-
حين تستيقظ الأسدية في الهتاف.. كيف كشفت شتيمة «البويجية» ذاكرة البعث الجمعيّة في هتافات!
الكاتب: شيار خليل
باريس
لم تكن الهتافات التي ارتفعت اليوم في عدد من المدن والبلدات السورية التي تسيطر عليها الحكومة السورية الانتقالية في الذكرى الأولى لعملية ردع العدوان التي كانت من المفترض قد حققت أول ما حققته هو إنهاء حقبة تاريخيّة مريرية لحزب البعث واستبداده على السوريين، وما حملته من شتائم بحق الكرد عبر استخدام وصف “البويجيّة”، مجرد انفلات لغوي أو انفعال جماهيري عابر. ما حدث هو لحظة مكاشفة سياسية مكتملة الأركان، أعادت إلى السطح أبشع ما راكمته عقود البعث من شوفينية وكراهية، وأظهرت أن البنية الثقافية التي صاغتها السلطة لم تسقط مع سقوط مؤسساتها، بل بقيت فاعلة داخل الوعي العام، جاهزة للظهور كلما اختُبر المجتمع في لحظة احتقان أو تماس.
إن عبارة “البويجيّة” ليست شتيمة مهنية ولا تعبيراً عن احتقار اجتماعي فحسب، بل هي كلمة مشحونة بتاريخ سياسي طويل صاغته الدولة السورية بقيادة البعث بوعي كامل، وجرى ضخّه في المناهج والمدارس وأجهزة الإعلام والأمن، لتكريس صورة نمطية للكرد تقوم على الإقصاء والتحقير والتشكيك بالانتماء. فمنذ ستينيات القرن الماضي، اعتمد النظام السوري استراتيجية مركّبة تقوم على تجريد الكرد من الأرض والهوية والقدرة على العيش، عبر مشاريع التهجير المبرمج والتغيير الديموغرافي، بما في ذلك الإحصاء الاستثنائي، وتجميد التنمية، وترك المناطق الكردية تواجه الفقر والقحط بوصفهما أدوات للضغط السياسي، لا كوارث إنسانية.
وقد دفعت هذه السياسات موجات من الكرد نحو دمشق وحلب وبيروت في شكل تهجير اقتصادي واسع، كان النظام يدرك من خلالها أنه سيخلق طبقة اجتماعية ضعيفة، يسهل لاحقاً تحويلها إلى هدف للسخرية والتمييز. وهنا تبرز وظيفة وصف “البويجيّة”: فهو ليس تسمية لمهنة، بل أداة سياسية لإعادة إنتاج ما أراده البعث منذ عقود: تحويل الضحية إلى مادة احتقار، وتجريد المهجّرين من حقوقهم وشرعيتهم، وحشرهم في خانة اجتماعية مهينة تتيح إنكار وجودهم القومي وتهميش مطالبهم السياسية، وبما يعيق لهم التفكير بذاتهم السياسية.
القيادة التي تخاف من النقد.. تدفن نفسها في مقبرة الصمت
ما يدعو للقلق اليوم ليس استخدام الشتيمة بحد ذاتها أو المحاولات المتكررة للإهانة، بل البيئة الذهنية التي سمحت بعودتها بهذه العلنية. فالساحة السورية التي يُفترض أنها دخلت مرحلة ما بعد السلطة الأمنية التي قادها البعث لا تزال أسيرة قاموس واحد، يعيد إنتاج ذاته حتى بعد زوال صاحبه السياسي. وهذا يعني أن النظام، برغم سقوطه، ترك وراءه وعياً مشوّهاً لا يزال قادراً على إحياء أدوات الإقصاء القديمة بمجرد ظهور شرارة توتر، فيتحول الهامش الاجتماعي إلى سلاح، وتتحول الإهانة إلى موقف سياسي.
إن من يهتف اليوم بـ“البويجيّة” لا يعبّر عن غضب عابر، بل يستعيد أهم معالم الموروث البعثي في التعامل مع الكرد: نزع الشرعية عن وجودهم، تحويلهم من مكوّن وطني إلى “فئة” هامشية، وإنكار حقهم في التعبير عن هويتهم القومية. وهذه الاستعادة ليست عفوية، بل تكشف أن الشوفينية التي زرعتها السلطة في الوعي السوري لم تفكَّك بعد، بل لا تزال تتنفس خلف المظاهر اليومية للشارع ولا تحمل هذه الصورة إلّا رسالةً واحدة: نحن نحكم الكرد كما نحكم عليهم.
والأخطر أن هذا الخطاب يتزامن مع لحظة سياسية دقيقة يفترض أنها تؤسس لمرحلة جديدة في سوريا. فكيف يمكن بناء وطن تعددي وديمقراطي، بينما لا تزال قطاعات واسعة من السوريين تستخدم الأدوات ذاتها التي استخدمها النظام لإقصاء مكوّن كامل؟ وكيف يمكن لدستور جديد أن يصنع هوية وطنية جامعة، في حين يُستخدم في الشارع خطاب يجرّمه الإعلان الدستوري ويحظر إعادة إنتاجه؟
إن مواجهة هذه اللغة ليست مسألة حساسية أو مبالغة، بل ضرورة سياسية، لأن أي محاولة لرسم سوريا جديدة ستكون مجرد مشروع نظري ما لم يتم تفكيك المعجم الشوفيني القديم الذي حكم العلاقة بين السوريين لعقود. فلا معنى للحديث عن انتقال سياسي أو عدالة أو شراكة، ما دام الخطاب الذي رسّخه البعث لا يزال يحكم ردود الفعل الجماهيرية، ويعيد إنتاج منطق السلطة المنهارة نفسها.
وفي النهاية، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في كلمة “بويجيّة”، بل في أن مجتمعاً، أو جزءاً منه، لا يزال يجد فيها تعبيراً طبيعياً لا جريمة سياسية تستدعي المساءلة. وهنا تكمن الحقيقة الأخطر: سقط النظام، لكن نظامه الرمزي لا يزال قائماً، ومن يردد اليوم تلك الشتيمة لا يدافع عن مهنة ولا عن رأي، بل عن ذاكرة سلطوية كاملة صاغها البعث وأسكنها في الوعي العام وهو يريد أن تستمر لكن بمفاهيم وقوالب أكثر تطوّراً وحمولةً للاستبداد والبطش بالآخر المختلف. وما لم يُكسَر هذا الإرث، سيظل الحديث عن سوريا جديدة مجرد وهم ينهار أمام أول هتاف يعيد الكرد، وغيرهم، إلى موقع الضحية داخل وطن لم يتعلم بعد معنى التعدد والانتماء المشترك.
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

