-
الهوية الوطنية الجديدة: من القمع إلى التعدد المنظّم
-
من هيمنة المركز إلى دولة التعدد: معركة القوميّات ضد نظام الملالي
مقدمة: تفكيك إرث الاستبداد المزدوج
في قلب النقاش حول مستقبل إيران، تبرز الحكومة المؤقتة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كطرح يسعى إلى تفكيك إرث استبدادي مزدوج تشكّل عبر حقبتين: حكم الشاه ونظام الملالي. هذا الطرح لا يقدّم نفسه كبديل سياسي تقليدي، بل كـ آلية انتقالية محدودة زمنياً تهدف إلى إعادة تأسيس الشرعية على أساس الإرادة الشعبية والتعددية القومية. في هذا السياق، تصبح قضية القوميّات ليست ملفاً ثانوياً، بل محوراً بنيوياً في إعادة تشكيل الدولة.
القوميّات كاختبار لوحدة الدولة المستقبلية
تعكس معالجة الحكومة المؤقتة لملف القوميّات تحولاً نوعياً في التفكير السياسي الإيراني المعارض. فبدلاً من مقاربة أمنية أو تهميشية، كما في عهدي الشاه وولاية الفقيه، يتم طرح الاعتراف بالحكم الذاتي ضمن إطار دولة موحّدة كحل توازني. هذا الطرح يستند إلى برنامج مريم رجوي ذي النقاط العشر، الذي يربط بين فصل الدين عن الدولة، والمساواة الكاملة، وإلغاء التمييز، وبين ضمان حقوق القوميّات. بذلك، تتحول القضية من مصدر تهديد للوحدة إلى رافعة لإعادة بناء العقد الوطني.
الطبيعة الانتقالية: تفكيك المركزية دون تفكيك الدولة
تتميّز الحكومة المؤقتة بكونها محدودة زمنياً بستة أشهر، تُكلّف خلالها بإجراء انتخابات لتشكيل برلمان تأسيسي. هذه المحدودية الزمنية ليست تفصيلاً إجرائياً، بل تمثل ضمانة ضد إعادة إنتاج الاستبداد. فبدلاً من فرض نموذج مركزي دائم، يُفتح المجال أمام القوميّات لتحديد موقعها الدستوري عبر آلية تمثيلية ديمقراطية. بهذا المعنى، تتحول المرحلة الانتقالية إلى أداة لتفكيك المركزية القسرية دون الانزلاق إلى سيناريوهات التفكك.
في الشارع الإيراني، تتقاطع شعارات مثل "لا للشاه ولا للمرشد" و"الموت للظالم سواء كان شاهاً أم مرشداً" مع خطاب المقاومة الرسمي، لتشكّل ما يمكن تسميته بـ إجماع سلبي ضد الاستبداد. غير أن الأهمية الحقيقية تكمن في تحوّل هذا الإجماع إلى مشروع إيجابي يتمثل في دعم الحكومة الانتقالية وبرنامجها. هذا التحول يعكس نشوء هوية وطنية جديدة لا تقوم على الإنكار القومي أو الهيمنة المركزية، بل على تعددية منضبطة داخل إطار وطني جامع.
الحل الثالث: تجاوز ثنائية الحرب والاسترضاء
تطرح الحكومة المؤقتة نفسها ضمن ما تسميه المقاومة بـ "الحل الثالث"، القائم على التغيير الديمقراطي بأيدي الإيرانيين، بعيداً عن التدخل العسكري أو سياسات الاسترضاء التي أثبتت فشلها. بالنسبة للقوميّات، التي كانت تاريخياً ضحية مزدوجة للقمع الداخلي والصراعات الإقليمية، يوفر هذا الطرح إطاراً أكثر أماناً واستقراراً. فهو يمنع تحويل المظلومية القومية إلى نزعات انفصالية، ويعيد توجيهها نحو مشروع وطني جامع للتغيير.
تقاطعات القوميّات مع مشروع المقاومة
تشير المعطيات الحديثة إلى تقارب متزايد بين قطاعات من الحركات الكردية والبلوشية والعربية والتركمانية مع خطاب المقاومة، خاصة في نقاط مثل رفض ولاية الفقيه، ورفض عودة انظام الشاه، والمطالبة بجمهورية ديمقراطية لامركزية. هذا التقارب لا يعني تطابقاً كاملاً، لكنه يؤسس لـ أرضية سياسية مشتركة تسمح بقبول الحكومة الانتقالية كإطار مرحلي. كما أن الدعم الدولي المتزايد لهذا الطرح يعزز من قابلية تحوّله إلى بديل معترف به.
إشكالية البدائل المنافسة: أزمة خطاب ما قبل الثورة
في المقابل، يواجه خطاب رضا بهلوي تحديات بنيوية في أوساط القوميّات، حيث يُنظر إليه كامتداد رمزي لنظام ارتبط تاريخياً بـ القمع وإنكار الهوية القومية. كما أن غموض موقفه من قضايا مثل الحكم الذاتي واللامركزية يضعف قدرته على بناء تحالف واسع. لذلك، يتكرّس شعار "الموت للظالم سواء كان الشاه أم خامنئيً" كخط فاصل، يعكس رفضاً مزدوجاً لأي عودة إلى الماضي، سواء بصيغته الدينية أو نظام الشاه.
الخاتمة: نحو عقد وطني جديد
تُظهر هذه المعطيات أن الحكومة المؤقتة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية تمثل أكثر من مجرد هيكل سياسي عابر؛ إنها محاولة لصياغة عقد وطني جديد يعالج جذور الأزمة الإيرانية، وعلى رأسها مسألة القوميّات. وفي ظل تآكل شرعية نظام الملالي، وعجز البدائل التقليدية، يبرز هذا الطرح كخيار يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين وحدة الدولة وحقوق مكوّناتها. التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة هذا النموذج، بل في قدرته على الصمود أمام ضغوط الداخل وتعقيدات البيئة الدولية، وهو ما سيحدد ملامح إيران في مرحلة ما بعد النظام.
د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

