الوضع المظلم
الخميس ١٢ / مارس / ٢٠٢٦
Logo
حين تتحول الحكمة السياسية إلى خط الدفاع الأول
نوري بیخالي

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتقاطع فيها نيران الصراعات الدولية والإقليمية فوق جغرافيا الشرق الأوسط، برز موقف إقليم كوردستان بوصفه نموذجاً للعقلانية السياسية والمسؤولية الأمنية.

ففي اجتماع عسكري وأمني رفيع المستوى ترأسه فخامة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، جرى تقييم شامل للمتغيرات الأمنية المتسارعة في المنطقة، ولاسيما التداعيات الخطيرة للحرب الأمريكية الإيرانية وما قد تتركه من آثار مباشرة وغير مباشرة على استقرار الإقليم.

إن انعقاد هذا الاجتماع في هذا التوقيت ليس مجرد إجراء إداري أو أمني تقليدي، بل هو تعبير واضح عن إدراك القيادة في إقليم كوردستان لحجم التحديات التي تفرضها المرحلة. فالمنطقة تعيش واحدة من أكثر لحظاتها توتراً منذ سنوات، حيث تتداخل الحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى مع تعقيدات المشهد العراقي، الأمر الذي يجعل من أي فراغ أمني أو ارتباك سياسي فرصة لتمدد الفوضى وتهديد الاستقرار.

ومن هنا جاءت الرسالة التي حملها نيجيرفان بارزاني واضحة وحاسمة: إقليم كوردستان لن يكون طرفاً في أي حرب أو صراع إقليمي. هذا الموقف لا يعكس فقط رغبة سياسية في النأي بالنفس، بل يعبر عن رؤية استراتيجية تدرك أن أمن كوردستان واستقرارها لا يمكن أن يكونا رهينة لصراعات الآخرين. فالإقليم الذي عانى لعقود من الحروب والاضطرابات يدرك جيداً أن الحفاظ على السلم الداخلي يتطلب سياسة متوازنة تحمي مصالحه وتمنع تحويل أرضه إلى ساحة لتصفية الحسابات.

وفي السياق ذاته، جاء التأكيد على أن أراضي إقليم كوردستان لن تُستخدم تحت أي ظرف لتهديد الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو أي دولة مجاورة، ليعكس نهجاً سياسياً قائماً على احترام الجوار الإقليمي وتجنب التصعيد. فهذه الرسالة ليست موجهة إلى الخارج فحسب، بل تحمل أيضاً بعداً داخلياً يرسخ مبدأ أن أمن الإقليم يجب أن يبقى مستقلاً عن أجندات الصراعات الإقليمية.

غير أن التحدي الأخطر الذي واجهه الاجتماع تمثل في تصاعد الهجمات التخريبية التي تشنها جماعات عراقية خارجة عن القانون باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ، وهي هجمات لم تستهدف البنية التحتية فقط، بل حاولت أيضاً ضرب الاستقرار الذي نجح الإقليم في ترسيخه خلال السنوات الماضية. إن هذه الاعتداءات، التي خلفت خسائر بشرية ومادية، لا تمثل تهديداً لكوردستان وحدها، بل تعد انتهاكاً صريحاً لسيادة العراق برمته وتقويضاً لهيبة الدولة.

ولهذا جاء التأكيد الصريح على مسؤولية الحكومة الاتحادية في بغداد للقيام بواجبها الدستوري في منع هذه الاعتداءات وملاحقة منفذيها وتقديمهم إلى العدالة. فاستمرار هذه الهجمات دون ردع حقيقي لا يهدد أمن الإقليم فحسب، بل يفتح الباب أمام سابقة خطيرة قد تقوض منظومة الأمن الوطني العراقي بأكملها.

وفي خضم هذه التحديات، لم يغفل الاجتماع البعد الإنساني، حيث جددت القيادة في الإقليم تعازيها لعوائل الشهداء والجرحى الذين سقطوا نتيجة تلك الاعتداءات. فهذه التضحيات تذكر الجميع بأن الأمن الذي ينعم به الإقليم اليوم لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة دماء وجهود متواصلة بذلتها قوات البيشمركة والأجهزة الأمنية التي ما زالت تقف في الخطوط الأمامية دفاعاً عن أرض كوردستان وشعبها.

إن ما يميز تجربة إقليم كوردستان في هذه المرحلة المضطربة هو قدرتها على الجمع بين الحزم الأمني والحكمة السياسية. فبينما تعمل المؤسسات العسكرية والأمنية على تعزيز الجاهزية لحماية الحدود والاستقرار الداخلي، تسعى القيادة السياسية في الوقت ذاته إلى ترسيخ خطاب التهدئة وعدم الانخراط في محاور الصراع.

وفي زمن تتسارع فيه الأزمات وتتشابك فيه خطوط النار، تبدو كوردستان وكأنها تحاول أن تحافظ على موقعها كجزيرة استقرار وسط بحر متلاطم من الصراعات. غير أن الحفاظ على هذا التوازن الدقيق يتطلب استمرار التنسيق بين المؤسسات الأمنية والسياسية، وتعزيز الشراكة مع بغداد، وتحصين الجبهة الداخلية ضد محاولات زعزعة الأمن.

ففي النهاية، قد لا تستطيع كوردستان تغيير مسار الصراعات الكبرى التي تعصف بالمنطقة، لكنها تستطيع أن ترسم لنفسها مساراً مختلفاً، مساراً يقوم على الحكمة السياسية، واحترام الجوار، والدفاع الصارم عن أمن شعبها واستقرار أرضها. وفي عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم، ربما تكون هذه السياسة المتزنة هي السلاح الأقوى الذي تمتلكه كوردستان لمواجهة العواصف القادمة.

ليفانت: نوري بیخالي 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!