الوضع المظلم
الخميس ٠٨ / يناير / ٢٠٢٦
Logo
إنا لله وإنا إليه راجعون.. العالم وغابات الشعبوية
إبراهيم جلال فضلون

"في عالم الغاب، لا مكان للضعفاء، والقوي هو من يفرض إرادته بلا منازع"، عبارة عادية لكنها معبرة على واقعنا المؤلم، للمشهد الدولي الراهن، حيث عادت الشعبوية الأميركية في نسختها الترمبية لتفرض منطق القوة العارية على النظام العالمي وشرطي العالم السلطوي، متجاوزةً القانون الدولي، ومهمِّشةً المؤسسات متعددة الأطراف، وكأن القانون قانونها ولها فقط، بل وكأن العالم عاد إلى ما قبل قيام الأمم المتحدة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المدافع والعقوبات، فمنذ وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في ولايته الأولى، ثم عودته لاحقاً إلى مركز القرار، أعيد تعريف السياسة الأميركية بوصفها سياسة فعل مباشر، لا تراكم دبلوماسي. العقوبات تحلّ محل التفاوض، والضربة العسكرية تسبق القرارات الدولية، والشرعية تُستمد من القوة لا من الإجماع. فنزويلا كانت المثال الأوضح: دولة تملك أكبر احتياطي نفطي في العالم، لكنها تحوّلت بفعل العقوبات الأميركية إلى اقتصاد منكمش بأكثر من 75 في المئة بين عامي 2014 و2024، مع هجرة تجاوزت 7.7 ملايين شخص، وفق بيانات الأمم المتحدة، في واحدة من أكبر موجات النزوح في التاريخ الحديث خارج الحروب المباشرة.

الشعبوية: لم تكتفِ الشعبوية الترامبية بالضغط الاقتصادي، بل استخدمت القوة العسكرية كرسالة سياسية. من اغتيال قاسم سليماني عام 2020، إلى التهديدات المتكررة ضد إيران وفنزويلا، وصولاً إلى الغارات والضربات غير المعلنة، بات واضحاً أن "الغارة الترمبية" ليست حدثاً استثنائياً، بل أداة حكم. والرسالة واحدة: لا حصانة لأحد، ولا خطوط حمراء إلا ما ترسمه واشنطن.

القوى العظمى أين؟: السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يمكن للصين أو روسيا أن تكررا هذا النموذج؟، فالصين، حتى عام 2025، لا تزال تعتمد استراتيجية النفس الطويل. فهي تمتلك ثاني أكبر ميزانية دفاع في العالم (نحو 296 مليار دولار سنوياً)، لكنها تفضّل استخدام الأدوات الاقتصادية والسياسية، كما في تايوان، حيث تضاعف حجم التبادل التجاري عبر المضيق رغم التوترات، ويتجاوز 300 مليار دولار سنوياً. ومع ذلك، فإن بكين لا تخفي استعدادها لاستخدام القوة إذا ما اعتبرت أن ميزان الردع اختلّ. أما روسيا، فقد ذهبت أبعد، باستخدام القوة العسكرية المباشرة في أوكرانيا، في حرب كلّفت الاقتصاد الروسي أكثر من 250 مليار دولار حتى نهاية 2024، وأسفرت عن مقتل وإصابة مئات الآلاف، وأعادت أوروبا إلى مناخ الحرب الباردة، ولكن بثمن دولي باهظ وعزلة سياسية واقتصادية متصاعدة.

العالم العربي: تبدو الدروس أكثر إلحاحاً لها، فالدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل، سياسياً وعسكرياً، يضع دولاً محورية مثل مصر والسعودية أمام معادلة معقدة. فمصر، التي يمر عبر قناة السويس ما يزيد على 30 في المئة من التجارة البحرية العالمية، تكبّدت خسائر تجاوزت 8 مليارات دولار من إيرادات القناة خلال 2024 نتيجة اضطرابات البحر الأحمر. والسعودية، التي تخوض تحوّلاً اقتصادياً ضخماً، تجد نفسها في محيط إقليمي هشّ، حيث أي انفجار واسع قد يهدد استثمارات تريليونية وخططاً تمتد لعقود.

مسارات التفكك: وهنا يتقاطع منطق القوة مع مسارات التفكك. الصومال، السودان، واليمن ليست مجرد أزمات داخلية، بل نماذج لدول انهارت أو تتآكل سيادتها، فباتت ساحات مفتوحة للتجاذبات الدولية. في السودان، تجاوز عدد النازحين 8.5 مليون شخص بحلول 2025، وانكمش الناتج المحلي بأكثر من 40 في المئة. في اليمن، يعتمد أكثر من 80 في المئة من السكان على المساعدات، مع اقتصاد فقد أكثر من نصف قيمته منذ 2015. أما الصومال، فلا تزال الدولة المركزية عاجزة عن فرض سيطرتها الكاملة بعد أكثر من ثلاثة عقود من التفكك.

شرعنة التفكك: أي اعتراف أو خطوة أحادية تمس وحدة هذه الدول قوبلت بتنديد دولي واسع، ليس بدافع أخلاقي صرف، بل خوفاً من فتح بوابة سابقة خطيرة. فشرعنة التفكك في مناطق تطل على ممرات استراتيجية مثل باب المندب تعني تحويل التجارة العالمية إلى رهينة صراعات دائمة. ويكفي أن نعلم أن كلفة التأمين البحري في البحر الأحمر ارتفعت في بعض الحالات بأكثر من 300 في المئة خلال 2024، وأن تحويل مسارات السفن حول أفريقيا زاد زمن الشحن بين آسيا وأوروبا بنحو أسبوعين، ما رفع أسعار السلع وأجج التضخم عالمياً.

وقفة: "التاريخ لا يرحم من لا يتعلّم، ومن لا يحمي دولته بوعيه قبل سلاحه، يجد نفسه شاهداً على انهيارها". وفي عالم الغاب الذي يتشكّل من جديد، لا يكفي أن نلعن منطق القوة، بل أن نفهمه، ونتحصّن منه، قبل أن يصبح قدراً لا فكاك منه.

ليفانت: د. إبراهيم جلال فضلون

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!