-
قانون الأحزاب في سوريا: التجارب المقارنة والرؤية المقترحة.
يناقش البعض في سوريا اليوم ضرورة إصدار قانون جديد للأحزاب السياسية، وهذا أمر لا خلاف على أهميته؛ فالدولة الديمقراطية تحتاج إلى قانون ينظم الحياة الحزبية، ويضمن حرية التنظيم السياسي، ويحدد قواعد المنافسة والتمويل والشفافية وتداول السلطة.
لكن النقاش حول قانون الأحزاب يطرح سؤالاً أعمق من مجرد تنظيم عمل الأحزاب: أي دولة نريد لهذا القانون أن ينظم حياتها السياسية؟
هناك من يرى ضرورة ألا تكون في سوريا أحزاب قومية، وأن تكون جميع الأحزاب «وطنية» تتنافس على أساس البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن الانتماءات القومية والطائفية.
وهنا يحق لنا أن نسأل بكل وضوح:
إذا كانت الدولة تريد من الأحزاب أن تتجاوز الهويات القومية، أفلا ينبغي للدولة نفسها أن تتجاوز تعريفها القومي؟
كيف يمكن أن يُقال للكردي والسرياني وغيرهم: «لا تؤسسوا أحزاباً قومية، بل كونوا أحزاباً وطنية»، بينما اسم الدولة الرسمي هو الجمهورية العربية السورية؟
المسألة هنا ليست اعتراضاً على عروبة أي مكوّن من مكونات سوريا، ولا دعوة إلى استبدال هوية قومية بهوية قومية أخرى، وإنما تتعلق بمبدأ أساسي في بناء الدولة الحديثة: هل الدولة ملك لقومية بعينها، أم هي دولة جميع مواطنيها؟
إذا كانت سوريا دولة لجميع السوريين، فإن تعريف الدولة ينبغي أن يعكس هذه الحقيقة، وأن يكون الدستور فوق الانتماءات القومية والمذهبية، وأن يضمن المساواة الكاملة بين المواطنين والمكونات، وأن يعترف بالتعدد القومي والثقافي واللغوي الذي يشكل حقيقة تاريخية واجتماعية في البلاد.
ومن هنا، فإن الانتقال من تسمية «الجمهورية العربية السورية» إلى «الجمهورية السورية» يمكن أن يكون أكثر من مجرد تغيير في الاسم؛ إذ يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة تعريف الدولة باعتبارها دولة مواطنيها جميعاً، لا دولة مكوّن قومي محدد.
وعندها يصبح منطقياً أن يُطلب من الأحزاب أن تكون أحزاباً وطنية تتنافس على البرامج والسياسات، لأن وطنية الدولة نفسها ستكون قد تأسست على المواطنة، لا على الانتماء القومي.
أما أن يبقى تعريف الدولة قومياً، ثم يُطلب من المكونات الأخرى أن تتخلى عن التعبير السياسي عن هوياتها القومية، فإن ذلك يخلق ازدواجية واضحة في المعايير.
ثم إن منع الأحزاب القومية، حتى لو طُرح تحت عنوان حماية الوحدة الوطنية، قد يؤدي عملياً إلى نتيجة عكسية إذا لم يترافق مع اعتراف دستوري واضح بالتعددية القومية والثقافية واللغوية.
فالوحدة الوطنية لا تُبنى بإلغاء الهويات، وإنما بإدارة التعدد والاعتراف به وضمان المساواة بين مكوناته.
والحل ليس في منع الكردي من التعبير السياسي عن هويته، ولا في منع العربي أو السرياني أو الآشوري من ذلك، بل في بناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم متساوون في المواطنة والحقوق والواجبات، وأن هويتهم القومية والثقافية ليست موضع تهديد من الدولة.
لذلك، فإن أي نقاش جدي حول قانون الأحزاب في سوريا يجب أن يسبقه، أو يترافق معه، نقاش دستوري أوسع حول هوية الدولة وطبيعتها.
نموذج إسبانيا وبلجيكا: استيعاب الأحزاب القومية والإقليمية
يُعد النموذجان الإسباني والبلجيكي من أهم التجارب المقارنة التي يمكن لسوريا الاستفادة منها، لأنهما يبرهنان أن وجود أحزاب قومية لا يتعارض بالضرورة مع وحدة الدولة أو النظام الديمقراطي، بل يمكن أن يكون وسيلة سياسية سلمية للتعبير عن الخصوصيات القومية والثقافية والمناطقية.
أولاً: النموذج الإسباني
تعترف الحياة السياسية الإسبانية بالتعدد القومي والإقليمي، وتسمح بوجود أحزاب تمثل الكاتالونيين والباسك والغاليثيين وغيرهم. وتشارك هذه الأحزاب في الانتخابات والبرلمانات الإقليمية والبرلمان المركزي، بل إن بعض الأحزاب ذات التوجه القومي أو الانفصالي تشارك رسمياً في الحياة البرلمانية ما دامت تعمل ضمن الإطار الديمقراطي والقانوني.
ومن أبرز هذه الأحزاب:
الحزب القومي الباسكي
اليسار الجمهوري الكاتالوني.
تحالف الباسكي.
الكتلة القومية الغاليثية .
وتعكس مشاركة هذه الأحزاب في المؤسسات التشريعية والسياسية مبدأً مهماً، هو أن الدولة الديمقراطية لا تخشى من وجود أحزاب قومية أو إقليمية، بل تستوعبها ضمن النظام السياسي وتترك التنافس الديمقراطي والانتخابات تحدد حجم حضورها وتأثيرها.
والدلالة الأساسية هنا أن الدولة الإسبانية لا تمنع الحزب لمجرد كونه قومياً، ولا بسبب دفاعه عن هوية قومية محددة، بل تميز بين التعبير السياسي السلمي وبين استخدام العنف أو الوسائل غير الديمقراطية.
ثانياً: النموذج البلجيكي
أما بلجيكا، فتقدم نموذجاً مختلفاً وأكثر تعقيداً، إذ تقوم بنيتها السياسية والدستورية على واقع التعدد اللغوي والقومي والإقليمي بين الفلامان والوالون والجماعة الناطقة بالألمانية.
وقد انعكس هذا الواقع على الحياة السياسية، حيث تعمل الأحزاب ضمن فضاءات لغوية وإقليمية متعددة، وتشارك أحزاب ذات مرجعيات واضحة في الانتخابات الفيدرالية والإقليمية والحياة السياسية العامة.
ومن أبرز الأمثلة:
التحالف الفلاماني الجديد .
المسيحيون الديمقراطيون والفلامان.
أحزاب والونية وناطقة بالفرنسية.
أحزاب تمثل اتجاهات سياسية مرتبطة بالمجتمعات اللغوية والأقاليم المختلفة.
ولا تعتبر بلجيكا هذا التعدد تهديداً لوحدة الدولة، بل تنظمه من خلال نظام سياسي ودستوري يعترف بوجود جماعات لغوية وأقاليم متعددة، ويوزع السلطات بينها ضمن إطار الدولة الواحدة.
النموذج التركي: القيود على الأحزاب القومية
تقدم التجربة التركية نموذجاً مختلفاً عن التجربتين الإسبانية والبلجيكية في التعامل مع التعدد القومي، وخصوصاً في ما يتعلق بالأحزاب الكردية. فقد تأسست الجمهورية التركية الحديثة على مفهوم الدولة القومية المركزية، وكان النظام القانوني والسياسي لفترة طويلة يتعامل بحساسية شديدة مع أي نشاط سياسي يُنظر إليه بوصفه تعبيراً عن قومية غير تركية أو تهديداً لوحدة الدولة.
وعلى الرغم من أن تركيا تشهد تعددية حزبية وانتخابات تنافسية، فإن تاريخ الحياة السياسية فيها عرف حظر عدد من الأحزاب السياسية، ولا سيما الأحزاب التي ارتبطت بالحركة السياسية الكردية، بحجة تهديد وحدة الدولة أو مخالفة المبادئ الدستورية.
وقد أدى ذلك إلى نشوء ظاهرة تكررت أكثر من مرة، تتمثل في حل حزب سياسي ذي قاعدة كردية، ثم تأسيس حزب جديد وانتقال الكوادر والناخبين إليه. وشهدت الحياة السياسية التركية أحزاباً مثل:
حزب العمل الشعبي HEP.
حزب الديمقراطية DEP.
حزب الحرية والديمقراطية HADEP.
حزب المجتمع الديمقراطي DTP.
حزب السلام والديمقراطية BDP.
حزب الشعوب الديمقراطي HDP.
حزب المساواة وديمقراطية الشعوب DEM Parti.
وتكشف هذه التجربة عن إشكالية أساسية: هل يؤدي حظر الحزب إلى إنهاء القاعدة الاجتماعية والسياسية التي يمثلها؟
تشير التجربة التركية إلى أن الإجابة ليست بالضرورة نعم. فقد أدى تكرار حظر الأحزاب في مراحل مختلفة إلى إعادة إنتاج التمثيل السياسي الكردي في أشكال تنظيمية جديدة، بدلاً من إنهائه.
ومن هنا، يمكن النظر إلى النموذج التركي بوصفه مثالاً على محدودية المقاربة القانونية والأمنية عندما تستخدم لمعالجة قضية ذات أبعاد سياسية وقومية واجتماعية. فحظر الحزب قد يؤدي إلى تغيير الاسم والتنظيم، لكنه لا يلغي بالضرورة القاعدة الاجتماعية أو المطالب السياسية التي يمثلها.
الدرس الأهم لسوريا
يمكن استخلاص مجموعة من الدروس من التجارب الإسبانية والبلجيكية والتركية.
فالتجربتان الإسبانية والبلجيكية تظهران أن استيعاب الأحزاب القومية والإقليمية ضمن المؤسسات الديمقراطية يمكن أن يوفر إطاراً سلمياً لإدارة التعدد والخلافات السياسية. أما التجربة التركية، فتظهر أن القيود الواسعة والحظر المتكرر لا يؤديان بالضرورة إلى إنهاء التمثيل السياسي أو القضية التي يعبر عنها الحزب.
ومن هنا يمكن صياغة مبدأ أساسي:
لا ينبغي أن يكون الطابع القومي أو الإقليمي للحزب سبباً قانونياً لمنعه، وإنما ينبغي أن يكون معيار المنع مرتبطاً بالسلوك السياسي، كاستخدام العنف، أو التحريض على الكراهية والتمييز، أو تقويض النظام الديمقراطي بالقوة.
وفي الحالة السورية، يعني ذلك أن الحزب الكردي أو السرياني الآشوري أو العربي يمكن أن يعمل بصورة قانونية، تماماً كما يمكن تأسيس حزب وطني عابر للقوميات، على أن تكون المرجعية المشتركة للجميع هي الدستور والمواطنة وحقوق الإنسان والعمل السياسي السلمي.
إن وجود أحزاب قومية لا يعني بالضرورة الدعوة إلى الانفصال، كما أن الحزب الوطني العابر للقوميات ليس بالضرورة أكثر التزاماً بوحدة الدولة من غيره. فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون احترام الدستور، والالتزام بالوسائل الديمقراطية والسلمية، واحترام حقوق الآخرين.
الرؤية المقترحة لقانون الأحزاب في سوريا
استناداً إلى خصوصية الواقع السوري والتجارب المقارنة، يمكن أن يقوم قانون الأحزاب الجديد على المبادئ الآتية:
أولاً: حرية تأسيس الأحزاب
حرية تأسيس الأحزاب السياسية حق دستوري، ولا يجوز رفض تسجيل حزب بسبب هويته السياسية أو القومية أو الثقافية أو الإقليمية.
ثانياً: عدم منع الأحزاب القومية
لا يجوز حظر حزب لمجرد أن برنامجه يعبر عن هوية قومية أو ثقافية أو لغوية، ما دام ملتزماً بالعمل السياسي السلمي والديمقراطي.
ثالثاً: معيار المنع هو السلوك لا الهوية
يجب أن يكون معيار منع الحزب أو حله مرتبطاً بأفعاله وممارساته، وليس بهويته أو قوميته. ويجوز اتخاذ إجراءات قانونية فقط ضد الأحزاب التي:
تتبنى العنف وسيلة للعمل السياسي.
تنظم أو تمارس نشاطاً مسلحاً خارج إطار القانون.
تحرض على الكراهية أو التمييز العنصري أو القومي أو الديني.
تعمل على تقويض النظام الديمقراطي بالقوة.
رابعاً: القرار القضائي المستقل
لا يجوز حل أي حزب بقرار إداري أو سياسي، بل يجب أن يكون الحل بقرار صادر عن سلطة قضائية مستقلة، وبعد استنفاد الضمانات القانونية.
وهنا استعرض مثالا.
ففي أعقاب انتفاضة قامشلو عام 2004، تعرضت الحركة السياسية الكردية في سوريا لضغوط أمنية وسياسية متزايدة، ضمن سياسة هدفت إلى الحد من نشاط الأحزاب الكردية وإضعاف حضورها التنظيمي والسياسي.
وفي هذا السياق ، أرسل اللواء علي مملوك، الذي كان أحد أبرز المسؤولين الأمنيين في النظام، إلى ممثلي الأحزاب السياسية الكردية، مطلباً واضحاً بضرورة حل تنظيماتها السياسية ووقف نشاطها.
إلا أن هذا المطلب قوبل بالرفض من جانب الأحزاب الكردية، التي تمسكت بحقها في التنظيم والعمل السياسي، واستمرت في نشاطها رغم ما تعرضت له من ضغوط وملاحقات واعتقالات وقيود أمنية.
خامساً: حماية التعددية السياسية
ينبغي أن يعترف قانون الأحزاب بحق السوريين في تأسيس أحزاب:
وطنية عابرة للقوميات، قومية، سياسية وفكرية،اجتماعية واقتصادية.
على أن تلتزم جميعها بالدستور والمواطنة المتساوية وحقوق الإنسان والعمل السياسي السلمي.
سادساً: شفافية التمويل والديمقراطية الداخلية
ينبغي أن يلزم القانون جميع الأحزاب بالشفافية المالية، والإفصاح عن مصادر التمويل، واحترام الديمقراطية الداخلية، والتداول الدوري للمسؤوليات، وضمان المساواة بين أعضائها.
خاتمة
إن بناء قانون أحزاب ديمقراطي في سوريا لا يبدأ بالسؤال: كيف نمنع الأحزاب القومية؟ بل بالسؤال: كيف نبني دولة تتسع لجميع هويات مواطنيها وتنظم اختلافاتهم سلمياً وديمقراطياً؟
إن التجارب الإسبانية والبلجيكية والتركية تقدم دروساً متباينة، لكنها تلتقي في حقيقة أساسية: القضايا القومية لا يمكن إلغاؤها بالقوانين، والهويات لا تختفي بقرارات المنع.
فالأحزاب القومية والإقليمية يمكن أن تتحول، إذا جرى استيعابها في إطار دستوري ديمقراطي، إلى قنوات شرعية للتعبير والمشاركة السياسية، بدلاً من دفع الهويات إلى العمل خارج المؤسسات.
ولذلك، فإن قانون الأحزاب الأنسب لسوريا هو القانون الذي يجمع بين حرية التنظيم السياسي وحماية النظام الديمقراطي، ويجعل السلوك السياسي، لا الهوية القومية، معياراً للمشروعية.
أما بناء أحزاب وطنية عابرة للقوميات، فهو هدف مهم ومشروع، لكنه لا يمكن أن يتحقق بصورة حقيقية إلا في ظل دولة تعيد تعريف نفسها باعتبارها دولة جميع مواطنيها، وتعترف بتعددهم القومي والثقافي واللغوي، وتؤسس وحدتها على المواطنة المتساوية والحرية والعدالة والديمقراطية وسيادة القانون.
إن وحدة سوريا لا تُبنى بإلغاء التعدد، بل بالاعتراف به وتحويله إلى أساس لشراكة وطنية جديدة.
ليفانت: ميداس آزيزي
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

