-
الدجالة التي تعظ الشيطان.. باولا وايت
"عندما يدخل الدين قاعات السلطة، لا يبقى مجرد عقيدة روحية، بل يتحول إلى قوة سياسية قادرة على إعادة تشكيل العالم." فخلال العقود الأخيرة لم يعد الدين مجرد عنصر ثقافي في المجتمع الأمريكي، بل أصبح أداة تعبئة انتخابية ضخمة تقودها شبكات الكنائس الإنجيلية والقساوسة المؤثرين، وتستند إلى ملايين الناخبين المتدينين.
"إنها ليست مجرد واعظة، بل هي المهندسة الروحية لواقع موازٍ، حيث يُباع الغفران بالدولار، وتُشرعن القسوة باسم الرب." باولا وايت، تلك "الدجالة التي تعظ الشيطان" كما يصفها خصومها، لم تكن مجرد صدفة في حياة دونالد ترمب، فمن رحم فضائح (ابستن)، تُجسيد هي نموذج "المرأة اللعوب" سياسياً، التي تتقن التلاعب بعقول الرجال الذين يسكنهم هوس السلطة، فتكون "الأم الروحية" التي حولت "المكتب البيضاوي" إلى منصة لإنجيل الازدهار، حيث الأتباع ليسوا سوى "حبارير" (فرائس) ذعيرة، يتم استدراجهم بعيداُ عن العالم إلى مقصلة الموت السياسي والمالي تحت غطاء "بذور القيامة"، ففجأة تحولت من واعظة تلفزيونية إلى مستشارة روحية للرئيس الأمريكي Trump، في نموذج واضح لكيفية انتقال النفوذ الديني من الكنيسة إلى المكتب البيضاوي.
أولاً: رمزية الصراع: مردخاي وهامان: ففي التراث التوراتي يظهر الصراع بين Mordecai و Haman في Book of Esther باعتباره صراعاً بين شعب مهدد وقوة تسعى لإفنائه، هو رمز ديني قديم عاد للظهور في الخطاب السياسي الشعبوي لترامب، وبعض التيارات الإنجيلية في الولايات المتحدة، حيث يُستخدم أحياناً لتصوير الصراع السياسي المعاصر باعتباره معركة وجودية بين الخير والشر، وتلك كانت ألأعيب العرب قديماً وكأنهم يقتبسون منهم فقط في تقليد أعمى مكشوف، حيثُ تشير بيانات معهد أبحاث الدين العام PRRI إلى أن أكثر من 30% من الأمريكيين يؤيدون فكرة أن الولايات المتحدة "اختارها الله لتكون أمة مسيحية"، بينما ترتفع النسبة إلى حوالي 55% بين الجمهوريين المحافظين.
هذا التصور الديني للصراع السياسي يمنح المعارك الانتخابية طابعاً لاهوتياً يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية.
ثانياً: "سفر يشوع" وهندسة "المحافل الماسونية": تشكل الذاكرة الدينية الأمريكية وقوداً للصراع السياسي الحالي، فاستحضار رمزية "شعب مردخاي" في مواجهة "شعب هامان" ليس مجرد استعارة، بل هو "مانيفستو" عملي لليمين المسيحي، وفكرة الأرض الموعودة والانتصار الإلهي، وقد أعادت بعض الجماعات الإنجيلية توظيف هذه النصوص في خطابها السياسي الحديث، خصوصاً في دعمها القوي لإسرائيل وسياسات الشرق الأوسط، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن 80 % من الإنجيليين البيض يؤيدون إسرائيل سياسياً، بينما أكثر من 60% منهم يعتقدون أن قيام إسرائيل جزء من نبوءة دينية.
فهذا الصراع يستند إلى "سفر يشوع"، النص التأسيسي الذي يشرعن "الغزو المقدس" وإبادة "الكنعانيين الجدد" (المعارضين السياسيين). وهُنا نرى أدوار خفية لمصالح رجال الأعمال والمحاصصة التي تشبه هندسة "المحافل الماسونية"، حيث يتم تقسيم "تورتة" العالم بين حيتان المال الذين يوظفون هؤلاء "الدجالين" لتخدير الشعوب.
ثالثاً: اليمين المسيحي.. لماذا يريدون "دولة الرب"؟. وفق معهد PRRI أن نحو 33% من الأمريكيين ونصف الجمهوريين يؤمنون بأن الولايات المتحدة صممها الرب لتكون "أرض الميعاد" للمسيحيين الأوروبيين، ليتحول اليمين المسيحي من مجرد تيار ديني، إلى "جيش سياسي" يمتلك آلاف الكنائس (مثل كنيسة "الرؤية العالمية" لغريغ لوك).
وتشير البيانات الديموغرافية إلى أن عدد الإنجيليين في الولايات المتحدة يقارب 90 مليون شخص، بينما يشكل الإنجيليون البيض نحو 23–25 %من الناخبين الأمريكيين. وفي انتخابات 2016 صوّت حوالي 81% من الإنجيليين البيض لترامب. بلغوا في انتخابات 2020 نحو 76%.
هذه الأرقام جعلت من اليمين المسيحي القاعدة الانتخابية الأهم للحزب الجمهوري. وبالتالي يسعى هذا التيار لإقامة تحالف "مسيحي - يهودي" متطرف، يرى في دعم "إسرائيل الكبرى" شرطاً أساسياً لعودة المسيح. إنهم يضخون مليارات الدولارات سنوياً في جماعات الضغط لضمان بقاء السياسة الأمريكية رهينة لهذه النبوءات.
رابعاً: باولا وايت.. "وصمة" حبارى البيت الأبيض: والتي أثارت جدلاً واسعاً بسبب ارتباطها بإنجيل الازدهار، لنرى شخصية مُضطربة نفسياً، عانت من تمزق عائلي وانتحار والدها، لتتحول إلى "مُفترسة" في سوق الأديان، فقد استغلت وايت جاذبيتها "اللعوب" للوصول إلى ترامب منذ عام 2002. وصفها كوشنر بأنها "المعيار الذهبي"، بينما رآها ترامب "السرطانية الجذابة والقوية"، فخلال ذروة نشاطها، جمعت كنيستها أكثر من 150 مليون دولار في عامين فقط، وأُنفقت على الطائرات الخاصة والرواتب المليونية لأقاربها، بينما تُباع "بذور القيامة" للفقراء مقابل 1144 دولاراً. لكونها مسؤولة مبادرة "الإيمان والفرص"، حوّلت الدين إلى "سلاح دفاعي" لترامب، حيث وصفت محاولات عزله بأنها "تحالفات شيطانية".
خامساً: الدين في خدمة الانتخابات.. "صوت الرب" المزيّف: منذ القرن العشرين لعب القساوسة دوراً مؤثراً في توجيه الناخبين، ومن أبرزهم القس الشهير Billy Graham الذي كان مستشاراً روحياً لعدة رؤساء أمريكيين، ليستفيد السياسيون من دعم القساوسة كما في انتخابات 2016 و2020، صوّت حوالي 81 %من الإنجيليين البيض لصالح ترامب. هؤلاء لا يرون فيه "قديساً"، بل "سايروس" المعاصر (الملك الفارسي الذي أنقذ اليهود)، وقد روجت وايت وفريقها لفكرة أن ترامب "نال الخلاص"، وأن كل رصاصة تخطئه (كما حدث في بنسلفانيا) هي "يد الله" التي تدفع عنه الموت، وبالتالي كان لها القدرة في استُخدام قواعد بيانات الكنائس لتوجيه ملايين الناخبين، حيث يتم إخبارهم أن التصويت للديمقراطيين هو "خيانة للرب". حيثُ تشير الدراسات الانتخابية إلى أن %40 من الناخبين الأمريكيين يقولون إن الدين يؤثر في تصويتهم، مرتفعاً بين الإنجيليين ترتفع لأكثر من 70%.
سادساً: الجانب الآخر.. قساوسة "العدالة الاجتماعية"
رغم هيمنة اليمين المسيحي على الخطاب الديني السياسي، فإن هناك نفوذ متصاعد للقساوسة الديمقراطيين (مثل قساوسة السود في جورجيا). هذه الكنائس لعبت دوراً تاريخياً في حركة الحقوق المدنية بقيادة القس Martin Luther King Jr.. ففي الانتخابات الحديثة دعم أكثر من 1600 رجل دين المرشح الديمقراطي في انتخابات 2020، بينما دعم 350 قساً أسود حملة Joe Biden، معتبرين أن سياسة أمريكا تجاه فلسطين هي "سقوط أخلاقي" سيؤدي لخسارة الانتخابات. لكن تأثير هذه الشبكات يبقى أقل تنظيماً من شبكات اليمين المسيحي المحافظ.
وقفة: حق الفلسطينيين والعدالة الإلهية: مشهداً نراه اليوم في واشنطن وتل أبيب يوحي بنهاية "عصر العرّابين"، فنتنياهو الذي دمر إسرائيل من الداخل عبر سياساته المُتطرفة، وترامب الذي قد يواجه العزل أو السقوط النهائي، كلاهما يمثلان "قناع القوة" الذي بدأ يتفتت، وكما سقط "هامان" في حفرته، تبدو أمريكا اليوم وكأنها تواجه "إعصار طهران" السياسي والنزيف الاقتصادي (كما ناقشنا في تحليلاتنا السابقة والتي صدقت)، كجزء من عدالة تاريخية تأخذ حق المظلومين في فلسطين، فالتريليونات التي تُنفق على السلاح، والصلوات التي ترفعها "الدجالة" باولا وايت، لن تحمي "حبارير" الموت من قدرها القوسي المحتوم.
"عندما يصبح الدين غطاءً للدماء، والسياسة سوقاً للنخاسة، فإن الهلاك لا يكون مجرد احتمال، بل يصبح ضرورة تاريخية لتنقية وجه الأرض."
ليفانت: ا. د. إبراهيم جلال فضلون
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

