الوضع المظلم
السبت ١٤ / فبراير / ٢٠٢٦
Logo
  • العدالة بعد الأنظمة الشمولية تتطلب مقاربة مؤسسية لا شكوى فردية

العدالة بعد الأنظمة الشمولية تتطلب مقاربة مؤسسية لا شكوى فردية
وزارة العدل

إن تقليص مسار العدالة بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية إلى تقديم "شكوى فردية" و"دليل شخصي" ليس قصوراً إجرائياً فحسب، بل محاولة لتقويض جوهر العدالة وتبييض جرائم منهجية. التاريخ والشرع والقانون الدولي يتوافقون على مبدأ أساسي: عندما تتحول الجريمة إلى سياسة دولة، تصبح المحاسبة مسؤولية مؤسساتية.

أولاً — دروس التاريخ (من نورمبرغ إلى أمريكا اللاتينية)
العدالة الحديثة لم تُبْنَ على جهود الضحايا المنفردة، بل على إرادة الدولة البديلة واستنفاد أدوات التحقيق المؤسسية:
- محاكم نورمبرغ اعتبرت الانتماء إلى أجهزة القمع قرينة للذنب؛ الوثائق والأوامر والمناصب كانت أدلة كافية بدلاً من انتظار شكاوى كل ضحية.
- تجارب الأرجنتين وجنوب أفريقيا اعتمدت على فتح الأرشيفات والاعترافات المنهجية: الدولة تمتلك الأدلة، والضحايا يحملون المعاناة — ومن الباطل تحميل الضحية عبء استخراج الدليل.

 

ثانياً — التأصيل الشرعي (نهج الحكم والولاية)
العدالة في التراث الإسلامي ليست عدالة انتظار، بل عدالة مبادرة وصون للمصلحة العامة:
- ممارسات رقابية مثل عزلة الولاة لم تُقَفِ على برهان جنائي تام بل على فقدان الثقة وشبهات تضر بالأمة.
- فقه الجرائم العامة (كالحرابة والإفساد) يحمّل السلطة مسؤولية المبادرة حين يبلغها العلم، فلا تُسقَط الحقوق العامة بصمت الأفراد.

ثالثاً — التوصيف القانوني والواقعي
اشتراط أن يقدم "المقتول" أو "المغيب" شكوى هو منطق معكوس يؤدي إلى:
- إفلات المتورطين في جرائم الدولة من المساءلة.
- تحويل جرائم ذات طابع عام إلى نزاعات خاصة بين أفراد.

مطالب عملية لوزارة العدل
- اعتماد مبدأ المسؤولية الوظيفية: اعتبار شاغلي المناصب القيادية في الأجهزة الأمنية والدوائر السجنية متهمين بوظيفتهم حتى يثبت العكس (عكس عبء الإثبات).
- استرداد وحفظ الأرشيفات الجنائية: سجلات الحضور، أوامر التوقيف، تقارير "الوفيات أثناء التحقيق" — غيابها يعد جريمة إخفاء أدلة تستوجب مساءلة القيمين عليها.
- فتح دعاوى عامة ضد هياكل القمع وليس ضد أفراد فقط، وإنشاء نيابة عامة مستقلة تعترف بـ"الفيديوهات الموثقة، شهادات المنشقين، وتقارير المنظمات الدولية" كأدلة كافية لتحريك القضايا.

إن اقتصار العدالة على "الشكوى الشخصية" هو إعادة تدوير للجريمة تحت ستار القانون؛ العدالة الانتقالية تتطلب مقاربة مؤسسية ومسؤولية دولة واضحة.

المصدر: زمان الوصل

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!