الوضع المظلم
الأربعاء ٢٢ / أبريل / ٢٠٢٦
Logo
  • الكورد… قرن من التضحيات في حروب الآخرين بلا اعتراف سياسي

الكورد… قرن من التضحيات في حروب الآخرين بلا اعتراف سياسي
عبد القادر زاده محو

لم تكن القضية الكوردية يومًا مجرد مسألة قومية عابرة في تاريخ الشرق الأوسط، بل هي واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وتشابكًا، حيث تداخلت فيها الجغرافيا مع المصالح الدولية، وتحولت كوردستان إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، فيما بقي شعبها خارج حسابات التسويات. فمنذ انهيار الحرب العالمية الأولى، لم يكن الكورد طرفًا في رسم مستقبلهم، بل كانوا موضوعًا لقرارات دولية صيغت وفق مصالح القوى الكبرى، وتجلّى ذلك بوضوح في اتفاقية سايكس بيكو التي قسّمت المنطقة إلى كيانات سياسية مصطنعة، وألحقت كوردستان بأربع دول، لتبدأ مرحلة جديدة من المعاناة السياسية والوجودية.
هذا التقسيم لم يكن مجرد خطأ تاريخي، بل كان تعبيرًا عن إرادة دولية في منع تشكّل كيان كوردي مستقل، خشية أن يؤثر ذلك على توازنات المنطقة ومصالح القوى الكبرى. فالغرب، الذي رفع شعارات حق تقرير المصير بعد الحرب العالمية الأولى، سرعان ما تراجع عنها عندما تعارضت مع مصالحه الاستراتيجية، خاصة مع دول إقليمية مثل تركيا وإيران والعراق، التي شكّلت – ولا تزال – ركائز أساسية في معادلات الأمن والطاقة والنفوذ. وهكذا، تحوّلت القضية الكوردية إلى ملف مؤجل، يُستخدم عند الحاجة، ويُجمّد عند تقاطع المصالح.
خلال عقود القرن العشرين، وبين الحرب العالمية الثانية وفترة الحرب الباردة، وجد الكورد أنفسهم مرة أخرى في قلب صراع دولي لا يملكون أدواته. فقد استُخدمت حركاتهم السياسية والعسكرية كورقة ضغط بين المعسكرين الشرقي والغربي، كما حدث في تجربة جمهورية مهاباد التي سقطت بانسحاب الدعم السوفيتي، في تكرار واضح لنمط التخلي الدولي عند أول تغير في موازين القوى. هذا السلوك لم يكن استثناءً، بل قاعدة، حيث ظلّ الكورد رهينة تفاهمات إقليمية ودولية، كما حصل بعد اتفاق الجزائر عام 1975، حين توقفت فجأة أشكال الدعم للثورة الكوردية، لتُترك تواجه مصيرها وحدها.
وفي خضم الحرب العراقية الإيرانية، بلغت المأساة الكوردية ذروتها، إذ تحولت مناطقهم إلى خطوط مواجهة، فيما تعرّضوا في الداخل العراقي إلى حملات إبادة جماعية على يد نظام صدام حسين، دون أن يتحرك المجتمع الدولي بجدية لوقف تلك الجرائم في حينها. كانت تلك المرحلة دليلاً إضافيًا على أن المصالح الدولية، سواء في احتواء إيران أو دعم العراق، كانت تتقدم على أي اعتبارات إنسانية أو حقوقية تتعلق بالشعب الكوردي.
ومع بداية القرن الحادي والعشرين، بدا أن هناك فرصة لإعادة تصحيح هذا المسار، خاصة بعد سقوط النظام العراقي عام 2003، وظهور كيان إقليمي كوردي يتمتع بقدر من الحكم الذاتي، وكذلك مع بروز الدور الكوردي في سوريا بعد الربيع العربي. إلا أن هذه الفرص بقيت محدودة بسقف المصالح الدولية ذاتها، حيث لم تسمح القوى الكبرى بتحويل هذه التجارب إلى مشاريع سيادية مكتملة، خشية الاصطدام مع الدول الإقليمية الحليفة.
وقد تكرّر المشهد ذاته خلال الحرب ضد تنظيم داعش، حيث لعبت القوات الكوردية دورًا حاسمًا في دحر التنظيم، وقدّمت تضحيات جسيمة نيابة عن العالم، لكن هذه التضحيات لم تُترجم إلى اعتراف سياسي واضح بحقوقهم القومية، بل عادت القوى الدولية إلى سياساتها التقليدية القائمة على إدارة التوازنات لا حلّ القضايا.
إن أحد أبرز الأسباب التي جعلت الكورد دائمًا في موقع الضحية، هو تقاطع مصالح الدول الغربية مع دول إقليمية ترفض أي كيان كوردي مستقل. فتركيا، بوصفها عضوًا في حلف الناتو، تمثل شريكًا استراتيجيًا للغرب في ملفات الأمن والطاقة والهجرة، وإيران لاعب إقليمي لا يمكن تجاهله في معادلات الاستقرار، والعراق دولة محورية في سوق الطاقة. في ظل هذه المعادلة، يصبح دعم أي مشروع كوردي للاستقلال أو حتى لتوسيع الحكم الذاتي مخاطرة سياسية لا ترغب القوى الكبرى في خوضها، ما يدفعها إلى تفضيل الحفاظ على الوضع القائم، حتى وإن كان ذلك على حساب حقوق ملايين الكورد.
واليوم، ومع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، يعود الكورد مرة أخرى إلى واجهة الأحداث، ليس كأصحاب قضية، بل كساحة صراع محتملة. وفي كل مرة تتغير فيها خرائط النفوذ، يُعاد إنتاج المأساة ذاتها: الكورد يقاتلون، يضحّون، ثم يُتركون خارج معادلة الحل. وهنا تكمن المفارقة التاريخية، حيث تحوّل شعبٌ بأكمله إلى عنصر ثابت في الحروب، ومتغيرٍ غائب في التسويات.
إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط مستقبل الشعب الكوردي، بل يكرّس حالة عدم الاستقرار في المنطقة بأسرها، لأن تجاهل الحقوق القومية المشروعة لا يؤدي إلى إلغائها، بل إلى تأجيل انفجارها. ومن دون مقاربة دولية جديدة تعترف بالكورد كأمة لها حق تقرير مصيرها، أسوة بباقي شعوب العالم، ستبقى كوردستان ساحة مفتوحة للحروب، وسيبقى شعبها يدفع ثمن توازنات لم يكن يومًا شريكًا في صناعتها...

عبد القادر زاده محو عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا البارتي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!