الوضع المظلم
الإثنين ٢٧ / أبريل / ٢٠٢٦
Logo
  • أول صحيفة كردية في دمشق 1932... وإسهامات الأمير جلادت بدرخان

أول صحيفة كردية في دمشق 1932... وإسهامات الأمير جلادت بدرخان
سردار شريف

حاول العثمانيون، في مرحلة من تاريخهم، بكل ما أوتوا من قوة اقتلاع جذور العائلة الأميرية البدرخانية من تربة الهوية الكردية، إلا أن تلك المحاولات لم تنجح في طمس أثرها أو إيقاف دورها الثقافي والسياسي. فقد حمل أفراد هذه العائلة، أينما حلّوا، رسالة ثقافية واضحة تقوم على حفظ الهوية الكردية وتعزيزها، لتتحول المنافي بالنسبة لهم إلى فضاءات جديدة للبناء والإحياء لا إلى نهاية بائسة.

وفي هذا السياق، برزت دمشق، إحدى أقدم العواصم التاريخية، كحاضنة مهمة للغة والثقافة الكردية في بدايات القرن العشرين. فقد شهدت المدينة مرحلة مفصلية من التاريخ الثقافي الكردي، حيث بدأت ملامح الصحافة الكردية الحديثة بالتشكل، لتعود من خلالها الذاكرة الكردية إلى الواجهة، وتفرض حضورها في قلب مدينة ارتبطت تاريخياً بالحضارة الإسلامية ودفن فيها القائد صلاح الدين الأيوبي.

في عام 1932، أسس الأمير جلادت بدرخان مجلة "هاوار"، التي تُعد من أهم المحطات في تاريخ الصحافة الكردية. وقد صدرت هذه المجلة باللغة الكردية (بالحروف اللاتينية) إلى جانب اللغة الفرنسية، وكانت تصدر بشكل دوري شهري. لم تكن "هاوار" مجرد مجلة أدبية أو ثقافية، بل كانت مشروعاً فكرياً متكاملاً يهدف إلى إحياء اللغة الكردية وتثبيت قواعدها وتطويرها، إضافة إلى نشر الوعي القومي والثقافي بين الأكراد.
واجهت المجلة ظروفاً سياسية صعبة في سوريا آنذاك، نتيجة التقلبات السياسية والرقابة المفروضة، إلا أنها رغم ذلك استمرت في الصدور بجهود كبيرة إلى عام 1943. وقد جرى توزيعها بطرق متعددة، بعضها سري، حيث وصلت أعدادها إلى منطقة بوطان، كما انتشرت في فرنسا وألمانيا عبر شبكة من التجار والمثقفين. داخل دمشق، كانت المجلة تجد طريقها إلى البيوت الكردية، خصوصاً في أوساط حي الأكراد، حيث كانت تقرأ وتناقش في المجالس والصالونات الثقافية، مما جعلها محوراً للحوار الفكري بين العائلات المثقفة.

استمرت مجلة "هاوار" في الصدور لأكثر من عقد من الزمن، حيث بلغ عدد أعدادها نحو ستين عدداً، تضمنت مئات المقالات والقصص والدراسات التي تناولت اللغة والتاريخ والثقافة الكردية، إضافة إلى قضايا حقوق الشعب الكردي. وقد ساهمت المجلة في ترسيخ الوعي بالهوية القومية الكردية، وفي تأسيس نهضة ثقافية كان لها أثر بعيد المدى في الأوساط الكردية.
وشهدت تلك الفترة نشاطاً ثقافياً ملحوظاً في حي الأكراد بدمشق، حيث تواجد المثقفون والسياسيون والعائلات الأرستقراطية والدينية، الذين كانوا يتابعون صدور كل عدد جديد من "هاوار" بشغف كبير، ويناقشون محتواه باعتباره نافذة على الفكر الكردي الحديث.

يمكن القول إن مجلة "هاوار" لم تكن مجرد صحيفة تصدر في دمشق عام 1932، بل كانت مشروعاً ثقافياً ونهضوياً رائداً حمله الأمير جلادت بدرخان، وأسهم من خلاله في إحياء اللغة الكردية وتثبيت حضورها في المجال الثقافي والإعلامي. وقد شكّلت هذه التجربة نقطة تحول مهمة في تاريخ الصحافة الكردية، ورسخت دور دمشق كمحطة أساسية في مسار النهضة الثقافية الكردية الحديثة.

ليفانت: سردار شريف

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!