-
الحرب في الخارج والخوف في الداخل... ما الذي قد يدفع النظام إلى طاولة المفاوضات؟
لا تبدو طاولة المفاوضات قريبة في ظل التصعيد الراهن. واشنطن تنفي وجود محادثات مقررة، وطهران ترفع نبرة التحدي، فيما تتوالى العقوبات والتهديدات العسكرية. ومع ذلك، لا يعني غياب التفاوض أن النظام الإيراني لا يحتاج إليه. ففي المسافة بين الخطاب المتشدد والواقع المتأزم، يتحرك عامل لا يحظى دائماً بالاهتمام الكافي: الخوف من الداخل.
عندما تتحدث السلطات الإيرانية عن المفاوضات، تضع في الواجهة العقوبات والأمن والردع والعلاقة مع الولايات المتحدة. لكنها تدرك أن الضغط الخارجي لا يتوقف عند الحدود، بل يعبر سريعاً إلى الأسواق والبيوت وحياة المواطنين.
العقوبات تعني بالنسبة إلى السلطة تراجعاً في الموارد وصعوبة في تمويل أجهزتها ومشروعاتها. أما بالنسبة إلى الإيراني العادي، فتعني ارتفاع الأسعار، وتآكل الراتب، وتعثر دفع الإيجار، والخشية من مرض يمكن أن يبدد مدخرات الأسرة. وهنا يتحول الصراع الخارجي إلى أزمة يومية يشعر بها المجتمع، لا إلى ملف تحتفظ به غرف التفاوض.
حتى الخطاب الرسمي يكشف هذا الارتباط. فالدعوة إلى إيجاد مخرج دبلوماسي تتزامن مع حديث متزايد داخل مؤسسات النظام عن الأوضاع المعيشية وضرورة الحفاظ على «الانسجام الاجتماعي». وهذه العبارات، على هدوئها، تعكس قلقاً أعمق من أن تتجاوز الأزمة الاقتصادية حدود الاحتمال الفردي وتتحول إلى غضب جماعي.
لهذا لا ينبغي النظر إلى التفاوض فقط باعتباره محاولة لإدارة العلاقة بين طهران وواشنطن. بالنسبة إلى النظام، السؤال الأكثر حساسية هو: كيف يمكن منع الضغوط الخارجية من الالتقاء بالأزمات الداخلية في لحظة واحدة؟
هذه المعادلة تفسر جانباً كبيراً من سلوك السلطة. فهي تحتاج إلى متنفس، لكنها تخشى الاعتراف بحاجتها إليه. تريد تخفيف العقوبات، لكنها لا تريد أن يبدو ذلك تراجعاً. ولذلك ترافق كل إشارة إلى الدبلوماسية باستعراض الصواريخ والحديث عن الردع والاستعداد للحرب.
النظام يخاطب جمهورين في وقت واحد. في الخارج، يريد إقناع خصومه بأن استمرار الضغط ستكون له كلفة إقليمية واقتصادية. وفي الداخل، يحاول إقناع أنصاره بأن البحث عن مخرج لا يعني انهيار سياسة المواجهة.
لكن المجتمع الإيراني يبقى الطرف الذي لا تستطيع السلطة السيطرة الكاملة على رد فعله. فالاقتصاد بالنسبة إلى المواطن ليس رقماً في تقرير حكومي، بل طعاماً أقل على المائدة، ومستقبلاً أكثر غموضاً للأبناء، وحياة تنكمش كل يوم.
قد يمنح التفاوض النظام وقتاً إضافياً، ويخفف بعض الضغوط، ويمنع تراكم الأزمات دفعة واحدة. لكنه لا يستطيع معالجة أسباب أزمة أصبحت بنيوية: اقتصاد منهك، وفساد واسع، وأموال أُنفقت على الحروب والشبكات المسلحة، ومجتمع فقد ثقته بالوعود الرسمية.
لذلك، قد يكون الخوف الذي يدفع النظام نحو التفاوض أعمق من الخوف من الحرب ذاتها: الخوف من لحظة تلتقي فيها الضغوط الخارجية مع الغضب الداخلي، فلا يعود شراء الوقت كافياً لحماية السلطة.
ليفانت: مهدي رضا
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

