الوضع المظلم
السبت ٠٥ / أبريل / ٢٠٢٥
Logo
أحلام تركيا المتأرجحة
علي الأمين السويد

يحار المتابع للمشهد السوري من سبب التدافع والتزاحم التركي الاسرائيلي على المساحة السورية. فتركيا واسرائيل دولتان تربطهما علاقات أمنية واستراتيجية واقتصادية متينة وغير قابلة للزعزعة خصوصا في عهد حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس التركي أردوغان. 

إذا فما الذي يدفع هاتين الدولتين الى التلاسن حول سوريا؟ ولماذا تقوم اسرائيل بقصف المواقع التي تنوي تركيا استخدامها لنشر قواتها العسكرية تحت ذرائع مختلفة؟ 

من الوضح أن تركيا كانت تسعى للوصاية على سوريا في زمن النظام البائد قبيل هروبه. فقد كان الرئيس التركي في كل مناسبة يعرض لقاء المجرم بشار الأسد على "انفراد مطلق" لمناقشة العلاقات الثنائية دون استجابة من الأخير. 

فقد كانت خطة تركيا تقضي بفرض وصاية على سوريا بتوقيع عدة اتفاقيات مع نظام الاسد تسمح لها بالسيطرة المطلقة على سوريا عسكريا، وبالتالي اقتصاديا، وهنا بيت القصيد الأهم.  فبحجة محاربة الارهاب المتمثل بحزب العمال التركي، وداعش حسب زعم رواية تركيا مقابل دعم نظام بشار الأسد وانقاذه من السقوط، واعادته للحياة السياسية والدولية مرة أخرى. 

إلا أنه عندما لم تنجح دعوات أردوغان المتكررة في جلب الهارب بشار الاسد الى الحضن التركي لأسباب تتعلق بالهيمنة الايرانية الاشد على النظام السوري، قررت تركيا تهديد نظام الاسد بالحرب عن طريق دفع هيئة تحرير الشام للاستعداد للهجوم على خطوط النظام الشمالية في ادلب في نهاية الربع الاول من العام المنصرم. 

وبالفعل قامت هيئة تحرير الشام باستعراض الاستعدادات للمعركة عن طريق زيادة التحركات العسكرية باتجاه الجبهات، وازالة بعض السواتر الترابية، واقتطاع نصف رواتب الموظفين في ادلب استعدادا للحرب.

نجحت هذه الخدعة في جعل روسيا تطلب من تركيا التهدئة من خلال الدعوة الى مؤتمر استنا 23 لمناقشة وتقييم مسار استنا وتقريب وجهات النظر بين النظام السوري والنظام التركي. وعلى الفور وفي خطوة مسرحية استعراضية، اعلنت تركيا انها أبلغت هيئة تحرير الشام أنها لن تستقبل الجرحى في حال قامت الأخيرة بشن عمل عسكري ضد نظام الاسد. 

فأعلنت هيئة تحرير الشام تراجعها عن العمل العسكري، واعادت الوضع على الارض الى ما كان عليه قبل النفير، واعادت دفع نصف الرواتب التي تم اقتطاعها من الموظفين. 

وما إن هدأت الجلبة على الجبهات، حتى عاد الجليد الى تحركات النظام نحو الاستجابة للطلبات التركية. فتركيا على عجل من أمرها وتريد استغلال الضعف الاستثنائي لنظام الاسد لتحكم سيطرتها على سوريا بطريقة شرعية، وهي لا تريد تفويت هذه الفرصة الذهبية. 

ولسوء حظ تركيا، عاد النظام البائد لسياسة السخرية وتجاهل تركيا من قبل الاسد شخصيا الذي اهان أردوغان عدة مرات على الاعلام دون ان يغير ذلك من موقف تركيا الساعي الى تعويم من يهينها. 

وعندما تيقنت تركيا من فشل روسيا في الضغط على نظام الاسد، دفعت بهيئة تحرير الشام للهجوم على الخطوط الشمالية والشرقية في خطوة كانت تهدف لاستعادة الاراضي التي تم تسليمها بموجب اتفاقات استنا في عام 2017 والتي تم تنفيذها في بداية عام 2019. 

تقدمت هيئة تحرير الشام باتجاه الجنوب والشرق في نهاية شهر تشرين الثاني وبداية كانون الأول 2024 لتتفاجئ هي قبل غيرها بانهيار دفاعات النظام الخاوية على عروشها. 
وعندما اقتربت الهيئة من دخول حلب شرقا،  ومن خط  حدود وقف التصعيد المزعوم حدث شيئا لم يكن في الحسبان بسرعة قياسية، حيث شهدت الساحات تحولا هائلا في المسار العسكري بعد مباحثات سرية سريعة بين تركيا وروسيا وايران تم بموجبها فتح الطريق عسكريا لهيئة تحرير الشام وحلفائها من الفصائل الأخرى لاستمرار التقدم للوصول الى دمشق والسيطرة عليها معلنين نهاية عهد ال الاسد في سوريا الى الابد. 

بعد سقوط نظام الاسد بوقت قياسي اعلنت تركيا أنها تدعم الحكومة الجديدة وستقدم لها كل ما يلزم، وأنها ستقيم علاقات استثنائية معها وتعمل على ترسيم الحدود البحرية. وهنا تتكشف نيات تركيا الحقيقية التي اثارت حفيظة الدول الاوروبية التي هرعت للقاء القائد الجديد لسوريا السيد احمد الشرع لتلعب ذات لعبة تركيا بالضغط على سوريا لمنع تركيا من تنفيذ مآربها ملوحين برفع العقوبات عن سوريا وعن هيئة تحرير الشام او استمرار تلك العقوبات أو زيادتها. 

وبعد اربعة أشهر على السقوط الاسدي، لم يتغير اي واقع سوى ان اسرائيل دمرت معظم عتاد الجيش السوري المتهالك، وازدياد وتيرة التوغلات في الاراضي السورية و ارتفاع نبرة التهديدات الاسرائيلية للحكومة السورية الجديدة، وللوجود التركي في سوريا والذي هو موضوع المقال الرئيسي. 

وبالرغم من التهديدات الإسرائيلية، وبالرغم من قصف اسرائيل للمناطق التي ستقوم تركيا باستغلالها في سبيل انشاء قواعد عسكرية، تواصل تركيا سعيها لإتمام خطتها والاستحواذ على تلك النقاط بموافقة صامتة من الحكومة السورية التي ترى في تركيا على ما يبدو المنفذ الوحيد لها لاستمرار حكمها لسوريا.

وبالرغم من عدم الاعلان عن توقيع اتفاقات بين سوريا وتركيا، الا أن تركيا تتحرك في سوريا بكل حرية وكأنها وقعت اتفاقيات تسمح لها بذلك.  وهذا التحرك المبهم، تتصدى له الهجمات الاسرائيلية مدعية أنها تقصف اهدافا تشكل خطرا على اسرائيل دون القول بأنها تقصف اهدافا تركية، ودون ان توضح الحكومة السورية ما يحدث ودون تعليق من تركيا التي فقدت ثلاثة مهندسين اتراك في مطار T4 في وسط سوريا سوى ادانتها للعربدة الإسرائيلية في سوريا. 

فلماذا كل هذا الاصرار التركي على نشر قواعد عسكرية في سوريا بالرغم من تهديدات اسرائيل وبالرغم من تنفيذ اسرائيل لبعض تلك التهديدات فعلا؟

بدون أدنى شك، إذا تمكنت تركيا من فرض سيطرة سياسية وعسكرية على سوريا، سواء بشكل مباشر أو من خلال حكومة سورية موالية لها، فإنها قد تستثمر ذلك بطرق مختلفة لتحقيق مكاسب من الثروات البحرية السورية في شرق المتوسط. ويمكن تحديد السيناريوهات المحتملة كالتالي:


السيطرة على عمليات التنقيب والاستخراج

ويكون ذلك عبر الشركات التركية، فقد تمنح الحكومة السورية الموالية لتركيا تراخيص لشركات تركية مثل (TPAO) لاستكشاف الغاز في المياه السورية.

او دفع الحكومة السورية للتعاقد مع شركات أجنبية بشروط تركية، فيمكن لتركيا أن تبرم اتفاقيات مع شركات دولية، بحيث تحصل على نسبة من العوائد مقابل توفير الحماية العسكرية أو البنية التحتية.

وقد تستغل تركيا العقود السابقة الموقعة مع نظام الاسد من جهة وروسيا وإيران من جهات اخرى. فقد تعيد التفاوض على عقود التنقيب التي وقعتها سوريا مع روسيا أو إيران، أو تسعى إلى تقاسم أرباحها.


إعادة رسم الحدود البحرية السورية لصالح تركيا

إعادة التفاوض على المناطق الاقتصادية الخالصة (Exclusive Economic Zone) حيث يمكن لحكومة سورية خاضعة لتركيا توقيع اتفاقية مع أنقرة تمنح الأخيرة امتيازات بحرية أو توسّع حدودها البحرية، كما فعلت تركيا مع حكومة الوفاق الليبية عام 2019.

كما يمكن لتركيا التأثير على الترسيم البحري مع لبنان وقبرص عبر الضغط على لبنان لترسيم الحدود وفق مصالح تركيا أو دعم توجهات موالية لها في المفاوضات البحرية.

ربط الغاز السوري بالبنية التحتية التركية

ويكون ذلك عبر مد أنابيب الغاز إلى تركيا، فيمكن لتركيا استخدام موقعها كمعبر للطاقة لنقل الغاز المحتمل والمستخرج من سوريا إلى أوروبا عبر شبكتها الخاصة.

او يمكنها دمج الغاز السوري في مشاريع شرق المتوسط. فتركيا قد تستخدم نفوذها في سوريا للمشاركة في مشاريع الغاز الإقليمية مثل منتدى غاز شرق المتوسط (رغم أنها مستبعدة منه حاليًا. (

استخدام الثروات كورقة ضغط سياسية واقتصادية

يمكن لتركيا استخدام الغاز السوري كأداة ضغط على أوروبا للحصول على امتيازات اقتصادية أو سياسية، كما تفعل أحيانًا مع ملف اللاجئين. وهذا يساهم في تقوية أوراقها ضد اليونان وقبرص عبر تعزيز موقفها في نزاعات الغاز بشرق المتوسط، وفرض نفسها كلاعب رئيسي في المنطقة.

وبذلك تعمل تركيا على إضعاف النفوذ الروسي والإيراني من خلال سحب ملف الطاقة السورية من قبضة موسكو وطهران، مما يقلل من سيطرتهما على مستقبل سوريا الاقتصادي لصالح السيطرة التركية. 

وباختصار شديد يمكن القول بأنه لو نجحت تركيا في سيطرتها على سوريا، لتحولت الى عملاق جديد في المنطقة يهدد مصالح دول المنطقة جميعها ويجعلها المتحكم الأقوى في خطوط التجارة والاقتصاد في الشرق الاوسط وهذا ما ترفضه دول المنطقة العربية الفاعلة وهذا ما ترفضه اسرائيل واوروبا. 

وفي المقابل يحق لنا التساؤل، هل تتخلى تركيا عن فرصتها الثانية والاخيرة على الاطلاق للسيطرة على سوريا؟ 

حتى اللحظة، وفي ظل غياب صوت الحكومة السورية لواضح والقوي، وفي ظل استمرار الضربات الاسرائيلية للبنى الاستراتيجية التحتية لسوريا، يبدو ان كل طرف وضع طينا في اذن وعجينا في اذنه الآخرين بينما يستمر في تنفيذ مخططاته دون الاستعداد للمواجهة. 

علي الأمين السويد

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!