الوضع المظلم
الثلاثاء ١١ / أغسطس / ٢٠٢٦
Logo
  • طلاق الروح من نيتشه وفاغنر إلى ولادة سياسية جديدة للعلويين في سوريا

طلاق الروح من نيتشه وفاغنر إلى ولادة سياسية جديدة للعلويين في سوريا
باسل بهجت ليلا

كانت علاقة نيتشه بفاغنر في بدايتها علاقة اعجاب عميقة بين فيلسوف رأى في الفنان مشروعا للنهضة وبين فنان ظن انه قادر على استعادة روح امة كاملة. لكن نيتشه اكتشف مع الوقت ان المشروع الذي تعلق به لم يعد هو المشروع الذي يؤمن به وان الشخص الذي رآه شريكا في التحرر بدا يأخذ طريقا مختلفا.

فكانت القطييعة لم تكن القطيعة مجرد خلاف شخصي بل كانت تحررا فكريا واكتشافا لضرورة بناء مشروع جديد لا يقوم على التعلق بالماضي .

وهنا يمكن فهم اللحظة التي يعيشها العلويون في سوريا اليوم فالعلويون يقفون امام ضرورة تاريخية تتمثل في التحرر من فكرة ان مصيرهم يجب ان يكون مرتبطا بسلطة مركزية او بشخص او بعائلة او بنظام يدعي حمايتهم فالعلويون ليسوا النظام والنظام ليس العلويين

والقطيعة مع الاستبداد لا تعني القطيعة مع الهوية ولا التخلي عن الحقوق بل تعني الانتقال من حماية الجماعة بواسطة السلطة الى حماية المجتمع بواسطة الدستور والقانوووووو لكن هذه القطيعة تفرض علينا ايضا مراجعة فكرة الدولة التي نريدها فالدعوة الى سوريا موحدة شديدة المركزية لم تعد كافية لمعالجة واقع بلد متعدد القوميات والطوائف والمناطق والمصالح الوحدة التي تفرضها سلطة مركزية قد تتحول الى وسيلة للهيمنة

اما الوحدة التي تقوم على الاعتراف بالتنوع وتقاسم السلطة فهي وحدة اكثر استقرارا وعدالة . ولهذا فان البديل ليس التقسيم وليس الانفصال وليس العودة الى نظام مركزي جديد البديل هو سوريا اتحادية نعم اتحادية ( فدراللية  ) سوريا واحدة في حدودها وسيادتها وعلاقاتها الخارجية وجيشها الوطني لكنها اتحادية في ادارتها السياسية والاقتصادية والثقافية
بحيث تمتلك الاقاليم صلاحيات واسعة في ادارة شؤونها المحلية وتشارك في القرار الوطني من خلال مجلس اتحادي قوي يمثل الاقاليم ويحمي حقوقها

الفدرالية هنا ليست مشروعا لتقسيم سوريا بل مشروع لمنع تقسيم السوريين لان الدولة التي تعترف بتنوع مجتمعاتها تستطيع ان تجعل الاختلاف جزءا من النظام السياسي بدل ان تجعل الاختلاف سببا للحرب ومن هنا يمكن للعلويين ان ينتقلوا من موقع الخوف من المركز الى موقع الشريك في الدولة لا نريد دولة تحكم باسم العلويين ولا نريد دولة تحكم ضد العلويين ولا نريد دولة تحكم باسم اي طائفة

نريد دولة اتحادية تضمن لكل منطقة ولكل مكون حقه في ادارة شؤونه وتحمي حقوق المواطن اينما كان
ان الفدرالية لا تعني ان كل مكون يعيش وحده بل تعني ان الجميع يعيشون معا ضمن عقد دستوري جديد او عقد اجتماعي بمفهوم حديث وهذا العقد يجب ان يقوم على العدالة والمواطنة وتقاسم السلطة والموارد وحماية الحقوق والحريات
لقد اثبتت التجربة السورية ان المركزية المفرطة قادرة على تحويل الدولة الى اداة بيد السلطة

ولهذا فان بناء سوريا جديدة يتطلب تفكيك احتكار المركز للقرار وليس تفكيك سوريا الطلاق المطلوب اذا ليس من سوريا
بل من الدولة المركزية التي تجعل مصير البلاد كله مرتبطا بمن يسيطر على العاصمة وليس المطلوب ان ينفصل العلويون عن سوريا

بل ان يتحرروا من الخوف الذي جعلهم يعتقدون ان وجودهم لا يمكن ان يكون امنا الا تحت سلطة مركزية تحكم باسمهم
وهنا تصبح الفدرالية مشروعا وطنيا لا مشروعا طائفيا لانها تمنح الجميع ما يحتاجونه للساحل حق ادارة شؤونه
وللجزيرة حق ادارة شؤونها ولحلب ودمشق وحمص وحماة ودرعا وسائر المناطق حق المشاركة الحقيقية في ادارة مستقبلها

وفي الوقت نفسه تبقى سوريا دولة واخدة تجمعها السيادة والدستور والاقتصاد الوطني والسياسة الخارجية والدفاع المشترك هذه هي القطيعة السياسية التي تحتاجها سوريا

ان ننتقل من سؤال من يحكم سوريا الى سؤال كيف تحكم سوريا ومن فكرة السيطرة على الدولة الى فكرة توزيع السلطة
ومن الخوف من الاخر الى ضمان حقوق الجميع ومن دولة مركزية تفرض الوحدة الى دولة اتحادية تجعل الوحدة اختيارا سياسيا ودستوريا مشتركا وكما كان انفصال نيتشه عن فاغنر جزءاا من ولادة نيتشه الجديد فان القطيعة مع ارث الاستبداد والمركزية يمكن ان تكون جزءا من ولادة سوريا جديدة


سوريا لا تتوحد بالقوة سوريا تتوحد بالاعتراف ولا تحمى الوحدة بالغاء الاختلاف بل بحماية الاختلاف داخل دولة اتحادية عادلة وهذه هي اللحظة التي يمكن فيها للعلويين وسائر السوريين ان ينتقلوا من الخوف من المستقبل الى المشاركة في صناعته ليس المطلوب سوريا موحدة بالقوة بل سوريا واحدة بالفدرالية.

ليفانت: باسل بهجت ليلا

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!