-
هشاشة السيطرة: قراءة في تحذيرات طهران من الانفجار الداخلي
مقدمة: الدولة التي تحذّر نفسها
حين تحذّر دولةٌ مواطنيها من «أسابيع حساسة» وتلوّح بإجراءات استثنائية، فإنها لا تمارس استباقًا أمنيًا بقدر ما تكشف عن قلق بنيوي داخل منظومة الحكم. في الحالة الإيرانية، لا تنفصل هذه التحذيرات عن إدراك متزايد بأن الاحتجاج لم يعد احتمالًا، بل حالة كامنة. القمع هنا ليس أداة ضبط، بل مؤشر على هشاشة السيطرة.
الرهانات الغربية وصناعة البدائل الوهمية
في هذا السياق، تكتسب الشكوك الغربية، ومنها تصريحات دونالد ترامب حول محدودية قبول رضا بهلوي داخل إيران، دلالة تتجاوز الشخص. فبهلوي، بوصفه «نجل الشاه»، يفتقر إلى أي قاعدة اجتماعية حقيقية، لا في الداخل الإيراني ولا في الشتات المؤثر سياسيًا. حضوره الإعلامي لا يعكس وزنًا تنظيميًا أو شرعية نضالية، بل محاولة للركوب على موجة ثورية لم يصنعها. الأهم أن النظام الإيراني نفسه يدرك هذا الفراغ، ويعمل بوعي على تضخيم هذا الخيار بوصفه بديلًا زائفًا، في مواجهة البديل الحقيقي الذي تطرحه قوى التغيير الجذرية. هكذا، لا يتردد النظام في توظيف «بقايا الشاه» دعائيًا، لخلط الأوراق وإعادة إنتاج ثنائية ميتة بين العمامة والتاج، بهدف حرف مسار الانتفاضة عن جوهرها التحرري.
منع الاحتجاج قبل وقوعه: القمع كسياسة دائمة
تحذيرات طهران من تصعيد أمني لا تعكس ثقة بالسيطرة، بل انتقالًا إلى عقيدة القمع الوقائي. الدولة لا تواجه حدثًا طارئًا، بل مسارًا تراكميًا من الغضب الاجتماعي والاقتصادي. هذا الإدراك يفسّر اللجوء إلى أدوات استثنائية باعتبارها محاولة لتأجيل الانفجار لا لمنعه.
الإنترنت كساحة صراع على السردية
يمثل قطع الإنترنت أحد أوضح مؤشرات القلق السلطوي. فالمعركة لم تعد أمنية فقط، بل معركة رواية. تدرك السلطات أن توثيق القمع يحوّل أي احتجاج محلي إلى قضية دولية. غير أن عزل الداخل عن العالم غالبًا ما يعمّق فقدان الثقة، بدل احتواء الغضب.
ما بعد الأشخاص: تحوّل بنية المعارضة
تحدي النظام اليوم لا يتمثل في شخص أو رمز، بل في بنية معارضة مركزية، مرنة، وعابرة للتنظيمات التقليدية. هذا الواقع يفسّر عجز الدولة عن إعلان «نهاية» لأي موجة احتجاج، كما يفضح وهم البدائل الفردية التي يجري تسويقها إعلاميًا.
الثورة كمسار طويل
ما يجري في إيران ليس انفجارًا عابرًا، بل عملية تحوّل طويلة الأمد. القمع لا يوقفها، بل يعيد تشكيلها، ويعمّق القطيعة بين المجتمع والدولة، ويجعل الاستقرار أكثر كلفة وأقل استدامة.
الخاتمة: سلطة تخشى الزمن
في المحصلة، تكشف تحذيرات طهران عن نظام يخشى المستقبل أكثر مما يديره. وبين بدائل وهمية تُضخَّم دعائيًا، وبديل حقيقي يُحاصَر بالقمع، يتقدّم زمن سياسي جديد لم يعد قابلًا للإرجاء أو الاحتواء.
د. قصي الدميسي برلماني أردني سابق
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

