-
تكفير قسد اليوم تكفير الكورد غدًا
ما يجري اليوم في سوريا لا يمكن اختزاله في خلافٍ حول شكل الحكم أو طبيعة الإدارة، بل هو انزلاق خطير نحو إعادة إحياء منطق التكفير بوصفه أداة سياسية لإلغاء الشراكة الوطنية. نحن لا نواجه أزمة دولة فقط، بل أزمة وعي تُعاد هندستها بعناية، حيث تُستبدل السياسة بالفتوى، والاختلاف بالكفر، والمطالبة بالحقوق بالخيانة.
تكفير قسد وقنديل وُشيطنة كل كوردي يطالب بالشراكة الوطنية ليس موقفًا دينيًا، ولا اجتهادًا عقائديًا، بل وظيفة سياسية واضحة، خلق عدوّ داخلي جاهز، يُعلَّق عليه فشل السلطة، ويُستخدم لتعبئة الشارع السني ضد فكرة الشراكة ذاتها. قسد اليوم في الواجهة، لا لأنها الخطر، بل لأنها الحلقة الأسهل شيطنة. أما الهدف الحقيقي، فهو الوعي الكوردي، والحلم الكوردي، وكل مشروع يرفض العودة إلى دولة الغلبة القومية والمذهبية.
من يقرأ التاريخ بعين مفتوحة يدرك أن التكفير لم يكن يومًا مسألة إيمان، بل أداة حكم. المعتزلة كُفّروا لأنهم عقلانيون، والفلاسفة كُفّروا لأنهم أزعجوا السلطة، والقرامطة أُبيدوا لأنهم خرجوا عن المركز. وحين أُحرقت كتب ابن رشد، وصُلب الحلاج، لم يكن الخلاف فقهيًا، بل سياسيًا. الدين كان دائمًا الغطاء، لا الدافع.
ما فعله الخميني في إيران نموذج حديث لا يحتاج إلى كثير تأويل. وعود بالفيدرالية، شراكة مع الكورد، اعتراف بالحقوق، ثم ما إن استقرت السلطة حتى تحوّل الشركاء إلى “زنادقة”، وفتحت أبواب الإبادة. اليوم، تُعاد التجربة نفسها في سوريا، لكن بأدوات سنية تكفيرية، وبرعاية تركية مباشرة، وبصمت إقليمي مخيف. من يظن أن التكفير سيتوقف عند قسد أو قنديل، إما واهم أو يتغاضى عن المسار الكامل للمشهد. غدًا لن تكون قسد في الواجهة، بل كل قيادة كورديّة، وكل مثقف، وكل سياسي، وكل صوت يطالب بحقوق قومية أو شراكة وطنية حقيقية.
الأخطر أن هذه الدعاية التي تُضخ اليوم في الشارع السني عبر منابر دينية وإعلام مبرمج لا تقوم على التفكير، بل على النقل، ولا تخاطب العقل، بل الغريزة. تُفرغ مفاهيم سياسية مثل اللامركزية والفيدرالية من معناها، وتُعاد تعبئتها كمصطلحات كفرية، يصبح الحديث عن الشراكة الوطنية مرادفًا للانفصال، والمطالبة بالحقوق مؤامرة، ورفض الخضوع خروجًا عن “الجماعة”. هنا لا نكون أمام نقاش سياسي، بل أمام تعبئة عقائدية كارثية.
في هذا السياق، يصبح إبقاء قسد في واجهة الحوار مع الحكومة السورية الانتقالية خطأً استراتيجيًا، لا أخلاقيًا. ليس لأن قسد بلا شرعية، بل لأن وجودها في الصدارة يمنح التيار التكفيري الذريعة المثالية لمواصلة التحريض “نحن لا نكفّر الكورد، نحن نحارب قسد”. وهي كذبة وظيفية، لكنها فعّالة في الشارع.
المسؤولية الوطنية تفرض اليوم إعادة توزيع الأدوار. ليس انسحابًا، ولا تراجعًا عن الحقوق، بل خطوة ذكية تسحب الذريعة من يد التكفيريين. على الحراك الكوردي السياسي، والإدارة الذاتية، والهيئات المشتركة التي تشكّلت بعد مؤتمر قامشلو، أن تتقدّم لإدارة الحوار السياسي، على أساس نظام لا مركزي فيدرالي واضح. أما قسد، فمكانها الطبيعي أن تبقى قوة حماية، لا رأس حربة سياسية تُستنزف في معركة ليست عسكرية.
من يحرّض اليوم على تكفير قسد، سيكفّر غدًا كل قيادة كوردية، وكل مثقف، وكل ناشط، وكل من يطالب بالحقوق القومية. المسألة ليست أسماء ولا تنظيمات، بل مشروع إلغاء كامل. والتاريخ علّمنا أن التكفير حين يُطلق، لا يتوقف عند حدّ.
إذا لم يُقطع هذا المسار الآن، فإن سوريا لا تتجه إلى استقرار، بل إلى حرب أهلية جديدة، هذه المرة بين المجتمع ونفسه، باسم الدين، وتحت لافتة “الوحدة”. وما لم يُعاد الصراع إلى ميدانه الحقيقي، السياسة والعقد الاجتماعي، فإن الدم القادم لن يكون خطأً، بل نتيجة منطقية.
د. محمود عباس
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

