويم: درس من التاريخ، إن أخطر الهدن هي تلك التي تُفهم خطأ، ففي اتفاقيات مينسك (2014–2015)، بدا أن الصراع في أوكرانيا يتجه نحو التجميد، لكن الواقع كشف لاحقًا أنها كانت مرحلة لإعادة بناء القدرات قبل انفجار أكبر. وفي أكثر من صراع إقليمي، تحولت الهدن القصيرة إلى مجرد "فواصل زمنية" بين جولات التصعيد.. والسيناريو ذاته قد يتكرر اليوم: هدوء ظاهري… واستعداد عميق لما هو قادم.

 

وقفة: "التاريخ لا يعيد نفسه… لكنه يعاقب من لا يتعلم منه"، وهذه التهدئة تقف على الحد الفاصل بين احتمالين: (إما أن تكون فرصة نادرة لإعادة تعريف الصراع، أو مجرد استراحة قصيرة قبل أن تتحدث المدافع من جديد.(. وفي عالمٍ تُحكمه الحسابات الباردة، لا يكفي أن تتوقف الحرب مؤقتًا…
 الأهم أن يتغير منطقها، وحتى الآن، لا شيء يشير إلى أن هذا التغيير قد بدأ فعلًا.

 

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!