-
سري كانيه... هل أصبحت قضية العودة خارج الحسابات السياسية؟
بينما تتسارع التحولات السياسية في سوريا، وتبرم الاتفاقات، وتوزع المناصب ويعين المسؤولون في مؤسسات الدولة، وتشكل اللجان، ويجلس ممثلون في مجلس الشعب، ما زال آلاف الكورد من أبناء سري كانيه (رأس العين) يعيشون تحت خيام النزوح، يحملون مفتاح البيت في يد، ووجع الانتظار في اليد الأخرى.
في أحد مخيمات النزوح، وقفت امرأة كوردية مسنة تبكي بحرقة، وهي تردد كلمات تختصر مأساة شعب بأكمله
(هذه الخيمة لا تشبه بيتي... أريد أن أعود إلى بيتي... لا أريد أن أموت هنا.)
لم تكن تلك المرأة تطالب بمنصب أو كرسي، ولم تسأل عن حصص السلطة أو نسب التمثيل، ولم تكن معنية بتفاصيل الاتفاقات السياسية. كل ما أرادته هو أن تعود إلى منزلها الذي اقتلعت منه قسرا، وأن تقضي ما تبقى من عمرها في أرضها، لا تحت خيمة لا تحفظ كرامة الإنسان.
اليوم، وبعد الاتفاقات السياسية بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية، وبعد تعيين شخصيات من الأحزاب الكوردية في مؤسسات الدولة، والإفراج عن معتقلين، وعودة العديد من الأهالي إلى مناطقهم في عفرين والغوطة وغيرها، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله
لماذا بقيت سري كانيه خارج دائرة الاهتمام؟
أليست سري كانيه مدينة سورية؟ أليس سكانها مواطنين سوريين لهم الحقوق ذاتها التي يتمتع بها غيرهم؟ وإذا كانت سوريا تتحدث عن مرحلة جديدة قائمة على المصالحة والشراكة الوطنية، فأين مكان حق أهالي سري كانيه في العودة إلى بيوتهم؟
إن أي اتفاق سياسي يفقد جزءا كبيرا من قيمته إذا لم ينعكس على حياة المواطنين، وإذا لم يكن الإنسان هو الهدف الأول والأخير. فلا معنى للمناصب إن بقي أصحاب الأرض مشردين، ولا قيمة للتمثيل السياسي إذا لم يتحول إلى دفاع حقيقي عن حقوق الناس.
ومن حق الشارع الكوردي أن يتساءل هل أصبحت المناصب والوظائف والتمثيل في مؤسسات الدولة أولوية تتقدم على قضية عودة المهجرين؟ وهل تحولت المشاركة السياسية إلى هدف بحد ذاته، بينما تراجعت القضية الكوردية وحقوق الشعب الكوردي إلى المرتبة الثانية؟
هذه الأسئلة ليست اتهاما، بل دعوة إلى مراجعة الأولويات. فنجاح أي قيادة سياسية لا يقاس بعدد المناصب التي تحصل عليها، بل بقدرتها على إعادة المهجر إلى بيته، واللاجئ إلى وطنه، وصاحب الأرض إلى أرضه.
إن أهالي سري كانيه لا يطلبون امتيازات خاصة، بل يطالبون بحق تكفله المبادئ الإنسانية والقوانين الدولية، وهو حق العودة الآمنة والكريمة إلى ديارهم، واستعادة حياتهم الطبيعية.
لقد أثبتت التجارب أن السلام الحقيقي لا يبدأ بتوزيع المناصب، بل بإزالة أسباب الظلم، وإنصاف المتضررين، وإعادة الحقوق إلى أصحابها. لذلك ينبغي أن تكون قضية سري كانيه، إلى جانب سائر المناطق التي شهدت التهجير، بندا رئيسيا في أي حوار وطني أو اتفاق سياسي، لا ملفا مؤجلا أو قضية هامشية.
إن دموع تلك المرأة العجوز ليست مشهدا عابرا، بل رسالة أخلاقية وسياسية لكل من يشارك في رسم مستقبل سوريا. فالتاريخ لن يتذكر عدد المقاعد التي شغلها السياسيون، بل سيتذكر من أعاد المواطنين إلى بيوتهم، ومن تركهم يموتون غرباء تحت الخيام.
ستبقى سري كانيه جرحا مفتوحا في الضمير السوري والكوردي، ولن يكتمل أي حل سياسي ما لم يعد أهلها إلى بيوتهم وقراهم، مرفوعي الرأس، أحرارا، كما كانوا.
عبد الرحمن حبش سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا البارتي
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

